ربمايكون من المبكر ان نقول ان انتفاضة الشعب الفلسطيني سوف تحدث بعوامل التداعي انقلابا سياسيا شاملا في الوطن العربي لكن بوسعنا ان نقول انها جرفت مرحلة يمكن ان نطلق عليها ثقافة الانهزام الذاتي. (عملية سلام الشرق الاوسط) التي بدأ مسارها المشئوم بانعقاد مؤتمر مدريد في عام 1991 وبلغت ذروتها في اتفاق اوسلو بعد ذلك بسنتين كانت تجسيدا لظاهرة الانهزام التي تفشت بين اقسام كبيرة من النخب العربية الحاكمة وغير الحاكمة.. لكنها مع ذلك لم تكن تدشينا لتلك الظاهرة. فالتدشين افرزته ملابسات حرب الخليج الثانية. الانهزام الذاتي اعلى واخطر, مراتب فقدانه الثقة بالنفس لأنه وليد الشعور الحاد بالاحباط واليأس. وعندما تتفشى ظاهرة الانهزام الذاتي بين النخب الطليعية في الامة فإنها تتحول لاحقا الى ثقافة جماهيرية متداولة.. بما يؤذن باضمحلال الأمة. وعقد التسعينيات في الوطن العربي سوف يدخل التاريخ. باعتباره المرحلة التي شهدت تألق المبشرين بثقافة الانهزام اما انطلاقا من ضحالة فكرية وفقر اخلاقي او تأدية لمهمة مدفوعة الاجر بتكليف من مؤسسات غربية ويهودية مثل وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية والموساد الاسرائيلي وما لا يحصى من جماعات مشبوهة تتحدث افكا باسم حقوق الانسان او الاغاثة او العمل الاكاديمي.. بالاضافة طبعا الى وسائل الاعلام الغربية ذات الطابع العالمي. (الشرق الاوسط الجديد) و(مكافحة الارهاب) هما المحوران الاساسيان للحملات المتصلة لمبشري ثقافة الانهزام. على مدار الايام والشهور والسنين كنا نصبح ونمسي على مقولات مغلفة ومنمقة مؤداها انه لا بديل للاستسلام لسلام ابدي مع الدولة اليهودية بشروطها وان الامة العربية لو قبلت بتلك الشروط فإن شعوبها سوف تكون موعودة برخاء اقتصادي بلا نظير. ولهذا صارت اسرائيل دولة (صديقة) مرشحة لأن تتحول الى مرتبة دولة (شقيقة) .. وفي هذا الاتجاه جرى التبشير بديانة جديدة اسمها (التطبيع) لها حارقو بخور وسدنة معبد من سياسيين ومعلقين وادباء. وعلى هذا المنوال صار العالم العربي (دائرة انتخابية) اسرائيلية يعرض فيها المبشرون العرب على شعوبهم ايهود باراك باعتباره افضل من بنيامين نتانياهو وكأن توجيه قدر الامة العربية بات محصورا داخل اجندة السياسيين الاسرائيليين. وفي تبني هذه الاجندة تحلل المبشرون من الحياء الى درجة الانخراط العلني في الحملات الامريكية الاسرائيلية ضد الاسلاميين المعارضين للسلام الخادع التي تشن باسم (مكافحة الارهاب) فألفت كتب وطبعت ووزعت بتمويل امريكي او اسرائيلي تبارى فيها مفكرون عرب في غمز الاسلام وقدح الاسلاميين. وعلى خط مواز لحملات العلاقات العامة لصالح اسرائيل الدعوة الى قبولها عربيا كانت تتصاعد حملات ضد العراق لتبرير التصميم الامريكي الاسرائيلي لابقائه تحت الحصار الى الابد. وهكذا صار من اهم عناصر الثقافة الانهزامية ان يكون (عدو الامة العربية الاول) ليس اسرائيل وانما العراق. الآن تهب رياح الانتفاضة الفلسطينية لتقتلع ثقافة انهزام الذات من جذورها.. وبذلك تضع الامة وجها لوجه مع الحقيقة الكبرى الثابتة: الصراع مع اسرائيل صراع وجود لا صراع حدود.