بعد ان سكتت اصوات المعلقين المتحمسين, وبعد ان تلاشى قرع الطبول وخفق البنود من فوق صوارى المدينة الاولمبية في سيدني الاسترالية, وبعد ان فرغت دول (معظمها متقدمة النمو) من احصاء ما حصدته من ذهب الميداليات وفضتها وبرونزيها, وبعد ان فرغت دول اخرى (معظمها نامية واحيانا خائبة النمو) من متابعة مسئوليها ومبعوثيها وهم يتبادلون اتهامات حمقاء بشأن تقصير فرقهم الرياضية التي لم تعد بشيء يذكر وبعضها ترك خفي حنين الشهيرين في اصقاع استراليا.. دع عنك ان يسوق هؤلاء المسئولون الرياضيون والاداريون حججا وتعلات اكثر حماقة يبررون بها خيبتهم في مضمار المنافسة الشريفة بين الدول ـ بعد ان انتهى كرنفال سيدني والرابح الاكبر فيه كان وكالات الدعاية والاعلان التي كسبت البلايين من الاذاعات الفضائية للمباريات, بعد هذا كله بدأ المجال يتسع حاليا لاهل التحليل السياسي وخبراء العلاقات الدولية لكي يتدارسوا امر الرياضة البدنية ودورها في مجال السياسة والعلاقات بين الدول. مزاعم البعد عن السياسة ولايغرنك في هذا السياق ما قد يتذرع به مسئولو الرياضة ـ ناهيك عن منظمي دورات الاولمبياد من انهم قوم طيبون, مسالمون ومتفاهمون يعملون بعيدا عن دوشة السياسة ووجع دماغها, في هذا يقول كبيرهم ـ (آفيري برونداغ) , الرئيس السابق للجنة الاولمبية الدولية على سن ورمح: ـ (ان الرياضة مبرأة تماما من السياسة) وربما كاد الرجل يقول من (أدران) السياسة او من (شرورها وخبائثها) . ماذا يقول الواقع والتاريخ لكن التاريخ والواقع يدحضان ما ذهب اليه المسئول الاولمبي العالمي من تبرئة الالعاب الرياضية, من تهمة السياسة وتبعاتها لقد عقدت اول دورة اولمبية في التاريخ في عام 776 قبل الميلاد وطبعا كان عقدها في ارض بلاد الاغريق ـ اليونان القديم ويومها اعلن اهل اثينا الاغريقية انهم ينظرون الى تلك الالعاب الرياضية (الاولمبية) على انها وسيلة لتوحيد صفوف اهل الحضارة والتنوير (آنذاك) بعيدا عن ويلات الحروب وصراعات القبائل والاقوام والشعوب. بل ان الميثاق الاولمبي المعمول به حاليا على مستوى عالمنا المعاصر يؤكد في بنوده على ان الحركة الالمبية (الرياضية) الحديثة تنطلق من رغبة المساهمة في (بناء عالم افضل ينعم بالسلام) . وفي هذا الاطار يحدث التفاعل الى حد التقارب بل والتماس احيانا بين الرياضة والسياسة, وفي هذا الاطار ايضا ما برحت الحكومات تنظر الى الرياضة, لا على انها ألعاب ومباريات ومنافسات فحسب, بل على انها ايضا احدى ادوات صنع السياسة وادارة العلاقات الدولية. ألا ترى مثلا ان حكومات شتى, لم تتورع, في مناسبات شتى, من استخدام سلطاتها وصلاحياتها متدخلة بذلك في دنيا الالعاب الرياضية حين فرضت اسلحة مقاطعة المباريات والدورات, وحين استغلت الرياضة سلاحا في البروياغندا للدعاية لافكارها وسياساتها بل وطروحاتها العقائدية, وحين رفضت منح تأشيرات السفر او الدخول الى اراضيها لعناصر وفعاليات رياضية, لا على اساس رياضي ولكن على اساس سياسي بحق وحين دفعت بسخاء او منعت بثبات اموالا ومساعدات حتى لا نقول رشاوي مستترة لصالح لاعبين او مؤسسات رياضية لا لوجه الله سبحانه والرياضة والسلام والتفاهم, ولكن لوجه الدعاية والسياسة بالدرجة الاولى؟ السياسة تؤثر في الرياضة لكن اذا كانت الرياضة تتأثر الى هذا الحد بالسياسة, فان الطرف الاخر من المعادلة يؤكد بدوره ان السياسة تؤثر من ناحيتها في الرياضة. هكذا يؤكد خبير في هذا المجال, جيرمي جولد برج وهو اعلامي امريكي يترأس شركة تعمل على الانترنت وتعنى بأمر العلاقة بين مؤسسات المجتمع الاقتصادية والاهلية والحكومية وفي هذا السياق يقول الخبير الامريكي: طالما تجلى الصراع السياسي في دنيا الالعاب الرياضية, سواء كان يتعلق بالمذاهب والنظم والاوضاع والاتجاهات مثلا: الرأسمالية ضد الشيوعية, او الهواية ضد الاحتراف, او النزعة القومية ـ الوطنية ـ المحلية ضد الدعوة الى النزعة الدولية ـ العالمية, او دعوة التكامل والتدامج داخل المجتمعات ضد دعوات العنصرية او الفصل والتمييز العنصري.. الخ. ويعيد الخبير المذكور الى الاذهان ما سبق اليه الزعيم الالماني ادولف هتلر في اولمبياد برلين الشهير عام 1936 حين حرص على ان يتجلى امام اعين المشاهدين ومن بعدهم قراء الصحف ومستمعو الاذاعات. ـ ما كان هتلر وعصبته يصفونه بأنه (التفوق الآرى) انطلاقا من نزعتهم في الاستعلاء العرقي. بين كاسترو وألمانيا الشرقية وقد يذكرنا هذا السياق بما اعلنه يوما الزعيم الكوبي كاسترو حين قال على طريقته شبه التلقائية من الغمز من قناة جارته الكبرى امريكا التي يصف شعبها بأنهم اليانكي ـ قال كاسترو: ـ عندما يقبل اليانكي بأمر التعايش السلمي مع بلادنا, فلسوف نغلبهم فورا في لعبة البسبول) . وغير بعيد بالنسبة لذاكرة الجيل المخضرم كيف كانت دول المعسكر الشيوعي السابق (الاتحاد السوفييتي وكتلته في شرق اوروبا) كانوا يحرصون على الفوز ـ ساحقا في بعض الاحيان ـ في مضمار الالعاب الاولمبية وخاصة العاب القوى واللياقة البدنية السوبر ـ متفوقة, وكيف ان هذا الفوز كان يظهر دول الكتلة السوفييتية ـ الشيوعية في صورة اكثر من ايجابية في اعين الشعوب, ولاسيما في العالم الثالث. ولم تكن المسألة تتعلق فقط بجوانب التنافس البدني ـ الرياضي الشريف بل كانت تتعدى بالضرورة الى حيث استخدام الرياضة, كما المحنا اداة, وسلاحا في يد المخططات السياسية ولخدمة اغراض الدعاية والاعلام. وفي هذا المضمار يلفت نظر الباحث دراسة اصدرتها وزارة الخارجية الامريكية عام 1971 ونددت فيها بما لاحظته من تقصير في استغلال الالعاب الرياضية اداة من ادوات الدبلوماسية الامريكية. السلب والايجاب على ان هذا الاستغلال السياسي او الدبلوماسي للالعاب الرياضية انما يتم على مستويين: * الاول السلبي: وفي ظله عمدت الولايات المتحدة وحليفاتها في كتلة الناتو الاوروبية, الغربية الى رفض اعطاء تأشرات لرياضيين كبار ينتمون الى الكتلة المنافسة في شرق اوروبا, واحيانا الى هذه الدولة او تلك من اقطار العالم الثالث.. بلغ هذا الرفض تحديدا 35 مرة في فترة السنوات العشر الفاصلة بين عامي 1957 و1967, وهما ذروة الحرب الباردة بين المعسكرين, ومن ناحيتها ظلت دولة المانيا الشرقية تحارب من اجل كسر العزلة التي فرضتها عليها امريكا وحلفاؤها الغربيون, ودارت رحى حربها في ساحات الملاعب وصالات الجمباز بالدرجة الاولى, وبفضل التفوق الباهر الذي احرزه لاعبوها في تلك الفترة, اجبرت برلين الشرقية المنظمات الاولمبية العالمية على فسح المجال للاعبيها ضمن الفعاليات الاولمبية, وكانت في ذلك الباب الملكي امام المانيا الشرقية الى نيل اعتراف دبلوماسي واسع النطاق من دول كثيرة في العالم. وفي اطار هذا الاستخدام السلبي ايضا للالعاب الرياضية وتوظيفها صراحة في خدمة الهدف السياسي, يأتي قرار الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر بمقاطعة اولمبياد موسكو في عام 1980 وقد جاء هذا القرار ردا من جانب واشنطن على واقعة قيام الاتحاد السوفييتي بغزو افغانستان في عام 1979, ورغم صعوبة تنفيذ مثل ذلك القرار الا ان المقاطعة بكل ما احاطها من دعايات ما لبثت ان حولت دفة الامور الى غير صالح الكرملين السوفييتي, فمن بين 144 دولة وجهت اليها الدعوة للمشاركة في اولمبياد موسكو لم تستجب للدعوة اصلا 33 دولة, فيما اعلنت 30 دولة مقاطعة الدورة الاولمبية, ومن ثم لم يشارك فيها سوى 81 دولة فقط. طبعا من جهتها ظلت موسكو تتحين فرصة الرد على هذه الضربة القاصمة وهكذا قاد الاتحاد السوفييتي حملة من مقاطعة لدورة الالعاب الاولمبية التي عقدت في لوس انجلوس الامريكية عام 1984. المستوى الثاني ـ الايجابي ولعل ابرز نماذجه هو ما دخل الى قاموس العلاقات الدولية تحت اسم (سياسة تنس الطاولة) وهو النموذج الذي دل على الدور الذي يمكن ان (تلعبه) الالعاب الرياضية في كسر حواجز العزلة بين الدول والشعوب, ومشكلة هذه العزلة بين الدول هي نفس المشكلة مع الافراد هي ارتفاع حواجز من الجفاء وعدم التفاهم والركون الى تصوير (الآخر) على اساس صور نمطية جامدة (سنتريوتايب) وهي بالتالي بعيدة عن الحقيقة الموضوعية وعن الواقع المعاش وفي ضوء هذا التنميط للآخر تتفاقم كل عوامل اساءة فهم تصرفاته وتفسير معظم, وربما كل هذه التصرفات بصورة تزيد الامر سوءا بما يغذي مشاعر الترصد والتوجس وانعدام الثقة في النوايا وفي التوجهات بين الطرفين. والنموذج الذي تشير اليه بطبيعة الحال يتعلق بالعلاقات بين الصين الشعبية والولايات المتحدة الامريكية, ونبادر فنقول ان البادىء بالخطأ في اطار هذه العلاقات هو امريكا التي بادرت الى فرض طوق فولاذي من العزلة حول دولة الصين الشعبية بعيد اعلانها في عام 1949 وكان ذلك تحيزا صارخا ومغرضا ضد نظام بيجين الثوري الجديد بزعامة ماوتسي تونغ وقد اختاره شعب الصين بمئات ملايينه فوق ارض الصين, وكان ايضا تحيزا مغرضا ـ لايخلو في رأينا من حماقة السياسة ـ لصالح نظام ركاي شيك الذي اقام دولة مرتبطة بأمريكا في جزيرة تايوان ظلت بكل محدوديتها تستأثر غضبا واستفزازا بمقعد الصين في منظمة الامم المتحدة. دبلوماسية تنس الطاولة ويبدو ان عام 1971 جاء ليدفع الدبلوماسية الامريكية الى ادراك قيمة الدور الذي تؤديه الرياضة في السياسة وهو ما اشار اليه تقرير الخارجية الامريكية الذي المحنا اليه فيما سلف من سطور وربما ادرك دهاقنة السياسة الخارجية الامريكية وقتها ـ وعلى رأسهم هنري كيسنجر, مستشار الامن القومي للرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون ان قد حان الوقت للانفتاح على الصين بوصفها قوة كبرى اقليمية ودولية على السوء, وكان اول خطوات هذا الانفتاح هو اسقاط حاجز التوجس والتربص والترصد وسوء فهم الآخر وتبديد معالم الصورة المقولبة النمطية الجامدة عن (الآخر) . هنا خفت الرياضة بكل براءتها وعفويتها ولو في الظاهر لكي تكسر حاجز الجليد ولكي تبعث قدرا من الوفاء في علاقات واشنطن وبيجين بما قد يرفع درجة الحرارة التي تذيب ما تراكم عبر سنوات الحرب الباردة القارسة, من كتل هذا الجليد. والذي حدث هو ان رتبوا لزيارة لم تسلط عليها اضواء كاشفة لفريق امريكي لتنس الطاولة الى العاصمة الصينية في عام 1971 ويومها بدأ العالم يتكلم عن دبلوماسية البنج بونج, وبعد اشهر جاء عام 1972 ليجد الجو مهيأ لزيارة رياضية اخرى قام بها فريق امريكي في لعبة البيسبول واعقب ذلك زيارة قام بها هنري كيسنجر نفسه وصفها الزعيم ماو حين قال: ـ لقد سمعنا طرقات على ابواب سور الصين العظيم وحين فتحنا وجدنا الدكتور كيسنجر عند الباب فسمحنا له بالدخول. وكان من الطبيعي ان يمهد هذا كله لزيارة مشهودة قام بها الرئيس نيكسون شخصيا الى بيجين ومن ثم الى تطبيع العلاقات بين الطرفين. الرياضة ودول الهواجس وفي هذا السياق يعلن الخبير الامريكي جولدبرج الذي قال: ـ هكذا ساعدت هذه المبادلات الرياضية على فتح حوار جديد يقوم على التفاهم بما يوحي بان بوسع الالعاب الرياضية ان تقوم بدور مهم ومشجع في تطوير العلاقات بين الدول, بل وفي اقامة جسور من التواصل بين امريكا ودول اخرى. مجلة واشنطن كوارترلي الفصلية ـ عدد خريف عام 2000. والكاتب الامريكي يعني بهذه الدول الاخرى دولا ونظما مازالت مصنفة في قواميس الدبلوماسية الامريكية في خانة الخصوم بل ظلت حتى الآونة الاخيرة توصف عند الساسة الامريكان بانها (الدول الشقية او الشريرة) ثم ما لبثوا ان ادركوا سخافة التسمية وربما حماقة اطلاقها على دول ونظم سياسية مهما بلغ اختلافهم معها ومن ثم عمد الرئيس كلينتون الى تغيير التسمية ليطلق على تلك الدول والنظم ومنها مثلا كوبا او كوريا الشمالية او ايران او ليبيا ـ وصف الدول الباعثة على القلق او (محل الهواجس) ـ هواجس امريكا وعوامل قلقها بطبيعة الحال. كاتب سياسي ـ من مصر