على ما يبدو ان جملة من القضايا العربية, وبالاخص منها القضية الفلسطينية رغم التباعد الحاصل بين الاطراف العربية لاتزال تحتل حيزا في الضمير والوجدان العربي وهذا ما جعلها مدرجة على جداول اعمال الدول العربية, وأجندتها بعيدا عن السخونة او البرودة التي يتحلى به الملف الفلسطيني لدى هذا الطرف او ذاك, والتأثير المباشر وغيرالمباشر على مستقبل هذه الدولة او تلك لكن رغم تفاوت الاهتمامات لابد من الاعتراف, ان القضية الفلسطينية بما تمثله بالنسبة للعرب والمسلمين لايمكن تجاوزها او القفز عنها باعتبارها قضية ثانوية محالة الى عامل الزمن وطاولة التفاوض الفلسطينية ـ الاسرائيلية وحسب, بل ان هذه القضية قضية مركبة تجمع ما بين الوطني والقومي والديني الاعتقادي الذي لايمكننا تجاهله والذي بات يعتبر احد عوامل التفجر الذي اذا ما بدأ سيكون كالنار في الهشيم وسنعجز انظمة وشعوبا عن توجيهها او ضبطها في الاتجاه الذي نريد او نرغب به والامثلة على مدار اكثر من نصف قرن لاتزال حية في الذهن وجزءا من الذكريات القاسية والاليمة. اذن ازاء هذا الوضع الخطير الذي يحمل كل انواع الصراعات المتبدلة والمتقلبة اصبح انعقاد القمة العربية امرا واقعا لا محالة بعيدا عن التوقيت غدا او بعد غد لكن هذه المرة لن تكون القمة مجرد مجموعة من الكلمات المقفاة والخطب الرنانة, والشعارات السياسية والوعود الوردية التي تبشرنا بمستقبل زاهر بقدر ما انها ستعقد لمناقشة مفصل تاريخي متأجج ينذر بكل الاحتمالات لانه يتطلب الكثير من المواقف الواضحة والصريحة ازاء رسم خارطة جيوسياسية, شبه نهائية للمنطقة برمتها خاصة وان هذه الخارطة المزمع رسمها ليست متأتية من ارادة داخلية عربية بقدر ماهي جزء من رؤية وارادة خارجة عن المنطقة ومصالحها الوطنية والقومية والتي تصب اولا واخيرا في خدمة الطرف الاقوى القادر على ترسيم الخارطة وتفصيلات خطوطها العامودية والافقية التي تؤسس بكل ما تحمله الكلمة من معنى وبشكل نهائي لخطوط الطول والعرض بما يتلاءم مع استراتيجيته للقرن الواحد والعشرين. اي ان القضية العربية بكل تشعباتها ومعبرها الرئيسي القضية الفلسطينية اصبحت ملحة اليوم اكثر من اي وقت مضى, وبدأنا نلعب بالمساحات الضيقة التي لا تسمح لنا نحن العرب بالكثير من المحاولات التكتيكية والمناورات المبهمة بسبب قلة الخيارات السياسية المتاحة التي فرضتها جملة من الظروف والعوامل الخارجية الضاغطة والداخلية اللامبالية ازاء الكثير من المتغيرات المتسارعة على مساحة الكرة الارضية, والتي كانت تتطلب منا الكثير من المواقف الجادة قبل تفاقم اوضاعنا الذاتية على كل المستويات, وقبل ان نصل الى هذا المستوى المتدني بالاداء السلحفاني الذي أفقدنا الكثير من حيويتنا السياسية, وجردنا من الكثير من عوامل القوة التي كنا نمتلكها وبسبب تنازلنا عن بعضها وتسليمها للطرف الآخر كهدية مجانية, بعيدا عن وعينا بها او عدمه لكن الامر سيان, والذي بدأ الطرف الآخر باستثمارها وتوجيهها ضدنا كسلاح ماض يفت في عضد الامة ويدمر الروابط التي تجمع فيما بينها بكلام آخر ففي اللحظة التي بدأت الامم جميعها تفكر بالتكتل واصطناع حتى الحالات الوهمية للراوبط السياسية والاجتماعية والاقتصادية من اجل الولوج في متاهة ما يسمى بالتغيرات الدولية والتخفيف من تأثيراتها السلبية على مستقبل شعوبهم وانظمتهم السياسية ايضا, اصبح همنا الوحيد وهدفنا الرئيسي البحث عن كل ما يضرب الروابط التاريخية القائمة بيننا ويؤجج الخلافات ويباعد فيما بيننا ليسلمنا الى الطرف الآخر فرادى حتى نؤكل كما اكل الثور الابيض. قد يفهم البعض ان هذا الكلام يحمل الكثير من النرجسية والهراء, او حشو الكلام, الا ان واقع الامر وما وصلت اليه الامور من التهاوي والانهيار على المستوى العربي يملي علينا, الوقوف بجدية اكثر من ذي قبل لبناء استراتيجية عربية موحدة تلزم جميع الاطراف العربية دون استثناء, وان تصبح الجامعة العربية اسما على مسمى, وليست لافتة لتمرير السياسات الوافدة من الخارج والتي تظهر يوما بعد يوم انها محاولة للامعان في التفتيت والشرذمة للواقع العربي كما اسلفنا القول. ووجوب استناد هذه الاستراتيجية الى ترتيب الوضع العربي اولا وهذا يبدأ من مساعدة الكثير من الدول على المستوى القطري, التي تعاني من الحروب الاهلية المدمرة, مثل السودان والصومال والجزائر, مرورا بمحاولة وضع حلول مرضية ومتوازنة بين الدول العربية المتجاورة التي لاتزال خرائطها الجغرافية, ومناطقها المحايدة بؤرا للتوتر فيما بينها. بالاضافة الى العمل الجاد والدؤوب من اجل وضع حد للنزاعات الاقليمية مع الجوار الاسلامي العربي والعمل على حلها مثل قضية الجزر الاماراتية وبعض المشكلات التي قامت على جنباتها مع الجار الايراني المسلم, ووضع آليات من خلال الجامعة العربية ومؤتمر القمة الاسلامية بغية التوصل الى حل نهائي لهذه القضية التي تعتبر نارا تحت الرماد, وعاملا محفزا للتوتر في مجمل العلاقات العربية ـ الايرانية. كما لابد من العمل, وفي ظل سيطرة قوة واحدة على مجمل القوى العالمية الاخرى, من تفعيل العلاقات العربية ـ الاسلامية من خلال اعادة المؤسسات الاقليمية الخاصة بهذا الشأن الى دورها المطلوب, ومن ثم محاولة العمل التمدد باتجاه دول عدم الانحياز التي اثبتت بجدارة, انه رغم الانهيار الحاصل على مستوى العلاقات الدولية, لاتزال هذه الكتلة تتحلى بصوت فاعل, وهذا ما ظهر في اكثر من منعطف سياسي عالمي وفي اكثر من مناسبة ومحفل دولي, وهذا ما تلمسناه من موقفها الاخير الداعي الى ادانة الاعتداءات الاسرائيلية على الشعب الفلسطيني الاعزل الا من صدور ابنائه وبعض الحجارة, واستحضار الدورين الاوروبي والروسي كمعادلين قويين لكنهما يحتاجان الى من يمدهما بعوامل القوة الاقتصادية, والعرب يمتلكون هذا الخيار بكل جدارة, لكن ما ينقصهم هو بعض الشجاعة من اجل اخذ زمام المبادرة, دون ان ننسى الصين التي بدورها تعمل من اجل اتخاذ خيار مشابه اذا ما توصلت الى مثل هذا الدعم العربي الذي يتأتى من علاقات اقتصادية واسعة النطاق وفي كل القطاعات. والاهم العمل الفوري الذي لا يقبل التأجيل في رفع الحصار عن العراق المكلوم والذي يعتبر رصيدا استراتيجيا للأمة بأكملها, ومن دونه لا يمكننا رسم استراتيجية متوازنة في المنطقة على الاطلاق, وبعيدا عن استحضار الاتهامات والهواجس التي لانزال نجترها في وسائل الاعلام والتعمية, والتي تصب في خدمة الاغراض الخارجية وتزيد من ضعف العرب على المستويات الثلاثة العربية والاقليمية والدولية, وتزيد المعتدي الاسرائيلي صلفا وغطرسة. ان تعمل القمة المزمع عقدها على وضع نواظم للعلاقة المجانية مع اسرائيل, وان تفهم الولايات المتحدة انه بقدر الابتعاد عن اسرائيل والتحيز لها تكون مستوى العلاقات العربية ـ الامريكية, وضرورة ان تعي امريكا من خلال هذه القمة العتيدة انه لا بديل للولايات المتحدة الا بتنفيذ كل متطلبات عملية التسوية السياسية الجارية على الارض, من خلال الاعتراف بالدولة الفلسطينية على الضفة وقطاع غزة والقدس الشريف, المتوازية جنبا الى جنب مع الاعتراف بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم, دون استثناء لأن هذه القضية تساوي قضية القدس, حتى ولو رأى البعض انها قضية مؤجلة, ولا يجوز ان نبقى نحن العرب, نراهن على ترحيل الازمات, بل يجب وضع حد لها انطلاقا من نزع فتائل التوتر بشكل نهائي. والانسحاب من كل الاراضي المحتلة في الجنوب اللبناني والجولان وحق العرب في مائهم ومقدراتهم ايا تكن, ودفع التعويضات اللازمة للشعب اللبناني, والتي حصلت جراء الاعتداءات الاسرائيلية منذ قيام دولة اسرائيل والى يومنا الذي نعيش, كشيء مادي حتى ولو لم يساوي شيئا قبالة الدماء اللبنانية الغالية, الا اننا يجب ألا نكافىء الغازي ولعل التجربة التي حصلت مع العراق هي الدافع الاكثر حرارة لكي تدفع اسرائيل ثمن اعتداءاتها المدمرة, خاصة وانها عوضت عن الخسائر التي لحقت بها جراء حرب الخليج اي كما يقول المثل الشعبي (واحدة بواحدة والبادىء اظلم) ودون ذلك سنبقى نراوح في المكان وسيبقى الضعيف يزداد ضعفا والقوى يزداد قوة, الى ان ينقلب الصراع الى الداخل ونصبح كلنا افغانستان ثانية لكن هذه المرة بمأساوية قد تعجز عن وصفها الكلمات والعبارات والجمل المقفاة. لكن السؤال هل حقا اصبحنا ندرك نحن العرب شعوبا وحكومات بعد كل ما حصل وقد يحصل اننا بحاجة الى وقفة جادة مع الذات تعيد الامور الى نصابها؟ ام اننا مازلنا نعيش بأوهام الشعارات الزائفة التي يطلقها هذا العدو كمقدمة لاقتحام العواصم العربية تحت شتى الذرائع؟ المهم ان مؤتمر القمة على الابواب والشعوب العربية تنتظر ما قد تسفر عنه هذه القمة وغيرها فإما الى مزيد من الترحم على الجامعة العربية ومستقبلها كاطار جامع للعرب بجدارة وإما الى صراعات دامية قد بدأنا نتلمس مقدماتها والايام المقبلة هي التي ستترجم كل التوقعات والتكهنات. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق