حسب رواية أندرو توللي, ضابط المخابرات المركزية فإن الضباط الأحرار خدعوا عمداً عملاء المخابرات المركزية قبل الحركة, وبعدها كذلك, فكان أن تصورت المخابرات المركزية أن محمد نجيب الزعيم الحقيقي و(المنقذ الأول) للبلاد. لكنها سرعان ما اكتشفت ان جمال عبدالناصر هو (الرجل القوي) فراحت تفرد شباكها عليه مضحية بمحمد نجيب, على الرغم من ان التقرير المرفوع من العملاء في القاهرة عن جمال عبدالناصر لم يكن مريحا, فهو يقول: ان عيوب جمال عبدالناصر هي الغرور والعناد والتشكك والجشع إلى الحكم, أما نقاط قوته فهي الثقة المطلقة بالنفس والمرونة الفائقة والشجاعة وقوة الأعصاب والاستعداد للمخاطرة والمهارة التكتيكية العالية والتمسك بما يريد (وهو يفرح فرحا صبيانيا بأعمال التآمر, وعلى الرغم من كونه صبورا وماهرا فإنه قد يفقد السيطرة على نفسه أحيانا) . فور قيام الثورة كان علي صبري يوقظ صديقه الملحق الجوي الأمريكي من نومه ويبلغه بما وقع, وبهذه المكالمة التاريخية بدأت المرحلة الأولى في العلاقات بين ثورة يوليو وواشنطن, المرحلة التي يطلق عليها هيكل مرحلة (الترويض) وهذه المرحلة بدأت بطلب شراء أسلحة لمصر من الولايات المتحدة وانتهت بصفقة الأسلحة مع الاتحاد السوفييتي في عام 1955. كانت كلمة (السلاح) هي الكلمة ـ المفتاح في هذه المرحلة التي استمرت نحو ثلاث سنوات, وكان هذا متوقعا على الأقل من جانب النظام الثوري الجديد في مصر, فالجيش الذي تقدم ليحتل موقع القوة في البلاد كان يشعر بالضعف والمهانة, والانجليز من جانبهم لم يقتنعوا بالجلاء والرحيل ـ خلال مفاوضات ما قبل الثورة ـ (لانه لم تكن هناك قوة مسلحة قادرة على فرض الاقتناع) ووراء القاعدة التي يحتلها الانجليز تترامى أرض عربية أخرى هي فلسطين واجه عليها الجيش المصري محنته القاسية في عام 1948. وفي جو كان يوحي بالتفاهم كان أول طلب تقدمت به مصر إلى الولايات المتحدة هو طلب شراء أسلحة يدفع ثمنها بالاسترليني من أرصدة مصر المجمدة لدى بريطانيا وقتها, ولم ترفض الولايات المتحدة الطلب, بل على العكس رحبت به واستجابت للتفاوض بشأنه على الفور, بل انها تذكرت اتفاقا وقعته مع النظام الملكي للحصول على سلاح منها بمقتضى قانون الأمن المتبادل, وإن كانت الأسلحة المطلوبة لا تصلح إلا لقوات الأمن الداخلية. دالاس يبتلع الطعم بعد أسابيع قليلة, وفي شهر نوفمبر 1952 على وجه التحديد, وصل إلى القاهرة وليم فوستر مساعد وزير الدفاع الأمريكي وقتها, وقالت السفارة الأمريكية وهي تخطر بمجيئه: (لقد جاءكم من تستطيعون الحديث معه فيما تريدونه كله) . ووجه السفير (جيفرسون كافري) دعوة عشاء الى جمال عبدالناصر ورفاقه على شرف الضيف الأمريكي, وذهب جمال عبدالناصر وفي جيبه قائمة بما يحتاجه الجيش المصري لتكوين فرقة مدرعة حديثة, وقد استغرق اعداد هذه القائمة شهرا كاملا, وأعقب العشاء جلسة امتدت ثلاث ساعات وافق وليم فوستر على القائمة مع بعض التعديلات, ثم وضع سيجارا كبيرا كان يدخنه على منضدة بجانبه وأمسك ورقة وكتب عليها بيده عبارة (طريقة السداد وشروطه) . وانتهى العشاء بأن تسافر بعثة عسكرية مصرية إلى واشنطن لتوقيع اتفاق تفصيلي, وسافرت البعثة برئاسة علي صبري وكان مديرا لمكتب جمال عبدالناصر, وفي الوقت نفسه كان هيكل هناك بدعوة رسمية لتغطية الانتخابات الرئاسية الجديدة, وهناك راح يراقب من بعيد عمل بعثة علي صبري ونشاطها الذي لم يزد عن زيارة مصانع وقواعد السلاح, وراح كذلك يجري اتصالات مع قيادات الخارجية والبنتاجون, وقد شرح هيكل ما جرى وما كان بالتفصيل في مجموعة كتبه (حرب الثلاثين عاما) وخلاصته ان واشنطن لن تعطي مصر السلاح الذي تطلبه إلا إذا دخلت في تسوية مع إسرائيل, ودخلت في الحلف الإسلامي الذي يضم تركيا وباكستان (مثلث أنقرة ـ القاهرة ـ كراتشي). طال غياب علي صبري وبعثته, وكانت تعليمات جمال عبدالناصر أن يحضر بنفسه شحن أول دفعة من السلاح الأمريكي المنتظر, ولكن الانتظار طال والشحنة الأولى لم تصل, وكان أن قال جمال عبدالناصر كلمة أصبحت شهيرة فيما بعد: (يظهر ان علي صبري سوف يكون هو نفسه الشحنة الأولى إلى مصر, وبغير سلاح) . وهكذا فشلت بعثة علي صبري, وكان سر الفشل مكالمة تليفونية من رئيس الحكومة البريطانية ونستون تشرشل للرئيس الأمريكي الجديد دوايت ايزنهاور وكان صديقا شخصيا له منذ أيام الحرب العالمية الثانية, وقال تشرشل على التلفون: (يا صديقي العزيز ويا رفيق السلاح القديم.. هل يعقل أن تعطوا المصريين أسلحة يقتلون بها أولادنا من جنود قاعدة السويس؟!) . وكان تعليق ايزنهاور: (إن ذلك لن يحدث بسهولة) وانه كقائد عام سابق لقوات الحلفاء (لا يمكن أن يسمح بأي شيء من شأنه إلحاق أذى بجنود ربما كانت فرقتهم وكتائبهم بالذات تحت قيادته في الحرب العالمية الثانية) . ولم تتوقف المناورة الأمريكية, ففي ربيع عام 1953 جاء وزير الخارجية جون فوستر دالاس إلى مصر في زيارة كان يروج فيها لسياسة (سد الفراغ) في الشرق الأوسط لتطويق الخطر الشيوعي, السوفييتي, والتقى الوزير الأمريكي بجمال عبدالناصر وجرى بينهما حوار رصدته التقارير الرسمية وسجلته الميكروفونات الخفية. في بداية هذا الاجتماع تحدث جمال عبدالناصر عن نظرة النظام الثوري الجديد إلى الولايات المتحدة وإلى ميله لاعتبارها دولة صديقة يمكن التعاون معها, ثم انتقل إلى تفاصيل زيارة وليم فوستر والاتفاق المبدئي معه على شراء أسلحة أمريكية للجيش المصري, ثم بعثة علي صبري إلى واشنطن, ثم عودة هذه البعثة بغير سلاح, ثم الأعذار التي قدمت بعد ذلك لمصر تحللا من وعد وليم فوستر. وقال دالاس: ان موضوع بيع السلاح لمصر يصبح سهلا إلى أبعد حد إذا استطاعت مصر أن تصل إلى اتفاق مع بريطانيا خصوصا إذا كان الاتفاق في اطار نظام للدفاع الجماعي عن الشرق الأوسط. وسأل جمال عبدالناصر سؤاله الذي فتح المناقشة على آخرها: الدفاع عن الشرق الأوسط ضد من؟ وابتلع دالاس الطعم وأجاب: ضد الاتحاد السوفييتي, بالطبع. وقال جمال عبدالناصر: لكن الاتحاد السوفييتي بيننا وبينه خمسة آلاف ميل وهو لم يغز بلادنا في أي وقت في التاريخ ثم هو بعيد عنا لا يستطيع ـ حتى إذا أراد ـ أن يهددنا, هناك عدو واحد نعرفه في مصر وهو غاز استعمر بلادنا أكثر من سبعين سنة ولم يخرج على الرغم من كل محاولاتنا, وهو مازال رابضا بثمانين ألف جندي مسلح حتى هذه اللحظة في منطقة قناة السويس. إن الناس في مصر, وهم أذكياء وراءهم آلاف السنين من حضارة لم تنقطع, سوف يفقدون ثقتهم بي لو قلت لهم اننا سوف ننسى الاحتلال البريطاني الواقع فعلا في منطقة قناة السويس ـ وهي منطقة من أرض وطننا ـ لكي نشترك في تنظيم دفاعي ضد الخطر المحتمل من جانب الاتحاد السوفييتي, بريطانيا هي الخطر في رأينا, وليس الخطر الاتحاد السوفييتي, هناك قاتل أراه بعيني واقفا على الباب ممسكا مسدسه, وأنت تقول لي: ان هناك قاتلا آخر واقفا ممسكا مسدسه على بعد خمسة آلاف ميل, ولنفرض اني صدقتك, فأي القاتلين أولى باهتمامي العاجل؟ وأصغى دالاس باهتمام ثم قال: ولكن الاحتلال البريطاني سوف ينتهي, إن القوة البريطانية في منطقة قناة السويس سوف تتحول باشتراككم في تنظيم دفاعي عن الشرق الأوسط من قوة معادية إلى قوة متحالفة. وقال جمال عبدالناصر: إن الناس في مصر سوف يضحكون عليَّ لو حاولت اقناعهم بأن قوة الاحتلال البريطاني سوف تتحول من قوة معادية إلى قوة حليفة بمجرد جرة قلم نوقع بها على اتفاقية دفاع مشترك, كيف يمكن اقناع الناس في مصر بذلك عمليا ونفسيا بعد أكثر من سبعين سنة من التعنت والمراوغة؟ وقال دالاس في حيرة: ألا ترى خطرا على الاطلاق من الاتحاد السوفييتي؟ قال جمال عبدالناصر: أريد أن أسألك أولا: كيف تتصور أن يجيء الاتحاد السوفييتي إلينا؟ هل يدفع الجيش الأحمر إلى غزو الشرق الأوسط كله حتى يصل إلينا؟ ذلك في تصورنا مستحيل, فإن الخطر الذري يكاد يحقق استحالة الحرب, أي انه لم يعد سهلا على أي طرف من الأطراف الدولية الكبرى أن يحرك قواته لعملية غزو مسلح حتى وان كان في طاقته أن يقوم بها, معنى ذلك ان أي دولة تريد أن تؤثر على دولة أخرى ـ في العصر الذي نحن فيه ـ تعمل في داخل هذه الدولة, ولا تهاجم على حدودها, وإذن فإن الجبهات الداخلية للشعوب الآن مكشوفة للخطر, وليست حدود وأوطان هذه الشعوب, هذا هو احتمال الغزو الذي نراه, الغزو من الداخل, والموجه للجبهة الداخلية, وفي رأينا ان اشتراكنا في الأحلاف العسكرية الغربية أو في أية أحلاف مع دولة أجنبية لن يفيد جبهتنا الداخلية وإنما سوف يضعفها, ان الضمان الوحيد للجبهة الداخلية في أي بلد هو الوطنية وهو إيمان الشعب بالحرية وإحساسه بأنها في يده, وما أسهل أن أوقع معكم على اتفاق بالانضمام إلى حلف للدفاع عن الشرق الأوسط وهذا التوقيع سوف يقيدني ولكنه لن يقيد الشعب المصري لانه سوف يرفض الاعتراف بهذا القيد, وتحدث فجوة بين الشعب وحكومته, يشعر الشعب ان الحكومة لا تعبر عنه, تصبح الحكومة قيادة بغير جيش, ويصبح الشعب جيشا يبحث عن قيادة يثق بها, وهذه العزلة بين الشعب والحكم هي أنسب الظروف للهجوم على الجبهة الداخلية والتأثير فيها, ثم ما فائدة أن أعطيكم على الورق قاعدة عسكرية تعمل على أرضنا ثم يتكفل غضب الشعب بأن ينشئ على الطبيعة ـ وفي السر ـ عشرات القواعد تعمل ضدكم على أرضنا وتشل عند اللزوم أية قيمة للقاعدة الظاهرة لكم؟ الآن نحن لا نفكر في شيء إلا في جلاء الانجليز, وبعد الحصول عليه وبعد اطمئنان شعبنا إلى تحقيق أمله الطويل, نستطيع أن نفكر في أية مقترحات تريدون طرحها للمناقشة معنا) . وحيد القرن يكمل هيكل: ان دالاس يقول في الأوراق التي تركها بعد وفاته لجامعة برنستون: انه اهتم بوجهة نظر جمال عبدالناصر, لكنه كره صاحبها, وكان السؤال الذي طرحه في واشنطن أثناء اجتماع لمجلس الأمن القومي الأمريكي عرض فيه لنتائج رحلته إلى الشرق الأوسط هو: ان ناصر بدا مقنعا بما أبداه من حجج ولقد بدا لي متعصبا (كالراينو) ـ وحيد القرن ـ ولكن المسألة هي مدى قوة ناصر في مصر ومدى تأثيره خارجها؟ هل يستطيع ناصر أن ينطح مشروعاتنا في المنطقة, أغلب الظن انه لا يقدر, فظروف مصر لا تعطيه أكثر من قرن من الصفيح.. وبدأ التفكير يومها في حلف بغداد مع استبعاد مصر. وقبل أن استطرد أسجل انني أنقل من مقالات نشرها هيكل وجمال عبدالناصر في (عز) قوته, انه لم يغضب من نشر الأوصاف التي وصفه بها دالاس (وحيد القرن) و(قرن من الصفيح) وقبل ذلك فإنه لم يتردد في السماح بنشر مثل هذه الأسرار واطلاع الناس عليها, وهو ما لم يسمح به مسئول مصري فيما بعد, فكل المفاوضات جيدة, وكل العلاقات على ما يرام, وكل ما بيننا وبين الآخرين عال العال, إن الناس في عهد جمال عبدالناصر كانت تعرف ما يجري أكثر من أي عهد آخر, مع كل الاحترام لكل من يتحدث عن القيود وقواعد الاخفاء والسرية. ولم يكن موقف جمال عبدالناصر مع دالاس هو الموقف الوحيد الذي اتسم بالاثارة, كان هناك موقف آخر مع السفير الأمريكي الجديد هنري بايرود الذي كان شابا في الأربعين ليسهل على الإدارة الأمريكية معرفة جمال عبدالناصر ـ الذي كان في منتصف الثلاثينيات ـ بصورة أدق يرسمها شخص قريب من جيله وعمره, خاصة وان السفير الأمريكي السابق جيفرسون كافري كان قد تجاوز الستين, وقد استمر بايرود سفيرا لمدة ثلاث سنوات, من عام 1953 إلى عام 1956 (لكن المشكلة انه استطاع أن يرى من وجهة النظر المصرية أكثر مما كانت واشنطن مستعدة لرويته والنتيجة ان بايرود وقع في تناقض مؤلم بين ما كان يطلبه وبين ما كان مطلوبا منه) . وفي ذلك الوقت جاء إلى القاهرة كيرميت روزفلت مبعوثا شخصيا للرئيس ايزنهاور, وفي الوقت نفسه كان في القاهرة أريك جونسون, صاحب المشروع الشهير باسمه لاستغلال مياه نهر الأردن, ورتب سفير مصر في واشنطن (أحمد حسنين) وكان وقتها في اجازة في القاهرة ـ عشاء يحضره جمال عبدالناصر وعبدالحكيم عامر مع كيرميت روزفلت وأريك جونسون وهنري بايرود (وكان واضحا حتى قبل العشاء ان بايرود يعاني بسبب التناقض الذي يعيش فيه تمزقا داخليا, وعندما وصل جمال عبدالناصر وبدأ حديث ما قبل العشاء كان روزفلت وجونسون يسألان أسئلة متعددة وجمال عبدالناصر يجيب ويقول بين الحين والآخر: (ان بايرود يعرف هذا كله ولقد قلته أكثر من مرة) وفجأة قال بايرود: (سيدي الرئيس, انني أعرف هذا كله, ولكنني لا أعرف لماذا ضرب أحد رجالي اليوم في السويس) . ونظر الكل إلى بايرود في دهشة لتحويله مجرى الحديث وللعصبية المكبوتة في كلماته, واستمر بايرود يقول: (ان المستر فينش الملحق العمالي في سفارتي كان يقوم بزيارة لمصنع تكرير السويس وقد ضربه العمال هناك إلى حد كان يفضي به إلى الموت) . وقال جمال عبدالناصر في هدوء: (ان المستر فينش كما تقول معلوماتنا ليس مجرد ملحق عمالي ولكنه ممثل للمخابرات الأمريكية, وقد طلبنا إليكم أكثر من مرة أن يمتنع عن الذهاب إلى المناطق العمالية لكنه مازال يذهب وعليه أن يتحمل أية مشكلات تقع له من جانب نقابات عمالية تعرف مهمتها وترفض دخوله وسط عمالها) . وقال بايرود وكانت ظروفه كلها تضج بتفاعلات داخلية عنيفة داخله: (أخشى أن أقول يا سيدي الرئيس ان عمالكم تصرفوا بطريقة غير متحضرة) . ونظر جمال عبدالناصر إليه, ومرت فترة صمت حبس فيها الجميع أنفاسهم, وفجأة أطفأ جمال عبدالناصر سيجارته في مطفأة على مائدة أمامه ثم قال: (سوف أتركك الليلة تقرأ كتابا عن الحضارة المصرية وتاريخها البعيد وعندما تتعلم منه شيئا نتكلم مرة أخرى) .. وقام جمال عبدالناصر ومعه عبدالحكيم عامر وسار معه حتى باب سيارته مبعوثا ايزنهاور روزفلت وجونسون يحاولان الاعتذار إليه, وكان بايرود وحده في الصالون الذي شهد الأزمة يدرك تماما انه وقع في خطأ مروع ولا يعرف كيف يخرج منه أو يعتذر عنه, وفي اليوم التالي كان هيكل يقول لروزفلت وجونسون: ان بايرود قد انتهى. وفي ذلك اليوم نفسه أبرق مبعوثا ايزنهاور برقية مشتركة إلى جون دالاس تقول في بدايتها: (اننا نأسف لان نقول لك اننا نعتبر ـ وهذا تقديرنا نحن الاثنين ـ ان بايرود لم يعد يصلح أن يكون سفيرا في القاهرة بعد حادث وقع أمس) ثم ذكرا ما جرى. كان كيرميت روزفلت قد كوّن رؤية واقعية دقيقة لجمال عبدالناصر, فقد كان في رأيه شخصا يؤثر فيمن يقابله, صبورا, لا يحيد عن هدفه على الرغم من انه يوحي بغير ذلك أحيانا, يتحلى بكفاءات تؤهله لقيادة المنطقة وتجميع شعوبها ودفعها إلى مستقبل أفضل, بارعا في (التكتيك) وإن لم يصبح بعد صاحب (استراتيجية) محددة. ورغم ان جمال عبدالناصر قبل اعتذار بايرود فيما بعد الا ان الرأي في الخارجية الأمريكية ان بايرود لم يعد يصلح, فهو لم يستطع أن يؤثر على جمال عبدالناصر (فقد تأثر بدلا من أن يؤثر) وعندما سامحه جمال عبدالناصر فإنه شعر بدين أدبي تجاهه, أو بالتعبير المصري الشائع انه (كسر عينه) . سقوط مرحلة الترويض ثم جاءت سنة 1955 وهي سنة حاسمة وخطيرة, ففي بدايتها, في شهر يناير تكون حلف بغداد وقادته الأسرة (الهاشمية) من بغداد, وفي شهر فبراير وقعت الغارة الاسرائيلية الشهيرة على غزة, وفي ذلك الوقت قال جمال عبدالناصر للسفير الامريكي: (إن مصر لن تدخل في حلف بغداد ولن تقبل بحماية الغرب الذي هو نفسه حامي اسرائيل, وإذا لم نستطع الحصول على السلاح من مصدر غربي فسوف نحصل عليه من حيث نجد) . وسأل بايرود في قلق: (إنني لم افهم تماما سيدي الرئيس هذه العبارة الأخيرة) . وقال جمال عبدالناصر: (أقول بوضوح: إذا لم أحصل على السلاح منكم فسوف احصل عليه من غيركم) . وسافر جمال عبدالناصر إلى باندونج في ابريل 1955 وعلى الطريق إلى هناك التقى في مدينة رانجون عاصمة بورما بشواين لاي رئيس وزراء الصين, وفي لقاء بينهما جرى يوم الاحتفال بعيد المياه شرح جمال عبدالناصر تطورات الازمة في الشرق الاوسط ثم وصل الى السؤال الصعب: هل يستطيع الاتحاد السوفييتي ان يبيع لنا سلاحا؟ ونقل شواين لاي السؤال إلى موسكو ـ وكانت العلاقات بينها وبين بكين على ما يرام ـ ولم تمر سوى أشهر معدودة حتى كانت الاجابة جاهزة, ففي مايو 1955 نقل السفير السوفييتي في القاهرة (سولود) رسالة مهمة وسرية الى جمال عبدالناصر, كان ملخصها: (إن الاتحاد السوفييتي يقدر لمصر أنها رفضت بتصميم أن تجعل من بلادها قاعدة عسكرية في مخطط الغرب لتطويق الاتحاد السوفييتي وحصاره, ومع أن الاتحاد السوفييتي يقدر أن مصر فعلت ذلك من اصرارها على الاستقلال الوطني الكامل فإن الاتحاد السوفييتي لا يشعر بأن ذلك لا يقلل من عرفانه لموقف مصر, والاتحاد السوفييتي يرى أن أبسط ما يستطيع أن يعبر به عن تقديره وعرفانه هو أن يستجيب لطلب مصر بشراء السلاح منه) . ودعا جمال عبدالناصر بايرود بعد أيام لمقابلته وقال له: (لم أتلق منكم رداً بلا أو نعم, وأنا أريدك ان تفهم انني لا أناور, وانا اعني ما أقول) . وخرج بايرود ليبرق لواشنطن بأن جمال عبدالناصر يعني ما يقول, لكن واشنطن لم تصدقه, وقال دالاس: (إن جمال عبدالناصر نجح في تهويشه) . ولكن سرعان ما شعرت المخابرات المركزية بأن صفقة الاسلحة السوفييتية هي مسألة جادة, فطلب كيرميت روزفلت موعدا من جمال عبدالناصر الذي احس وهو يوافق على الطلب ان واشنطن ستمارس ضغطاً لمنع الصفقة, وكان أن اتخذ قرارا بإعلان النبأ قبل وصول روزفلت وكان رأيه أنه في حاجة الى تعبئة الرأي العام (سلاحه الأساسي والوحيد في مواجهة الضغط المنتظر, كذلك فإنه لا يستطيع ان يعطي الآخرين حق سؤاله وهو يرفض إذا سئل أن يجيب بغير الصدق, كما أن الإعلان عن الصفقة سوف ينقل الموقف خطوة الى الامام ويفرض على واشنطن ان تحدد رد فعلها) . ولم يجد جمال عبدالناصر مناسبة لإعلان النبأ سوى معرض صور للقوات المسلحة, لكن إعلان النبأ كان أكبر من أي مكان يمكن أن يعلن منه. ويقول هيكل في مقال بصراحة نشره في يوم الجمعة 21 ابريل 1967: (واذكر انني قابلت كيرميت روزفلت صباح يوم وصوله ـ وكان صديقا قديما من أيام اشتغاله بالصحافة وعندما كتب كتابه الشهير: (بترول العرب وتاريخهم) ـ وكان (كيم) يبدو في ذلك الصباح قلقا وعصبيا وقد قال لي: (ليس هناك حل آخر غير إلغاء الصفقة مع الاتحاد السوفييتي, أو على الأقل التعهد بعدم تنفيذها فقال هيكل: (ظني كواحد من الذين يتابعون الأحداث ان كلا الطلبين مستحيل) قال (كيم) : (إذن ستكون العواقب رهيبة) ثم استطرد: (إن الأمور قد تتطور الى قطع العلاقات الاقتصادية بيننا وبين مصر, ثم قد نقطع العلاقات السياسية, ثم قد نفرض حصاراً على الشواطىء المصرية لمنع وصول السفن الحاملة للأسلحة). وكان شبح ما جرى في جواتيمالا يثير الفزع, لقد حاصر الامريكيون شواطئها وغزوها من الداخل عندما اشترت سلاحا سوفييتيا, وكان رأي جمال عبدالناصر: (إن جواتيمالا هناك في أمريكا اللاتينية, ونحن هنا في العالم العربي, ولو فتش الاسطول السادس سفننا فلن يجد عليها شيئاً.. وإذا استوقف سفن غيرنا فلن تكون المشكلة معنا) . وتقرر ان يأتي جورج ألن مساعد وزير الخارجية الى القاهرة وكان في جيبه انذار مكتوب من دالاس الى جمال عبدالناصر بوقف صفقة الاسلحة أو التعهد بعدم تنفيذها, والا.. وأبلغت رئاسة الجمهورية السفارة الأمريكية وأبلغت كيرميت روزفلت برسالة مضمونها: )1( أن الرئيس جمال عبدالناصر سوف يستقبل جورج ألن. )2( أن الصفقة مع السوفييت اصبحت أمرا واقعا لا يقبل البحث أو المناقشة خصوصا مع اي طرف اجنبي )3( ان مصر ليست مستعدة لسماع انذار امريكي فضلا عن قبوله وإذا حدث اثناء مقابلة جورج ألن مع الرئيس جمال عبدالناصر ان بدر منه ما قد يفهم ولو بالتلميح على انه إنذار فإن الرئيس جمال عبدالناصر سوف يدق الجرس على مكتبه ويستدعي تشريفاتي الرئاسة ويطلب منه ان يسحب جورج ألن إلى طريق الباب مطرودا. )4( بعدها فإن الرئيس جمال عبدالناصر لن ينتظر بل إنه هو من جانبه سوف يخرج ليعلن قطع كل العلاقات مع امريكا. (كان الوقت يجري بسرعة وطائرة جورج ألن تقترب من القاهرة وبايرود وروزفلت كلاهما قد اصبح واثقا ان جمال عبدالناصر سوف (يعملها) ويطرد مساعد وزير الخارجية الامريكية من مكتبه إذا تصور انه يهدده أو انه يحمل اليه انذارا أو ما يمكن ان يوصف بأنه انذار, وقصد الاثنان مطار القاهرة ينتظران وصول جورج ألن, وعندما اقتربت طائرته ودخلت المجال الجوي طلبا الإبراق اليه برسالة عاجلة تسلم اليه في الطائرة قبل هبوطها, وكانت الرسالة تقول له: (إن الموقف في القاهرة قابل للانفجار ومن رأينا ـ نحن الاثنين ـ ألا يظهر تلميح أو تصريح من كلامك مع الصحافيين الذين ينتظرونك في المطار أنك تحمل تهديداً أو إنذارا الى عبد الناصر) . ونفذ جورج ألن النصيحة, وسأل: هل يستطيع عبدالناصر ان يطردني من مكتبه؟ فقال روزفلت: (نعم يستطيع) ذهب جورج ألن لمقابلة عبدالناصر, ووجد مناسبا ألا يخرج من جيبه على الاطلاق رسالة دالاس المكتوبة مستعيضا عنها برسالة شفهية قام هو بإعدادها عن الرغبة في حسن العلاقات مع مصر وعن الأمل في ألا تحدث مضاعفات من شأنها الاساءة اليها وخرج مساعد دالاس من مكتب عبدالناصر منكسرا, وعلى حد تعبير هيكل: فإنه بهذا المشهد انتهت محاولة امريكا لترويض الثورة المصرية بالفشل, وكانت الثورة المصرية قد تمردت واتخذت موقف العصيان علنا, وكان على الولايات المتحدة ان تتجرع الكأس المرة الى القطرة الأخيرة, وكان عليها ان تفكر في المرحلة القادمة, وفكرت في محاولة العقاب. الرجل الذي فقد صوابه (بعد سقوط مرحلة الترويض امام مفاجأة صفقة الاسلحة السوفييتية وصدمتها فإن القاعدة الموضوعة للعلاقات المصرية ـ الامريكية تهاوت من اساسها, ولم يكن اختيار الاحجار لبناء القاعدة الجديدة أمرا سهلا, قريب المنال) . في بداية شهر نوفمبر 1955 وبعد مناقشات واسعة في وزارة الخارجية الامريكية اشترك فيها ممثلون عن وزارة الدفاع وعن إدارة المخابرات المركزية الامريكية ـ بدا دالاس مقتنعا بأن اسلوب تخويف جمال عبدالناصر غير مجد وأن اسلوب الترغيب قد يكون اقرب الى التحقيق, وكانت نقطة الترغيب تعرض نفسها بنفسها.. فقد كان مشروع السد العالي يناقش باهتمام في مصر كأمل من أعز الآمال وأغلاها.. ووافق دالاس بريئا كل البراءة وانما كانت له مقاصده, وأبرزها: )1( ان المساعدة في بناء السد العالي هي مساعدة في مشروع سلام وهي مساعدة تختلف عما قدمه السوفييت من اسلحة هي في النهاية تصب في الحرب. )2( ان المشروع طويل الاجل لن يستغرق أقل من 15 سنة وفي هذه الفترة ستكون مصر في حاجة مستمرة ومتصلة لواشنطن. )3( ان المشروع يشد جمال عبدالناصر إلى الداخل ويبعده عن الخارج وبالذات العالم العربي حيث لا تريده السياسة الامريكية ولا تريد تأثيره. لكن بعد اسبوعين غيّر دالاس رأيه بحجة ان عبدالناصر اهان السياسة الامريكية وتحداه شخصياً وأن معلومات السفارة الامريكية انه لن يكف عن شراء الاسلحة السوفييتية, وعكست تقارير السفارات الامريكية في بغداد وأنقرة وطهران وكراتشي مخاوف حلفاء واشنطن هناك من نجاح سياسة التمرد التي قام بها عبدالناصر في تحقيق مكاسب له ولوطنه أكثر مما حققه الخلفاء والأصدقاء. وفوق ذلك فإن دالاس قال بنفسه في اجتماع لمجلس الامن القومي الامريكي عقد في البيت الابيض تحت رئاسة أيزنهاور: (إنني أكره جمال عبدالناصر ولا أظنه سوف يكون صديقا لنا في يوم من الايام ولا يجب ان نسمح له بأن يذهب آمنا بما أخذ وانما يجب ان نعيده الى حجمه الطبيعي) وهكذا في فترة 15 يوما انتقل دالاس من النقيض الى النقيض, وان اخفى قرار سحب تمويل السد العالي لمدة 6 شهور كاملة ـ هيكل: بصراحة مقال يوم الجمعة 21 ابريل 1967. وقرر جمال عبدالناصر ان يرد, قرر الاعتراف بالصين الشعبية, وصدمت القاهرة دالاس ـ الذي كان قد نجح في عزل الصين الشعبية ـ صدمة جديدة, ولم يتردد دالاس في إعلان قرار سحب تمويل السد العالي, فكان أن قام عبدالناصر بتأميم قناة السويس, وبدأت مقدمات حرب السويس, في محاولة لغزو مصر وتصفية الثورة وجمال عبدالناصر من الداخل, وفشل العدوان الثلاثي )البريطاني الفرنسي الاسرائيلي( وخرج جمال عبدالناصر منتصرا, سياسيا على الاقل, وبدأ دالاس بعد انتهاء المعارك يغير أسلوبه. (كانت مصر في حاجة الى قمح وطلبت شراءه من امريكا على ان تدفع ثمنه بالدولار من ارصدتها التي جمدتها, ورفض دالاس بيع القمح لمصر, ورفض أيضا بيع الدواء, لكن مصر لم تأكلها المجاعة ولم يحصدها الوباء ولم تركع امامه, ثم بدأ دالاس عملية إقناع الملك سعود بن عبدالعزيز )ملك السعودية( بفكرة الحلف الإسلامي, ثم رتب مع تركيا عملية غزو لسوريا, لكنه فوجىء بوجود قوات مصرية هناك, ثم فوجىء بالوحدة بين مصر وسوريا, ثم فوجىء بالثورة في لبنان, ثم كان الانقلاب في العراق ومصرع الملك فيصل وهروب نوري السعيد وسقوط حلف بغداد.. وبدت السياسة الامريكية كلها كرجل فقد صوابه) وهكذا انتهت مرحلة محاولة العقاب وبدأت مرحلة محاولة الاحتواء ـ المصدر السابق. مرحلة الاحتواء وجاءت المرحلة الثالثة, مرحلة محاولة الاحتواء بعد فشل مرحلة محاولة الترويض, ومرحلة محاولة العقاب, ورسمت المرحلة الجديدة مجموعة من الصور بينها: (الحصار بغير عنف والعرقلة بدون استعمال القوة وكسوة اليد الحديدية بالقفازات الحريرية) . (كان الترتيب الاقرب الى المنطق هو ان يكون العنف تاليا للعقاب بغير فاصل يتطفل على السياق المعقول لخط سير الاحداث باعتبار ان العنف ذروة يتصاعد نحوها العقاب, وفي الحقيقة فإن مرحلة الاحتواء كانت دخيلة بالفعل على خط سير العلاقات المصرية ـ الامريكية في تلك الظروف التي استيقظت فيها الولايات المتحدة صباح 14 يوليو 1958 فإذا حلف بغداد حطام واذا اصدقاؤها الهاشميون في العراق موتى بغير قبور وإذا عرش عمان يترنح يحتاج إلى سند سريع من الانجليز يجيئه عبورا من اجواء اسرائيل واذا الاعوان في لبنان لا يحميهم الا تدفق جنود البحرية الامريكية من قطع الاسطول السادس على شواطىء بيروت.. في تلك الظروف بدت القاهرة وواشنطن وكأنهما سفينتان على (مجرى صدام محقق) حسب التعبير البحري الشهير لكن فجأة وقع تحول في مجرى الصدام المحقق ولم يدو الانفجار الملتهب وأفاق الذين كانوا ينتظرونه بأعصاب مشدودة فإذا هناك تداخل غير منطقي يؤجل مرحلة العنف ويحشر في خط سير العلاقات بين البلدين مرحلة طارئة هي الاحتواء ـ هيكل: بصراحة يوم الجمعة 28 ابريل 1967. كان سبب التداخل المفاجىء والطارىء هو أن المخابرات البريطانية اكتشفت بسرعة شخصية اللواء عبدالكريم قاسم الذي تصدر ثورة 14 يوليو 1958 في العراق, وكانت من اعقد الشخصيات التي ظهرت على مسرح التاريخ العربي واشدها غرابة, انه كان على استعداد لأن يواصل سياسة وضع بغداد في موقع مضاد للقاهرة, وأنه اختلف نتيجة ذلك مع القوميين, وهو ما أوجد صراعا بينهم وبين الشيوعيين, وهو أيضا ما جر الاتحاد السوفييتي إلى الميدان وهكذا, وقع الخلاف بين القاهرة وموسكو وصل الى حد تبادل الاتهامات علنا بين جمال عبدالناصر ورئيس الحكومة السوفييتية نيكيتا خروتشوف, ووجدت واشنطن ان خطر جمال عبدالناصر أهون من خطر الشيوعية, فاضطرت ان تضع فرامل على اندفاعها نحو الصدام العنيف مع مصر. وقدمت الولايات المتحدة لمصر مساعدات محدودة تصورت أنها يمكن أن تشجع القاهرة على هجر موسكو وربما تؤدي بهما الى القطيعة, كانت مصر وقتها قد بدأت في تنفيذ خطة السنوات الخمس الأولى, فسعت واشنطن لبيع القمح لها بالجنيه المصري, وكانت مدة الاتفاق 3 سنوات, وقيمته 300 مليون دولار, جرعة كبيرة قد توجد العادة, ثم تجعل القمح بهذه الشروط السهلة بندا لايمكن الاستغناء عنه ببساطة في خطة التنمية, وتقدمت مصر من جانبها بطلب ثان وهو تحويل طلبة البعثات ـ الذين شرعوا يتعرضون للمضايقات ـ من الاتحاد السوفييتي الى الولايات المتحدة, وعلى الفور تقدمت واشنطن بثلاثمئة منحة دراسية, ومضت الحوادث في تطورها. تمكنت القاهرة من حصاد النفوذ الشيوعي في بغداد, ونجحت في توقيع عقد بناء السد العالي مع موسكو, وفي الوقت نفسه رفضت القاهرة اقتراحا ـ سجله في خطاب رسمي ـ للرئيس الامريكي جون كنيدي لتسوية النزاع العربي الاسرائيلي, وتابعت واشنطن بقلق قوانين يوليو الاشتراكية. ثم تابعت بقلق اشد تجربة إطلاق الصواريخ المصرية, وخشية ان تصل القاهرة في عملية تطوير الصواريخ الى السلاح النووي, ثم وقعت مفاجأة الثورة اليمنية في عام .1962. وعبرت قوات مصرية البحر الاحمر بطوله وذهبت الى اليمن لمساعدة ومساندة الثورة هناك, وكان أن بدأ القفاز الحرير يتمزق من تحت اليد الحديدية, وراحت مرحلة العنف في العلاقات المصرية الامريكية تطل وتشخص وتستعد للتعبير عن نفسها. نهاية مرحلة في عام 1965 كانت الولايات المتحدة تظن ان الاوضاع مواتية لترفع ضغطها على مصر الى درجته القصوى, 3 فرق من الجيش المصري في اليمن على مسافة قريبة من السعودية, موطن مصالحها البترولية الحيوية, وكانت هذه الفرق على بعد ألفي كيلو متر من وطنها, تتعرض لمناوشات من الشرق والشمال ومناوشات من الجنوب تحركها القواعد البريطانية في عدن وما حولها, وكان على هذه القوات ان تتصرف بحذر, وقد تركت هذه القوات فراغاً أمنيا أغرى الاسرائيليين فيما بعد بتنفيذ خطة الحرب في يونيو ,1967 وكانت هناك متاعب اقتصادية تتمثل في التضخم الذي سببته خطة التنمية, وتراجع واشنطن عن الاستمرار في تنفيذ اتفاقية القمح, وكانت هناك مؤامرات الإخوان المسلمين وعلاقتها بالمخابرات المركزية, ولم تكن الظروف الدولية مواتية, فخروتشوف سقط في موسكو. والصراع بين موسكو وبكين تفجر, والمخابرات الامريكية تقود الثورة المضادة في افريقيا, وتستعد لضربات اضافية في آسيا, ووسط كل هذه الظروف بدت السياسة المصرية على حد تعبير هيكل (ساكتة.. ساهمة) وكان السؤال: (كيف تستطيع مصر ان تتقدم للمواجهة وخيوط العنكبوت الضخم الرهيب تبدو وكأنها امسكت بحركتها؟) . ولم يتح لهيكل الإجابة عن السؤال, فقد كانت الاحداث من حوله تجري اسرع من ان يلحق بها أحد, وكانت الاحداث تتجه بمرحلة العنف الى ذروتها الدرامية والسياسية, حرب يونيو ,1967 وكان ان قطع هيكل سلسلة مقالات (نحن وأمريكا) .. ليكتب مقالا بعنوان (الصدام بالسلاح مع اسرائيل محتم.. لماذا؟) نشره في 26 مايو ,1967 ثم كتب مقالا بعنوان: (الصراع الذي يدور في التفكير الاسرائيلي الآن) نشره في 2 يونيو .1967. وكان المقالان هما آخر ما نشره قبل .1967. وبهما انتهت مرحلة كاملة من مراحل كتاباته السياسية.