في عام 1956 وقعت حادثة غير متوقعة ضاعفت من جو التوتر المشحون بالعنف بين القاهرة وواشنطن, وفي الوقت نفسه أصابت كل الصحافيين في بلاط صاحبة الجلالة بالذهول, وكانوا جميعا في حاجة لبعض الوقت لتقبل الصدمة, ثم تجاوزها. في 15 مارس من العام نفسه كان موعد الاستفتاء على مدة رئاسية جديدة لجمال عبدالناصر, وفي 23 ابريل من العام ذاته طلب علي أمين من هيكل أن يترك (أخبار اليوم) ويذهب للعمل معه في (الأهرام) وكانت حجته: (ان جو العمل في (أخبار اليوم) أصبح ثقيلا عليه وقد أصبح ضيق الصدر بكل شيء, ويكاد يتفجر في أية لحظة) ووافق هيكل, بل ووافق أن يكون علي أمين مراسلا مقيما لـ (الأهرام) في لندن, وفي مساء ذلك اليوم كان على موعد مع جمال عبدالناصر وأخبره بما فعل, ثم وجد نفسه يضيف: (ان علي أمين يحمل في قلبه طفلا رغم اندفاعاته أحيانا) وفوجئ بجمال عبدالناصر يسأله: (ومصطفى؟) .. وأحس هيكل ان لديه شيئا يعرفه ولا يريد أن يقوله, ثم حدث بعد فترة شيء أصاب هيكل بالدهشة, كان على موعد مع جمال عبدالناصر فإذا به وسط حديث طويل يقول له: (انت تتقابل مع مصطفى أمين بطريقة منتظمة وليس من شأني أن تقابله أو لا تقابله, هذه مسألة تخصك ولكني أرجوك أن تتحفظ في أحاديثك معه) . كان موعد الغداء يوم الثلاثاء ـ الذي اتفقوا عليه في بيت مصطفى أمين بعد أن ترك هيكل الأهرام ـ قد أصبح من عادات هيكل الثقيلة, فهو قد لاحظ ان مصطفى أمين يحاصره بالأسئلة التي تدور حول كل ما يجري في البلد, وقد حاول كثيرا أن يتهرب منه, كما انه في كل ثلاثاء كان يرسم سيناريو للهروب من أسئلة مصطفى أمين, وكان هذا الموعد في الأصل هو موعد غداء هيكل الاسبوعي في نادي (الروتاري) وقد أصر عليه علي أمين, ولم يشأ هيكل أن يخذله للعشرة القديمة بينه وبينهما. ويقول هيكل في كتابه (بين الصحافة والسياسة) وهو المصدر الرئيسي لنا في هذه الرواية: انه بعد أن سمع تحفظات جمال عبدالناصر راح وهو في طريقه إلى مكتبه يفكر فيها وتداعى في خواطره لدى استعادته لملاحظات جمال عبدالناصر شعور غريب راوده مرات في أثناء غداء الثلاثاء (كنت أشعر أحيانا لمحاولة (ضخ) أو (سحب) من نوع ما يحدث لبئر ماء أو بترول يسقطون فيه ماسورة تتصل بمحرك قوي (يشد) و(يشفط) وكان هذا الشعور بذلك يحدث معي دائما أثرا عكسيا فقد كان رد فعله الغريزي انقباض يحتبس به أي كلام له معنى أو فيه قيمة, وكنت أعزو ما أتعرض له في هذا الشأن إلى الرغبة الحارقة لدى صحافي تقطعت عنده مصادر الأخبار من ينابيعها فراح يحاول اصطيادها من حيث يجدها) ولم يكن هيكل يتصور ان ما يقوله يوم (الثلاثاء) يعيده مصطفى أمين يوم (الأربعاء) بصورة أو بطريقة أخرى لمندوب المخابرات الأمريكية, ولم يكن يدري ان عيون المخابرات المصرية وآذانها ترصد وتسمع وتصور وتسجل. لم يطل هيكل التفكير فيما سمعه من جمال عبدالناصر, فانصرف إلى شواغل العمل, وانصرف إلى ترتيبات السفر إلى لندن لاجراء جراحة لابنه علي في عينيه هناك, في مستشفى مورفيلد, وقد سافر هيكل إلى لندن على وعد أن يعود قبل احتفالات 23 يوليو, ولكن كانت هناك رسالة من القاهرة تطلب منه العودة قبل 21 يوليو, وهو اليوم الذي أجريت فيه عملية ابنه. وصل هيكل يوم 20 يوليو, وفي اليوم التالي كان في بيت جمال عبدالناصر مستعدا لمناقشة معه تسبق كتابة خطاب الرئيس في الاحتفال بعيد الثورة, وبعد نصف ساعة من الدردشة العابرة, وقبل أن يدخلا في تفاصيل الخطاب دق جرس التلفون على مكتبه, وتوجه إليه من حيث كانا في ركن من القاعة تطل نافذته على الحديقة, ولم يكن جمال عبدالناصر يتكلم وإنما كان يسمع, ولم يستغرق الوقت طويلا على التلفون فما لبث أن قال لمحدثه بهدوء (طيب) .. ثم وضع السماعة وعاد إلى حيث كنت أجلس, وكنت قد نظرت إلى ساعتي عند قيامه استجابة لرنين التلفون وكانت الساعة الثالثة إلا ثلثا بعد الظهر. ويستطرد هيكل: وبعد أن استقر جمال عبدالناصر في مقعده أمامي أشعل سيجارة جذب منها نفسا عميقا وهو ما جعلني أشعر بأن فكره تحول عما كنا نتكلم فيه, ثم قال لي وصوته يحمل نبرة حزم وأسف في نفس الوقت: (انني سأقول لك الآن شيئا أعرف انه سيضايقك) ثم أضاف: (لقد قبضوا على مصطفى أمين متلبسا بالتجسس للأمريكان) وعقد الذهول لساني وتساءلت غير مصدق لما سمعت: (غير معقول) قال: (ذلك ما حدث للأسف) وقلت والذهول مازال مستبدا بي: (سيادة الرئيس.. لا أفهم تماما ما تقول) وراح بنفس النبرة التي يختلط فيها الحزم والأسف يقول: (اسمع, انني أريدك أن تعرف بشكل واضح ان الموضوع كبير وخطير, وأنا لا أريد أن تحتكم إلى مشاعرك الشخصية) . وطلب جمال عبدالناصر من هيكل أن يفعل شيئا واحدا, أن يعبر الشارع الذي يفصل بين مكتبه ومكتب سامي شرف, وأن يطلع بنفسه على الملفات والأوراق ويستمع إلى التسجيلات الصوتية, ثم عليه بعد ذلك أن يفكر على مهل فيما سوف يطالعه ويسمعه, ثم يذهب لينام على أن يعود في الصباح, ليناقش كما يشاء. ونفذ هيكل ما اقترحه جمال عبدالناصر, ودخل غرفة فيها الملفات والتسجيلات, دخلها في الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر تقريبا, ولم يخرج منها إلا في الساعة الثامنة مساء, وعلى حد قول هيكل (دخلتها مهموما وخرجت منها ممزقا) . شفت بعيني القصة من واقع الملفات تبدأ في عام 1964 في وقت كانت فيه العلاقات المصرية الأمريكية قد دخلت مرحلة العنف, ويظهر اسم (بروس تايلور أوديل) لأول مرة في القصة في تقرير أرسله مندوب المخابرات المصرية في (أثينا) في السادس من مارس 1964 يقول فيه: (ان معلومات وصلته تفيد ان أحد رجال المخابرات الأمريكية واسمه (بروس تايلور أوديل) سيجيء للعمل في القاهرة تحت ستار دبلوماسي كمستشار في السفارة الأمريكية في القاهرة) ولم يكن ذلك مثيرا للدهشة, فأكثر من 40% من الدبلوماسيين في السفارات الأمريكية هم في الحقيقة عملاء لوكالة المخابرات المركزية. وصل بروس تايلور أوديل القاهرة في أغسطس من العام نفسه وراح يتصرف بما لا يثير الريبة, حضور الحفلات الدبلوماسية, اجراء اتصالات لا شبهة فيها, القيام بالنشاط الدبلوماسي المألوف, وفي الفترة ما بين ديسمبر 1964 ومارس 1965 بدأ اسم مصطفى أمين يظهر في تقارير متابعة أوديل, وكانت اللقاءات في البداية متفرقة, ثم بدأت في الانتظام كل يوم (أربعاء) في اليوم التالي للقاء المعتاد بين هيكل ومصطفى أمين, وكان اللقاء الاسبوعي يجرى في بيت مصطفى أمين في شارع (صلاح الدين) رقم (8) في الزمالك, وكانت اللقاءات تحاط بتصرفات تتسم بالغموض والسرية, منها ان أوديل كان يوقف سيارته بعيدا عن بيت مصطفى أمين ثم يمشي على قدميه, ومنها انه كان يصعد بالأسانسير إلى دور أعلى ثم ينزل إلى الشقة على السلالم. ونجحت المخابرات المصرية في الحصول على إذن من القيادة السياسية في تسجيل اللقاءات, وزرعت رجالها في مطبخ مصطفى أمين, وزرعت أجهزة التنصت في جدران شقته بالزمالك, وفي جدران فيللته بالاسكندرية, في 26 شارع الاسماعيلية المتفرع من طريق الحرية, وتراكمت الملفات التي ترصد كلمات وهمسات وتحليلات ولقاءات الصحافي ورجل المخابرات الأمريكية, وكان عدد هذه الملفات ثمانية, وما في هذه الملفات كان كافيا لاستصدار أمر بالقبض عليه, وعندما جرى ذلك كانت في جيب مصطفى أمين خمسة آلاف جنيه, وقبل ذلك كانت هناك أموال أخرى حصل عليها, ولم يكن مصطفى أمين يأخذ أموالا فقط وإنما كان يعطى أموالا لرجل المخابرات الأمريكية لتحويلها إلى عملة صعبة يهربها له إلى الخارج. وفي التسجيلات والملفات التي تضمها القضية ينسب مصطفى أمين أخبار وأحاديث يقول لرجل المخابرات الأمريكية انه سمعها مباشرة من الرئيس الذي يرمزان له بحرف (ر) أو ززس الحرف الأول من كلمة (ريس) وهي الكلمة الشائعة التي كان ينادى بها (الرئيس) وأغلب الظن ان مصطفى أمين أراد أن يوهم أصدقاءه الأمريكيين ان صلته القوية بجمال عبدالناصر لم تنقطع أو تهتز, وهي الصلة التي وصلت إلى ذروتها عندما كان جمال عبدالناصر يكلفه بمهام سياسية في واشنطن, مثل مهمة ابلاغ (دالاس) بعد تأميم القناة: (ان العدوان المتوقع على مصر أصبح في ذمة الله) ثم حدث العدوان بعد ذلك, وقال مصطفى أمين في القضية: انه عندما كان ينقل أخبارا على لسان (الريس) فإنه كان يتصور انه بهذه الطريقة يستطيع الحصول على معلومات مهمة من الأمريكان. ويضيف: (وعندما أعود لنفسي وأتذكر ما قلت أجد انني أخطأت ولكن شفيعي في ذلك حسن نيتي وانني قدمت لبلادي نتيجة هذه الاتصالات الكثير) . وكشفت القضية ان (أخبار اليوم) كانت تتحول في بعض الأحيان إلى غرفة عمليات يشترك فيها مصطفى أمين وهيكل وبعض رجال وكالة المخابرات الأمريكية في مصر, مثال ذلك ما حدث في أيام العدوان الثلاثي الأولى, وفي اعترافات مصطفى أمين المكتوبة نجده يقول بنفسه: (ان المباحثات بشأن وقف اطلاق النار وارسال البوليس الدولي إلى مصر كانت تجري في مكتب في (أخبار اليوم) بحضور محمد حسنين هيكل وبيل ميلر, وكنا نبلغ الرئيس جمال عبدالناصر أولا بأول بكل المعلومات ونقوم بمهمة الاتصال بين الرئيس جمال عبدالناصر وايزنهاور حتى ان الرئيس جمال عبدالناصر قال يومها: ان (أخبار اليوم) أصبحت وزارة خارجية تحت الأرض) . وكشفت القضية ان مصطفى أمين كان يستغل محرري (أخبار اليوم) في جمع الأخبار والمعلومات ليس للنشر ولكن لاستخدامها سواء في ارسالها للدولة, أو لاستعمالها في لقاءاته مع رجل المخابرات الأمريكية, وكانت هناك مكافآت من خزانة (أخبار اليوم) لمن يستجيب لهذه المهمة وينفذ ما يريد مصطفى أمين. وكشفت التسجيلات ان مصطفى أمين كان يتحدث في موقف القوات المصرية في اليمن, وفي حجم مخزون القمح في مصر, وامكانية تجويع المصريين ليضغطوا على النظام, ومعلومات عن شراء أسلحة جديدة من الاتحاد السوفييتي, والحالة المالية (السيئة) في مصر, وسيطرة الشيوعيين على جريدة (الأخبار) ومجلتي (روز اليوسف) و(آخر ساعة) واكتشاف خلايا سرية في وحدات المشاة في الجيش المصري, ومرض السكر الذي يزداد على الرئيس والذي أصابه بعد الانفصال في سوريا. أربع نقاط كان موعد هيكل مع جمال عبدالناصر في الساعة العاشرة صباحا, لكنه ذهب مبكرا نصف ساعة لعله يجد معلومات جديدة في القضية, كانت هناك بعض المعلومات عن واقعة القبض على مصطفى أمين واوديل, لقد فوجئنا بوكيل نيابة أمن الدولة وبعض ضباط الأمن القومي يدخلون عليهما في ركن ظليل من حديقة البيت الذي استأجره مصطفى أمين في ذلك الصيف في الاسكندرية, وجرى تفتيش اوديل وعثر معه على بعض الأوراق التي كتبها خلال المقابلة, وأثناء تفتيشه احتج بصفته الدبلوماسية وأخرج جواز سفره الدبلوماسي, وسئل عما يفعله, فقال: انه كان مدعوا إلى الغداء مع مصطفى أمين, وأنهما كانا يتحدثان في (مشكلات العالم) وقد أفرج عنه بعد مصادرة الأوراق التي كانت معه, وهي خمس ورقات صغيرة الحجم) . الورقة الأولى مكتوب فيها كلمات واشارات أقرب إلى رؤوس الموضوعات: الخطاب .22. المحتويات. هل هناك خطاب في الاسكندرية يوم 26. اليمن. العمرى. ماذا حدث للنعمان؟ السعودية. التغيير في الحكومة. مؤامرات الانقلابات. حالة السخط. الاتحاد السوفييتي. الصين. أما الورقات الأربع الأخرى فتسجل حوارا ادعاه مصطفى أمين جرى بينه وبين (ر) حول اضرابات عمالية في شركتي النسيج والجوت في الاسكندرية, وفي شركة النقل في القاهرة, لعدم صرف أرباح لعمالها, لانها لم تحقق أرباحا, وشائعة عن تخفيض العملة المصرية, ورفض (ر) لهذه الشائعة لان الحكومة تطبع ما تشاء من أوراق النقد, وتصريح من (ر) بأن خطابه يوم 22 يوليو سيكون ارتجاليا, وانه سيرد فيه على الناس الذي يهاجموه ويهاجموا المتصلين به, وقال (ر) ان كل ما يحدث من الخليج إلى المغرب هو من تخطيط المخابرات المركزية) . وجاء موعد هيكل مع جمال عبدالناصر.. وكان واضحا ان جمال عبدالناصر يتفهم الحالة التي كان فيها هيكل.. فبادره بالكلام.. وقال له عدة نقاط محددة: (1) ألاّ ضغوط قد جرت في التحقيق. (2) انه يعرف الصلات الإنسانية بينه وبين عائلة مصطفى أمين وانه لا يخلط بين المسائل وعليه ان يتصرف إنسانيا كما يشاء. (3) لن يسمح له مهما كانت الأسباب والدوافع بزيارة مصطفى أمين. (4) ليس عليه مسئولية فيما فعل من وساطات بينه وبين مصطفى وعلي أمين.. وطلب منه أن يمسك أعصابه حتى لا يستغل أحد ما جرى ضده.. أو للنيل منه) . وطبقا لسجلات رئاسة الجمهورية فإنه في ظهر يوم 22 يوليو دعي كل من أحمد بهاء الدين وفتحي غانم وعلي الشلقاني (مساعد خالد محي الدين في إدارة (أخبار اليوم) والمحامي الشهير فيما بعد) ومحمود أمين العالم وأحمد حمروش وسميرة الكيلاني (من الاذاعة) وحسن فؤاد للاطلاع على كل التقارير والوثائق, ثم تقرر أن يقوم وزير الخارجية محمود رياض باستدعاء السفير الأمريكي في القاهرة لوشيوس باتل وابلاغه باستياء مصر مما جرى واعتبار بروس تايلور أوديل شخصا غير مرغوب فيه, و(لم يكن محمود رياض في حاجة إلى أن يلح على هذا الطلب الأخير فقد تبين ان السفير الامريكي طلب من اوديل فور علمه بما جرى بأن يركب اول طائرة ويخرج من مصر, وقد كان (هيكل) : (بين الصحافة والسياسة) . في مساء 8 اغسطس كان هيكل مدعوا للعشاء مع جمال عبدالناصر في استراحة المعمورة بالاسكندرية, وخرجا بعد العشاء يتمشيان على شاطىء البحر ويتحدثان طويلا وبعيدا في كل شيء, وفجأة قال جمال عبدالناصر: سوف اعطيك نسخة من خطاب بعث به مصطفى امين الي, سوف تذهل من قراءته فهو اعتراف كامل. وسأله هيكل عما يقصده باعتراف كامل فقال: (انه خطاب بخط يد مصطفى امين من 60 صفحة) ثم اضاف: (لا اظنك تستطيع ان تقول ان ضغطا وقع عليه من اي نوع كي يكتب خطابا من 60 صفحة, بالضغط يمكن لاحد ان يكتب صفحة, صفحتين اما ان يكتب كتابا كاملا, ويتفرغ لكتابته اربعة او خمسة ايام, فهذا مستحيل ثم استطرد: (لكي اكون دقيقا معك فاني اعتقد انه فوجىء بالتسجيلات وبكمية ما تحتويه من (مصائب) ثم انهم طمأنوه الى اقصى حد لكي يعترف, قالوا له فيما اتصور ان خبر القبض عليه لم ينشر وانه اذا اعترف اعترافا كاملا فان الموضوع كله يمكن ان يكون محل نظر, وقالوا له ان اعترافا مفصلا هو الشيء الوحيد الذي يوفر امكانية حصر الضرر الذي يمكن ان ينشأ نتيجة لما قاله لضابط المخابرات الامريكي وقد يساعد هذا على التصرف في القضية) . سقوط ورقة التوت بعد انتهاء التحقيقات الاولية معه, نقل مصطفى امين الى سجن الاستئناف في ميدان (باب الخلق) , ومن هناك بعث برسالة لهيكل مع ضابط شاب في مصلحة السجون هو عباس لبيب الذي اصبح فيما بعد ناقدا رياضيا مشهورا في (الاهرام) , وكان مجيئه لهيكل بهذه الرسالة هو بداية صلته به ومقدمة التحاقه بالقسم الرياضي في الاهرام. كان مصطفى امين يريد ان يرى هيكل, وكذلك كان يريد بعض ادوية وفيتامينات لم تكن متوفرة في السوق المحلية فطلبها هيكل من سعيد فريحة صاحب دار الصياد في بيروت, وانتهز هيكل فرصة لقاء بجمال عبدالناصر وعرض عليه الامر, ونجح في اقناعه بان زيارة مصطفى امين ليست رغبة شخصية وانما هي مصلحة عامة تثبت ان ليس في مصر ستارا حديديا نزل لاخفاء واحد من اشهر الصحافيين في العالم العربي. وفي الساعة العاشرة الا خمس دقائق من صباح الثاني من نوفمبر عام 1965 كان هيكل يقف امام سجن الاستئناف ومعه محمود عبدالعزيز حسين رئيس قسم الحوادث في (الاهرام) وقتها, وكان يحمل في يده تصريح الزيارة, وشعر هيكل في هذه اللحظة بانقباض من هذا الموقف الذي كان في سبيله الى مواجهته ولم يكن منه بد. وفي غرفة مأمور السجن, وفي انتظار مصطفى امين, شعر هيكل ان الدقيقة تمر دهرا, وشعر بأن الموقف بالغ الصعوبة عليه وعلى مصطفى امين, لكن مصطفى امين اقبل (فاتحا ذراعيه يعانقه ويقبله على الخدين, وفي لحظة واحدة ذابت اشياء كثيرة) وتبادلا اسئلة بلهاء عن الصحة والاحوال, وكان السبب وجود مأمور السجن الذي انسحب تقديرا للظروف على الرغم من ان اللوائح تقضي بالبقاء, واصبح هيكل ومصطفى امين بمفردهما, ويروي هيكل تفاصيل تلك اللحظات العصيبة, ويقول: (بدأنا ندخل في الموضوع, قلت على الفور: اريد ان اطمئن منك اولا عن معاملتك اثناء التحقيق؟ هل وقع عليك ضغط او اكراه او قسر؟ فقال بصوت خفيض: لقد عزلت عن الدنيا اربعين يوما لم اقرأ فيها صحيفة ولم اعرف ماذا يجري؟ قلت: انني لا أسألك عن ذلك, طبيعي ان تكون هذه العزلة اثناء التحقيق, ما اسألك عنه هو: هل كان هناك شيء آخر؟ وهز رأسه نفيا ثم اجاب بالنفي, ثم سألني: لقد كتبت خطابا شخصيا الى الرئيس فهل وصله؟ وقلت: نعم, وقد قرأته, اعطاني الرئيس نسخة منه وفجأة افلت زمام السيطرة مني فقلت له: مصطفى لماذا؟ وكان صوتي جريحا بمشاعر الاسى, ولاحت في عينيه دمعة تتأرجح, واصررت على سؤالي اكرره: لماذا؟ لماذا؟ واندفع يتكلم: انني خائف من الشيوعيين, خائف منهم على سيادة الرئيس, ارجوك ان تحذره, انهم في كل مكان في الصحافة وفي الجيش, يرتبون انفسهم داخل الجيش, انت لا تعرف ماذا يفعلون انني كنت اريد اخراج ما لدي من فلوس الى الخارج قبل ان يستولوا على السلطة, ووجدت نفسي مضطرا الى مقاطعته قائلا: يا مصطفى اين هم هؤلاء الشيوعيون؟, وعلى فرض انهم على هذا النحو الذي تصفه فهل هذا يبرر ان تتصرف على هذا النحو الذي تصرفت به؟ وقال: ربما اكون اخطأت, وسالت دمعته المتأرجحة, واعطيته منديلي, ووجدتني امسك بيده, وتمالك نفسه, وعاد يسألني عما نشر في مصر وفي بيروت عن قضيته وأجبت. (وعاد يسألني: ماذا سيفعل سيادة الرئيس؟ وقلت: لم تعد المسألة ماذا سيفعل سيادة الرئيس؟ القضية الآن في الطريق الى محكمة, ولا اخفي عليك انني ادعو الله ان تكون المحاكمة سرية لان كل ما في الاوراق والشرائط مسيء للمهنة ولكل الاطراف, ومع ذلك فلا اظن ان الصورة ستتضح الا بعد انتهاء المحاكمة. وعاد الى حكاية خطر الشيوعية والشيوعيين ولم اشأ ان اجادله فلقد احسست انه يقف عند خط دفاعه الاخير, وكان لابد له من غطاء امام الناس وربما امام نفسه, بدا لي انه من الظلم في هذه الظروف ان احاول ـ انا على الاقل ـ تشديد الجدل في حكاية خطر الشيوعية والشيوعيين, واذا سقطت ورقة التوت اثناء اشتداد الجدل فأي نفع يمكن ان يعود عليه او حتى على الحقيقة من سقوطها, ان سقوطها ـ هكذا بدا لي ـ سوف يؤدي الى انفكاك تماسكه ومن الظلم له ان يدفع إلى هذه الحالة في تجربة يحتاج فيها الى اكبر قدر من تماسكه العقلي والنفسي ـ بصرف النظر عن الاساس ـ حتى يستطيع ان يعبر رحلة الاسابيع والشهور ـ وربما السنين ـ المقبلة. (وسألني: كم من الوقت اقدر ان تطول المسألة وقلت: وكيف لي او لغيري ان يعرف؟ وقال: ألم يكن كافيا انني اعترفت بكل اخطائي؟ ولم اقل شيئا واستطرد: لدي اقتراح بدل المحكمة والمحاكمة لماذا لايعتقلني سيادة الرئيس بقرار منه فترة تأديبية؟ او لماذا لا يحكم هو علي بالنفي من مصر؟ وقلت: مصطفى, دعنا نواجه الواقع كما هو ولا فائدة الآن من التعلق بأوهام واطرق برأسه ساكتا, ورحت احدثه عن بناته, ثم انتقلت الى بعض الشئون العامة المنشورة في الصحف وقد تصورت انه يخفف عنه ان يشعر بصلة مع ما يجري خارج السجن, وسألني: اذا كنت استطيع ان ارتب ارسال صحف ومجلات القاهرة وبيروت له وجهاز راديو صغير, ووعدته) . يا ويلي! كانت هناك شخصيتان عربيتان على درجة كبيرة من الاهمية كانتا تتابعان قضية مصطفى امين, سعيد فريحة, ومحمد احمد محجوب رئيس وزراء السودان الاسبق, وقد حاولا التدخل اكثر من مرة لاقناع جمال عبدالناصر بالافراج, لكن جمال عبدالناصر كان يرى ان القضية ليست قضية شخصية وانما هي قضية تخابر تمس الامن القومي للبلاد, وكل ما وافق عليه جمال عبدالناصر انسانيا هو السماح لزوجة علي امين وابنتيه وابنتي مصطفى امين بالسفر الى حيث يقيم علي امين في لندن. ورحل جمال عبدالناصر وجاء انور السادات, ووجد سعيد فريحة فرصته ليفتح من جديد حوار العفو عن مصطفى امين, لكن ما ان سمع السادات السيرة حتى انتفض في مقعده وقال: (جرى ايه يا سعيد؟ عفو يشمل مصطفى امين؟ انا لا اعفو عن الجواسيس ولم ييأس سعيد فريحة وقال: (ولكن يا سيادة الرئيس ما وقع لمصطفى امين نوع من الخطأ ونحن لا نجادل فيه وقاطعه السادات: (لم يكن نوعا من الخطأ, كان تجسسا, بالعربي الفصيح تجسس, ولو لم اكن واثقا من الموضوع مئة في المئة لافرجت عنه من اول يوم, انا اعرف تاريخ مصطفى حتى من قبل القبض عليه وانا بنفسي حذرت (جمال) وحذرت هذا الجالس هنا) وكان يقصد هيكل الذي اشار اليه وسأله: (ألم يحدث؟ فقال هيكل في حيرة: (الحقيقة لا اذكر) وراح السادات يذكر هيكل بيوم حذره فيه, وهو مالم تصل اليه ذاكرة هيكل, وحسم السادات الموضوع بنبرة بدت غريبة على هيكل قائلا: (سعيد.. اقفل هذا الموضوع ولا تفتحه معي ابدا!) . وكان تعليق سعيد فريحة الذي قاله لهيكل بعد ان خرجا من عند السادات: (يا ويلي.. شو ها العنف!) ثم استطرد ـ حسب رواية هيكل في كتاب (بين الصحافة والسياسة) : (مع جمال عبدالناصر كنا نستطيع ان نناقش, وهذا الرجل قفل الباب على الفور) . وكان عند السادات كل الحق, فقضية مصطفى امين محفوظة في متحف المخابرات العامة المصرية تحت رقم (واحد) ولم يحدث ـ كما حدث في بعض القضايا الاخرى ـ ان خرج من رجال العهد السابق من يشكك فيها, ولكن جاءت الايام والاحداث ما قلب الامور في رأس السادات. بعد حرب اكتوبر 1973 وبعد مباحثات (فض الاشتباك) بين مصر واسرائيل كان واضحا ان الاسرائيليين يريدون ـ في المباحثات ـ الافراج عن جواسيسهم, ويبدو ان هنري كيسنجر وزير الخارجية الامريكي في ذلك الوقت والذي كان يلعب دور الوسيط بين مصر واسرائيل وجدها فرصة للمطالبة بالافراج عن جواسيس الولايات المتحدة, وكان رأي السادات: انه لن يوجع رأسه بهؤلاء جميعا, وانه سوف يعطيهم لهم و(يخلص نفسه) . لكنه على غير انتظار او توقع قال لهيكل: (ما رأيك في الافراج عن مصطفى امين؟ ألم تطلب مني اكثرمن مرة ان افرج عنه؟ ويبدو ان علامات دهشة بدت على ملامح هيكل, فاستطرد السادات بالحرف: لماذا (تشعلق) حواجبك من الدهشة هكذا انهم يطلبونه وانا اريد ان اجاملهم فيه وتساءل هيكل: من هم؟ وقال السادات: كثيرون, الامير سلطان طلبه, وكمال ادهم ايضا وسكت لحظة ثم استطرد, ولماذا لا اجامل الامريكان فيه وقال هيكل: (الامر لك, بالطبع, وان كنت اخشى من ان الافراج عنه في هذا الاطار الذي كنت تتكلم فيه ـ اساءة له لماذا لا تجعل فاصل اسبوع او اسبوعين بين الافراج عنه والافراج عن كل هؤلاء الذين طلبتهم اسرائيل وطلبهم هنري كيسنجر؟ ثم اضاف هيكل: (انني جئت الآن وكان في نيتي ان انقل اليك رسالة من علي امين (وكان قد عاد الى مصر) يرجوك فيها الافراج عن توأمه وهو على استعداد لان يأخذه من باب السجن الى باب طائرة تذهب بهما الى اي مكان خارج مصر, وقال السادات بسرعة: (عال, يأخذوه, ويغوروا!) ولاحظ السادات ان هيكل غير مستريح لمجرى المناقشة فنظر اليه بنصف ابتسامة ونصف عين وقال: (انت تدعي انك تفهم في السياسة وانا اقول العكس, لو انك كنت تفهم في السياسة لوافقتني على ما قلت بالعكس, من الافضل الافراج عن مصطفى ضمن هذه الصفقة حتى لايتجاسر يوما ويفتح فمه واذا فتحه فنقدر نضربه بـ (......) ولم يكن لدى هيكل مايقول, وان اصر فيما بعد ان يسجل هذا الحوار امام المدعي العام الاشتراكي في محاضر التحقيق حتى يثبت حدوثه في وقت كان فيه السادات ومصطفى امين على قيد الحياة. كان هذا الحوار قد جرى بين السادات وهيكل في 21 يناير ,1974 وفي 27 يناير قرر السادات الافراج عن مصطفى امين افراجا صحيا, وفي مساء 31 يناير عرف هيكل وهو في بيته بقرار اخرجه من رئاسة تحرير (الاهرام) . خرج هيكل من الصحافة المصرية, وعاد اليها مصطفى امين وعلي امين واحمد ابو الفتح, وظهر فوق سطحها من كان غائرا او غائصا ممن وجدوا في نفاق العهد الجديد وتصفية الحسابات مع العهد السابق فرصة لان يحتلوا المساحات والمناصب في بلاط صاحبة الجلالة, وعكست السياسة نفسها ـ كما هي العادة ـ على الصحافة, وبدأت حملات التشهير بجمال عبدالناصر وبهيكل, وبدأت صحف عربية كثيرة تفتح ذراعيها لروايات مصطفى امين التي راح يسهب فيها في كتبه التي بدأها بكتاب (سنة اولى سجن) ثم (سنة ثانية سجن) وهكذا, واتهمت هذه الصحف هيكل بانه هو الذي كان عميلا للمخابرات الامريكية, وانه كان يقبض منها, واستشهدت بما نشرته مجلة (الحوادث) اللبنانية ان الزعيم السوفييتي (نيكيتا خروتشوف) واجه هيكل في احد مقابلاتهما بانه اخذ من جريدة (واشنطن بوست) مبالغ في مقابل مقالات, وان هذه المبالغ ـ وكانت بمئات ألوف الدولارات ـ لا تتناسب مع قيمة ما كتب هيكل (ولو يكن لهذا معنى الا ان هذه المبالغ كانت مكافأة لهيكل على خدمات غير صحفية, وبعدها فان خروتشوف طلب منه ان يغادر الاتحاد السوفييتي فورا) . وقد سألت هيكل عن هذه الواقعة فقال: انني لم اكتب في حياتي كلها مقالا في (الواشنطن بوست) ولم اتقاض منها بالتالي دولارا واحدا, وفيما يتعلق بخروتشوف فانه هو الذي دعاني في مايو 1964 في بيته في (يالتا) كي ارافقه طوال رحلته من (يالتا) الى (الاسكندرية) وهي رحلة استغرقت خمسة ايام في البحر, وذلك حتى يستطيع ان يسألني فيما يريد ويتعرف مني على عالم عربي واسلامي وافريقي يوشك ان يزوره لاول مرة بزيارته لمصر لحضور الاحتفال باتمام المرحلة الاولى من السد العالي, وبعدها لم ار خروتشوف لانه في اكتوبر من السنة نفسها سقط من السلطة فمتى كانت الواقعة التي نشرتها الحوادث؟ ومرت في النهر تيارات ودوامات وغطت مياه احداث واحداث, واذكر اننا كنا نتناول طعام الافطار في يوم من ايام شهر رمضان عام 1997 في بيت الدكتور ميلاد حنا, كان هناك على المائدة التي اشرفت عليها زوجته الكاتبة الصحفية ايفلين رياض كوكبة من نجوم الصحافة والفن وزوجاتهم, سلامة احمد سلامة, صلاح منتصر, عادل امام, لينين الرملي, وفي هذا الجو المشحون بالود والسماحة طرح صلاح منتصر فكرة اخذت انصات الجميع وانتباههم وهي ان يتصالح هيكل ومصطفى امين, فقد تغيرت الظروف, وسكنت المعارك, ولم يعد هناك من يضمن الحياة من الموت, واعترف انني كنت متحمسا لاقتراح صلاح منتصر الذي لم يعلق عليه هيكل وفضل ادارة دفة الحوار الى منطقة اخرى, لكن بعد ان انتهيت من فحص ودراسة ملف الخلاف بين هيكل ومصطفى امين تراجعت في حماسي, فالقضية ليست قضية شخصية, وليست صراعا اشبه بصراع الديناصورات او الحيتان الهائجة, القضية قضية اختلافات في رؤية النظام السياسي وطبيعته وتوجهاته ونوعية القوى التي يجب ان تديره وتسيطر عليه, ومهما كانت المواقف الشخصية فان المواقف السياسية هي التي تغلب وتحسم في النهاية.