مضى شهر سبتمبر بأفراحه القليلة وأحزانه الكثيرة وذكرياته التي لا تفارق اللون الرمادي, فهو شهر يقترن في وجداني بمشاعر الانكسار والألم والاحباط, أخاف من مقدمه كما لو كنت أخاف مقدم النذير الذي يحمل معه أخبار فقد الأحبة, وأحاول تجاهله عندما يأتي على أمل أن يرحل بأقل قدر ممكن من الخسائر أو الأحزان, ولا أنسى, قط, أنه الشهر الذي اختطف أحمد عرابي (المتوفى في 21/9/1911) وأحمد حسين مؤسس (مصر الفتاة) (المتوفى في 29/9/1982) ولويس عوض (المتوفى في 14/9/1990) ولطيفة الزيات (في 11/9/1996) واختطف غيرهم من عشرات الرموز اللامعة في كل اتجاه وفي كل مجال. ولست في حاجة الى تعداد من فقدناهم في هذا الشهر. يكفيه أنه الشهر الذي فجع الأمة العربية كلها بوفاة جمال عبدالناصر (في 28/9/1970) وتركها بلا زعيم يجمعها من المحيط الى الخليج ويقودها في رحلة الكرامة المقترفة بأعلام الحرية والاشتراكية والوحدة. ولكن محاولتي الهرب من تداعيات سبتمبر لم تمنعني من ملاحظة أنه جاء هذه المرة بالذكرى الثلاثين لوفاة جمال عبدالناصر, فحمل الينا صور الماضي الذي كان صحوة الحلم العربي الذي استيقظ في وجدان الأمة العربية كلها, كرامة التحرر الوطني التي امتلأت بها النفوس بعد عقود طويلة من العبودية, أمل العدل الذي أخذ يرفرف على المظلومين حاملا لهم بشارة الخلاص من ظالميهم, يقظة الشعور القومي الذي اندفع كالسيل ليكتسح كل ما كان يعوقه من قبل الرأس المرفوعة التي ظلت تقول للعالم كله: أنا عربي حطمت قيودي, وأمضي مبشرا بعالم جديد يجمعني وأقراني في كل مكان يتطلع الى وعود الزمن الآتي بالنجوم الوضاءة. لا أعرف لماذا اكتسحتني الذكريات الناصرية قوية عنيفة مكتسحة هذه المرة؟! هل لأنها الذكرى الثلاثون لوفاة البطل الذي كنا نرى فيه الأب والقائد والزعيم والمخلص والحامي والنصير الذي لم ننظر اليه على أنه حاكم فقط؟! هل لأن استدارة الرقم الثلاثين تسقط معنى الدائرة على الذكرى فترد اليوم الحاضر على الأمس البعيد فتبعثه حيا من مكمنه النائي في الذاكرة؟! هل مرارة الواقع القومي الذي نعيش انكساره بدرجات متفاوتة من المحيط الى الخليج تدفعني الى تذكر نقيضه؟! هل لأن الكثير الكثير من الفساد الذي نشهده متجسدا في رموز السياسة المعاصرة يوقظ في ذاكرتنا صورة القائد الزاهد الذي لم يعرف عنه أحد فسادا؟! هل هو الغوص المتزايد الذي وصل الى قرارة القرار من قاع عالم التبعية الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت امبراطورة زماننا الجديد؟ هل هو الصلف الاسرائيلي الذي وصل الى غايته, ولا نجد له مدافعا إلا بشكوى الضعفاء الى ولاة الأمر الذين يسكتون على الصلف الاسرائيلي بأشكال مباشرة وغير مباشرة. قد يكون الأمر راجعا الى كل ذلك والى أكثر منه, لكن المؤكد أن هذه الذكرى الثلاثين لوفاة عبدالناصر تأتي لتأخذني, وتأسرني, وترجني, وتعصف بي, وتشدني الى زمان لم نعد نملك منه سوى ذكريات أحلامه المنتصرة, وتعيدني الى زمان لم يعد لنا فيه سوى حلم الخلاص من كوابيسه المهزومة, فنتمزق ما بين الزمانين, كما لو كنا نتقلب ما بين الورد والرماد, الذي يأتي والذي لا يأتي, تدفعنا كوابيس الحاضر الى استعادة الماضي والخلاص به, كما لو كنا نهرب من الكوابيس الى الحلم, ونحلم بالعودة الى حيث كنا, مع أن الزمن لا يمكن أن يعود الى الوراء والتاريخ لا يتحرك الى الخلف. المؤكد أن تزايد وطأة لحظات الحاضر هي السبب الأول في تزايد عمليات استرجاع الماضي واستعادة لحظات انكساره بواسطة الذاكرة التي تتحول الى جرح ودواء للجرح, وفي مثل هذه اللحظات, تنفتح الذاكرة على مصراعيها, لكنها لا تضيء من محتوياتها إلا ما يتجانس وطبيعة الموقف الذي يحرك عمليات الاسترجاع أو التداعي, وذلك على نحو يعيد الى الذهن صورة حجر المغناطيس الذي لا يجذب إليه إلا كل ما يتجانس وطبيعته, والذاكرة في عمليات تداعيها محكومة بالموقف الذي لا يجذب من مخزونها إلا ما يؤكده, وما يمكن أن يتجسد به, أو يغدو دليلا على اتجاهاته الشعورية واللاشعورية, واذا كان هوان الموقف الذي نعيشه على مستويات قومية عديدة يدفعنا الى تذكر نقيضه في الزمن الماضي, على طريقة: الضد يظهر حسنه الضد, فإن فعل التضاد ينعكس على عمليات استدعاء الماضي الذي يبدو في أنقى حالاته وفي أصفى أشكاله. هكذا, جعلتنا الذكرى الثلاثون نسترجع كل أمجاد عبدالناصر التي لا تتداعى فى الذاكرة إلا لتذكرنا بنقائضها الحالية, وتجعلنا نلوذ بها من جهامة الواقع الذي يطاردنا, فنحن الى الرأس المرتفعة الشامخة التي لا تقبل الهوان من أحد, تغيير الخارطة الاجتماعية للوطن, وضع الأمة العربية موضع الصدارة من اهتمام العالم واحترامه, الكرامة القومية التي وجدت ما يرقى بها الى مستوى أحلام الملايين, الملايين الذين أحاطوا بالقائد في كل مكان, فكانوا له الدرع والسند ومصدر الالهام وجذوة الحلم المتجددة, كما كان لها وعد الخلاص من الاستعمار القديم الذي حمل عصاه على كاهله ورحل. هذه الملايين تنطبع هتافاتها في ذاكرتي, موزعة على امتداد الوطن العربي الكبير الذي تفجرت ثوراته التحررية واحدة بعد الأخرى, من المحيط الى الخليج, في اندفاع عارم, اندفاع كانت خطى جيلي بعض ملامحه التي تجسد بها وعينا, وتشكلت بها أحلامنا القومية الأولى, خصوصا بعد أن وضعتنا حرب السويس في مواجهة النصر على الاستعمار القديم وفلول عالمه الغارب, وزودتنا بمعرفة الذات القومية التي امتلكت ارادتها وحطمت قيودها, وتجسدت قوة لا نهائية خلاقة, متمثلة في حركة الجماهير العربية الصاعدة في كل مكان. هذه الحركة الصاعدة هي السياق الذي ترك أحرفه الأولى في الوعي الذين سرعان ما عثر على طريقه القومي, وذلك في سنوات المخاض التي أنتجت مئات الآلاف بل الملايين من أمثالي الذي رأوا في عبدالناصر ربان السفينة القومية, وقائد المسيرة النضالية, وحامل أعلام الحرية الوطنية, فاندفعوا وراءه منذ العام السادس والخمسين, تماما كما اندفعت في صغري داخل مظاهرات الاحتجاج على العدوان الثلاثي, واعيا أنني لست وحدي, مدركا للمرة الأولى معنى الوحدة العربية التي تجسدت شعوريا على امتداد العالم العربي الذي أصبح وطنا عربيا واحدا وفضاء قوميا متحدا. وحين انتهت معركة السويس بانهزام الاستعمار القديم, كان الوطن العربي كله يغير صورته, كأنه العنقاء التي تنبعث من لهيب رمادها, كي تولد فتية في لحظة البعث التي يتجدد بها كل شئ في أسطورة الخلق. لقد كانت حرب السويس نهاية عهد كان لابد أن ينتهي بالارادة العربية التي تفجرت كالبراكين, وبداية عهد يحمل كل إمكانات الولادة الجديدة, عهد واعد بصعود حركات التحرر الوطني, وتأجج الشعور القومي, وتدافع خطى استقلال الأقطار العربية المتحررة, وارتقاء شعوب العالم الثالث الى المكانة التي انتزعتها, ولم تتغير الخارطة المصرية العربية وحدها في زمن عبدالناصر, بل تغيرت الخارطة العالمية كلها بما أخذ يفسح أبواب الأمل لشعوب العالم الثالث التي أصبحت قوة ثالثة لا يستهان بها, وذلك في علاقات التضاد بين الكتلتين القوتين العظيمتين في زمن الحرب العالمية الباردة. وعندما ارتحلت من مدينتي الصناعية (المحلة الكبرى) الى القاهرة لأغدو طالبا في كلية الآداب بجامعة القاهرة, ازداد إدراكي لمعنى حضور عبدالناصر والقيم التي يتجسد بها وتتجسد فيه. وكان هذا الادراك قد بدأ يتشكل قبل الرحلة الى القاهرة, ففي مدينتي شاهدت استقبال العمال لعبدالناصر وأقرانه عندما زار المدينة للمرة الأولى, وفي المظاهرات التي كانت تخرج من المدرسة الثانوية عرفت معاني الوحدة العربية, وفي تجمعات الشباب شاهدت الاستقبال القومي الحاشد لعبدالناصر في سوريا التي حملت جماهيرها سيارة الزعيم الذي أتاهم مبشرا بالمستقبل الذي طال انتظاره. أما في الجامعة فقد اكتمل للوعي القومي حضوره في عقلي ووجداني, نتيجة المناخ العام من ناحية, وطبيعة التركيبة الطلابية بجامعة القاهرة في بدايات الستينيات من ناحية مقابلة. فقد كانت الجامعة في تلك السنوات البعيدة تتوهج بمجموعات متنوعة من الطلاب الذين كانوا ينتسبون الى أغلب الأقطار العربية, حيث كان يمكن أن يجتمع المغربي والتونسي والجزائري والمصري والسوري والعراقي والخليجي والسوداني وغيرهم ليتعرف كل منهم على الآخر بكل مشكلاته وأحلامه, ويتحاور معه في مواقفه وأفكاره, فيتفاعل مع التيارات التي أخذت تعلو على القطرية, وتجاوز العصبية القبلية, وتؤسس معنى الانتماء القومي في أكمل صوره.