منذ أن أطلقت رئيسة وزراء الكيان الصهيوني جولدا مائير شعار (أرض بلا شعب) واليهود يحاولون أن يقولوا لكل العالم بأن هذا ليس شعارا فقط, بل هو حقيقة, ففلسطين كما تريدها جولدا مائير وحتى أحقر مستوطن في أقذر مستعمرة يهودية اليوم هي أرض بلا شعب, ولذلك كانت تردد (انها أتعس لحظة تلك التي أعرف فيها بمولد طفل فلسطيني) . وذهبت مائير, وجاء بعدها ساسة كثيرون من فصيلتها وعلى شاكلتها, فعلوا أكثر من حدود المستحيل, بالقهر والإبادة وبكل أنواع الأسلحة ومختلف مسالك الجريمة, تهويد فلسطين وتذويب أهلها, لكن (إسرائيل) تصعقها مفاجآت الشعب الفلسطيني دائما إلى درجة فقدان التوازن والعقل. اليوم كل فلسطين, مدن الضفة وقطاع غزة, الناصرة والجليل, كل القرى والمناطق الممتدة حتى حدود لبنان تفتح صدورها وتقف لتقول للعنجهية: هنا أرض وهنا شعب وما أنتم سوى غزاة وشذاذ آفاق, جئتم من تيه القرون وستذهبون إلى الضياع ذات يوم ولن تزول عنكم لعنات الأنبياء أبدا, هذه حقيقة لمن لا يرى سوى أسلحة أمريكا, ومليارات أمريكا, وقوة اليهود وضغط اللوبي الصهيوني. السياسة (فن الممكن) وكل الممكن وغير الممكن تقدمه أمريكا لإسرائيل, لانها ترعى مصالحها القومية في الشرق الأوسط, ومصالح بحجم دولة عظمى كالولايات المتحدة لابد أن تحرس وتحمى بهكذا تعاطف ومساندة كالتي تقدمها هذه لاسرائيل.. دون أن نتغافل عما تعنيه الصهيونية من تغلغل في كل مؤسسات الضغط على صانع القرار الأمريكي, وعما تمثله الفكرة الصهيونية في العقيدة المسيحية. ومع كل هذا, فإن موازين القوة والتوازن في منطقة الشرق الأوسط ليست كلها بيد إسرائيل وأمريكا, هناك اعتبارات أخرى, ولعبة أخرى لها أطرافها, ولهذه الأطراف مصالح وتوازنات معقدة وفاعلة ولا يمكن أن تتجاهلها إسرائيل أو تتجنبها الولايات المتحدة الأمريكية. صحيح انها تحاول احتواءها واسقاطها في اغراءات كثيرة, لكن هذا لا يعني ان الاحتواء تم بشكل نهائي. القاهرة لها توازناتها في المنطقة وهي لم تضع كل أوراقها في السلة الأمريكية برغم ما صرح به السادات ذات يوم عندما قال إن أوراق الحل بيد أمريكا بنسبة 99%, ودمشق لها تحالفاتها أيضا, إيران لها كلمة في المنطقة طالما ارتبطت بتحالفات واضحة مع سوريا ولبنان عن طريق حزب الله, وهي على وشك الاتفاق مع القاهرة, ولا ننسى ان توازنات الأرض المحتلة لها اعتباراتها أيضا سواء كانت قوات حماس أو شباب الأقصى أو قوات السلطة الفلسطينية. وهذه حساباتها دقيقة جدا وحاسمة أحيانا.. فهي التي أشعلت فتيل المواجهات التي نعيشها هذه الأيام وهي أيضا التي ترفض اطفاء هذا الفتيل برغم حمام الدم الذي يفجره جيش باراك بمعاونة المستوطنين. وأمام شاشات التلفزة العربية والعالمية, وإلى أي بقعة يسكنها إنسان تصل أخبار ما يحدث في فلسطين, مما يزيد من شراسة الصهاينة لان هذا التسليط الاعلامي على ثورة أهالي فلسطين بكل هذا الاحتفاء والتعاطف يعني باختصار كذب جولدا مائير وتهافت نظرية عاشت عليها اسرائيل طويلا, وثبت اليوم أكثر مما مضى ان في فلسطين شعبا يقاوم رغم كل محاولات الافناء التي يمارسها الصهاينة منذ منتصف القرن الماضي, وانه باق متجذر في أرضه, متمسك بهويته, وممنوع بأمر إسرائيل ومعاونة أمريكا من التسلح والدفاع عن نفسه حتى لا يتهم بالارهاب!!