قامت القيامة ضد "جورج بوش الابن" مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة الأمريكية عندما ظهرت كلمة "فئران" RATS في خلفية أحد إعلاناته الدعائية التليفزيونية، التي يبثها لجذب الأصوات، وحث الناخبين على حجب أصواتهم عن المرشح الديمقراطي ونائب الرئيس الحالي (أل جور). كلمة (فئران) لم تكن موضوعة بوضوح، ولا يمكن للعين المجردة أن تمسك بها بسهولة لسرعة مرورها على شاشات التليفزيون، لكنها تظل هناك، وتكرارها يجعلها تلتصق في العقل شيئا فشيئا وبشكل خفي، فتكون النتيجة أقوى من استخدام الكلمة (نفسها) بشكلها الفج. هذه الطريقة يسمونها »الرسالة الخفية«، أي الرسالة تلك التي يرسلها المرسل عن عمد ولكنها لا تصل إلى المستقبل المقصود بشكل مباشر، بل يتم إرسالها بطريقة تبدو غير مقصودة، ولكن حسب خبراء الدعاية هذه الطريقة تعتبر أقوى كثيرا من الدعاية المباشرة، أولا لأنها تصل كما لو كانت غير مقصودة فلا تجد رفضا من جانب المشاهد، وثانيا أنها مع التكرار تثبت في الذهن دون أن تعيها العين بشكل مما يقلل من رفضها. خبراء الدعاية والإعلان في الغرب يتعاملون مع هذه الطريقة عند الدعاية لأصناف وأنواع السلع الاستهلاكية التي تجد رفضا من جانب الجماعات المناهضة لمثل تلك السلع، كجماعات حماية البيئة التي تدعو إلى رفض استخدام أنواع معينة من السلع نظرا لخطورتها على البيئة، أو (الجماعات النسوية) التي ترفض سلعا يبيعونها للمستهلك من خلال دعايات يستخدمون فيها جسد المرأة كسلعة ترغيبية، على الرغم من انعدام العلاقة بين السلعة وجسد المرأة، وغيرها من تلك الجماعات التي أصبحت تمثل جماعات ضغط حقيقية في مجال السلع الاستهلاكية. الإعلام الغربي يعرف أيضا ويفهم هذه الطريقة في تعامله مع القضايا السياسية المؤثرة التي تتعامل مع مصالحه الخاصة والمباشرة، ويلجأ إليها عادة عندما يجد نفسه محاصرا أمام أحداث لا تخدم مصالحه، أو لمحاباة قضايا معينة تخص أصدقاءه في مواجهة أحداث يؤكد مدلولها المباشر على عكس الموقف الذي تريد أن تتخذه تلك الأدوات الإعلامية، ولأنها لا تستطيع أن تناقض أحداثا صريحة المعنى، فإنها تلجأ إلى استخدام تلك الرسائل الخفية في محاولة للقضاء على أثر تلك الأحداث والوقائع في الجماهير التي تتعامل معها، كلجوئها إلى دس معان معاكسة عبر مقالات تحليلية تبدو موضوعية من النظرة الأولى، لكنها تحاول أن تشير إلى الجانب السلبي من تلك الأحداث في محاولة لتشويه الحقائق التي تقدمها الوقائع نفسها. الحكومات الغربية تلجأ رسميا إلى هذه الوسيلة أيضا، عندما تجد أن مواقفها من أحداث معينة لا تتسق مع المبادئ التي تعلنها، مما يضعها في مواقف حرجة مع شعوبها، أو على الأقل مع قطاع كبير من الشعب، مما يؤثر في مستقبلها عندما تحين فرصة اللجوء إلى تلك الجماهير لتقرير البقاء في السلطة من عدمه. القضايا العربية، وبشكل خاص تلك التي تتعلق بالأحداث في الأراضي الفلسطينية المحتلة، منذ أن عرف العالم أسماء وكلمات ومشاهد فرضت نفسها على وسائل الإعلام العالمية، ولم يعد هناك مفر من التعامل معها بكل ما تحمل من معان، مثل (الانتفاضة) و(ثورة الحجارة)، التي أصبحت تنطق برسمها العربي في لغات وسائل الإعلام الغربي كلمات فرض الحديث ذكرها، يعتبر إحدى المجالات التي تدفع الحكومات الأوروبية الغربية إلى اللجوء إلى تلك (الرسائل الخفية) في وسائلها الإعلامية، خاصة تلك التي تتبعها بشكل رسمي، أو وسائل الإعلام الخاصة التي يمكنها التأثير على توجيهها من خلال العلاقات الخاصة التي تربط أصحابها بمصالح الأحزاب الحاكمة. من خلال متابعتي لوسائل الإعلام الغربي وبشكل خاص الإعلام الإسباني، الرسمي منها والخاص، طوال زمن يزيد على العشرين عاما بحكم المهنة والإقامة في أوروبا، أمكنني رصد العديد من (الرسائل الخفية) التي تبثها وسائل الإعلام الغربية بطريقة أو أخرى، كلما فرضت أحداث الصراع (الفلسطيني-الإسرائيلي) نفسها على واقع الأحداث الجارية، ولأنه من الصعب التغاضي عن بث الأخبار التي تأتي من الأراضي الفلسطينية المحتلة، في هذه الحالة تلجأ وسائل الإعلام المختلفة إلى طرق عدة لبث تلك الرسائل الخفية، في محاولة لتخفيف حدة وقع الحدث الدموي عادة على مشاهد التليفزيون، أو قارئ الصحيفة، أو مستمع المحطة الإذاعية، مما يخلق رأيا عاما معاديا لإسرائيل. من تلك الطرق، اللجوء إلى تشويه الخبر من خلال التركيز على جوانب معينة تناقض الحقيقة، كأن تصاحب صورة القمع الصهيوني للشعب الفلسطيني صور تليفزيونية لا تعبر عن حقيقة الحدث، أو منح الفرصة لطرف واحد، هو الطرف الإسرائيلي بالطبع، للتعبير عن رأيه في تلك الأحداث، ومن خلال تقديم وجهة النظر الإسرائيلية فقط يمكن التأثير على الجمهور، الذي يظل ملتصقا إلى ذلك الرأي الأحادي، الذي يشوه بالضرورة الحدث الذي يعبر عن نفسه، فيتحول رأي الجمهور عن معنى الحدث الحقيقي بغياب رأي الطرف الآخر. أو يلجأ البعض إلى تقديم حوارات معدة »مسبقا« مع »جمهور مختار« للتعليق على الأحداث التي تتضمنها الأخبار، يمكن من خلالها تركيز الحديث على »معاناة اليهود الأبدية« أو »إعادة الحديث عن الهلوكوست«، أو تصوير الأمر على أنه »صراع اليهود بقلة عددهم وعتادهم في مواجهة بحر عربي متلاطم يحيط بهم من كل جانب«، مما يصور الوحشية الإسرائيلية على أنها دفاع عن النفس، دون أن تكون هناك أدنى جملة تتحدث عن براءة الفلسطينيين والعرب من تلك المعاناة، أو أن المسئول الحقيقي عن تلك المعاناة هم الأوروبيون أنفسهم. أيضا من »الرسائل الخفية« التي تلجأ إليها وسائل الإعلام الغربي عند تزايد الأحداث في الأراضي الفلسطينية المحتلة، اللجوء إلى تقديم أفلام سينمائية روائية أو وثائقية ذات ميول صهيونية، تتحدث عن النازي والمعاناة التي تعرض لها اليهود، ولم يعد لهم من طريق سوى إقامة وطن قومي لهم في »أرض صحراوية خالية من البشر حولوها بسواعدهم ودون مساعدة من أحد إلى جنات خضراء تنبت المن والسلوى«. بل أن تلك الصورة أصبحت محط إعجاب بعض »الانفصاليين« الأوروبيين الساعين إلى الانفصال عن بلادهم، مثل »منظمة ايتا الباسكية الانفصالية« أو المتطرفين في مقاطعة »قطالونيا« في إسبانيا، أو »الصرب« في يوغسلافيا، وعلاقة هؤلاء بالموساد الإسرائيلي لا تخفى على أحد، بل هي علاقة معروفة ولكن »غباء الإعلام والسياسة العربية« يجعلها علاقة خفية لا يجب الحديث عنها حتى »لا تغضب الحكومات الصديقة«. أقرب تلك »الرسائل الخفية« ما حدث ويحدث خلال الانتفاضة الفلسطينية الجديدة التي تجري فصولها حاليا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي وصلت قمة بشاعة الصهيونية فيها من خلال »مشهد استشهاد الطفل محمد الدرة« أمام سمع وبصر العالم برصاص الجيش الإسرائيلي المدرب والمسلح بأعتى وأحدث الأسلحة، وهو المشهد الذي وصفه أحد المعلقين بأنه »مشهد إعدام عن عمد وإصرار«، لأن الطفل وأبيه لم يكونا مسلحين، ولا حتى بالحجارة التي كانت هي سلاح الفلسطينيين، في اليوم ذاته وبعد نشرة الأخبار المسائية تم عرض الفيلم الصهيوني (قائمة شندلر)، الذي يرتكز على مأساة اليهود في معتقلات النازي، وهذا الفيلم لم يكن موجودا على خريطة البث التليفزيوني في القناة التليفزيونية الأولى التابعة للحكومة الإسبانية، ولكن تم وضعه على خريطة البرامج بعد إجراء تعديل تم في اليوم السابق على البث، وهو يوم الأربعاء، حيث تم بث الفيلم يوم الخميس، على الرغم من أن برمجة التليفزيون تتم عادة أسبوعيا من (الاثنين) إلى (الأحد). في اليوم التالي لبث الفيلم »الصهيوني« التقيت بأحد الأصدقاء العاملين في التليفزيون وسألته عن سبب بث الفيلم، فلم ينكر أنه »رسالة خفية«، بل أكد انه متفق معي على أنه (رسالة مقصودة) من جانب الحكومة الإسبانية، التي تملك السيطرة على تلك القناة من خلال تعيينها لمديرها العام بشكل مباشر، على الرغم من الموقف »الحيادي الرسمي« الذي يعلنه رئيس الوزراء خوسيه ماريا أزنار والذي يبرره بأنه يمنحه الفرصة للعب دور الوسيط المحايد (!). أكد لي هذا الصديق، أنها ليست المرة الأولى التي تصدر فيها الأوامر ببث مثل هذا الفيلم وغيره من الأفلام الروائية والوثائقية، التي تحاول إبعاد الأنظار عن وحشية إسرائيل وعنصريتها من خلال الحديث عن عنصرية النازي ضد اليهود في الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الصديق وجه العتاب (إلينا نحن العرب)، لأننا لا نستخدم نفوذنا أمام السلطات الرسمية الإسبانية والاحتجاج ضد هذه الممارسات الدعائية المتحيزة، أو طلب أن يكون مراسلو وسائل الإعلام خلال تلك الأحداث من المتعاطفين مع القضايا العربية ورفض منح تأشيرات دخول لصحافيين معروفين بتوجهاتهم الصهيونية لتغطية ردود فعل تلك الأحداث من العواصم العربية، تماما كما تفعل إسرائيل وغيرها من جماعات الضغط المعروفة، خاصة أن هذا من الأعراف المعمول بها دوليا، إضافة إلى أنه هناك العديد من الأنظمة العربية التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع السلطات الإسبانية، سواء من خلال علاقات الأسر الحاكمة العربية بالأسرة الملكية الحكمة في إسبانيا، أو من خلال المصالح الاقتصادية التي تفوق كثيرا مصالح إسبانيا مع إسرائيل. كان الصديق الإسباني محقا في عتابه، ولكنه لا يعرف أن السفارات العربية المعنية بهذا الأمر، وفي مقدمتها السفارة الفلسطينية ومكتب جامعة الدول العربية باعتباره ممثلا لكل العرب، أو غيرها من السفارات العربية التي تنتشر في الأحياء الراقية بالعاصمة الإسبانية غير مهتمة بهذا الأمر، بل أنها لا تلقي للإعلام بالا ولا اهتماما، وذلك لسبب أساسي وبسيط، وهو أن قليلا من العاملين في تلك السفارات يجيدون اللغة الإسبانية، أو يعرفون من هو الأفضل من الصحافيين لمنحهم أو رفض تأشيراتهم لتغطية الأحداث، فيقبعون في مكاتبهم وأمامهم أجهزة تليفزيون تنقل لهم قنواتهم الوطنية التي يستقبلونها عبر (الدش) الذي يزين سقف كل السفارات العربية بلا استثناء. ومن يجيد منهم اللغة يحاول أن يخفي ذلك حتى لا يتعرض لطلب من صحفي محلي لإجراء مقابلة معه يمكنه أن يدلي فيها بآراء قد (تغضب حكومته)، لأنه لا يعرف ما هو بالضبط موقف الحكومة التي يمثلها من تلك الأحداث، لأنه يقرأ ويسمع أيضا عن (قمع) المظاهرات الطلابية في العواصم العربية، التي تحاول التعبير عن رفضها لما يحدث لأشقائهم الفلسطينيين. إذا كان المرشح الرئاسي الأمريكي (جورج بوش) أصيب بالرعب من مجرد اكتشاف (الرسالة الخفية) التي تحملها دعايته الانتخابية، فإن السفارات العربية لا يعنيها مثل تلك الرسائل الخفية المعادية في الإعلام الغربي، لأنها لا تنعكس بشيء على (وجوه فرسان العرب) التي ينقلها (الدش) إلى شاشات التليفزيون التي يشاهدونها في مكاتبهم، فتلك الوجوه، رغم كل شئ، ترفع عقيرتها بالغناء لانتصارات وهمية، ومنها من يطالب الضحية العربية بالرفق في مواجهة القاتل الصهيوني. كاتب مصري مقيم في أسبانيا