في غضون ايام معدودات حققت الانتفاضة الفلسطينية المبهرة فتحا دبلوماسيا ناجزا عجز الرئيس عرفات عن تحقيقه في مدى سنين من الاتصالات والمناشدات عبر اسفار مكوكية, فعلى خلفية معركة الحجارة مقابل الرصاص الحي والصواريخ طلعت دول من الاتحاد الاوروبي باعلان تأييد للشعب الفلسطيني ضاربة عرض الحائط باحتمال الغضب الحتمي الاسرائيلي والامريكي. هذا تطور جدير بالتأمل لانه ينهض دليلا ملموسا على ان اسلوب التفاوض الناعم غير المدعوم بمقاومة شعبية باسلة على الارض لن يحقق نتائج ايجابية للقضية الفلسطينية. الشارع يأتي اولا... والعمل الدبلوماسي التفاوضي يكون ترجمة امينة لفوران الشارع.. لان الشارع, بحيويته ومقاومته هو الذي يجبر الخصم على الاقرار بأن هناك (مشكلة) يجب ان تحل. وعلى صعيد موازٍ فان فوران الشارع هو الذي يجذب انتباه العالم الخارجي. لقد ايدت فرنسا... وتبعتها ايطاليا واسبانيا المطلب الفلسطيني بتكوين لجنة دولية للتحقيق في احداث الارض المحتلة لتحديد المسئولية. والغضب الاسرائيلي والامريكي ضد هذا الموقف الاوروبي ليس منشأة تخوف تحوطي من ان تحقيقاً ذا طابع دولي مستقل قد ينتهي الى ادانة اسرائيل بقدر ما هو توجس من ان التدخل الدولي على هذا النحو قد يفتح بابا ظل مغلقاً حتى الآن بقفل امريكي اسرائيلي محكم. فقضية الصراع العربي الاسرائيلي قد تنتقل من المائدة الامريكية الى مائدة مجلس الامن الدولي فتفقد واشنطن السيطرة على ضبط ايقاعها وتوجهها لصالح الاهداف الاسرائيلية المقررة. منذ مؤتمر مدريد نصبت الولايات المتحدة بتواطؤ مسبق مع اسرائيل فخا للرئيس عرفات. وبسبب سوء التقدير وتعجل قطف الثمار وقع القائد الفلسطيني في الفخ ليجد نفسه بعد ذلك ولمدى ما يقارب تسع سنوات حتى الآن رهن لعبة امريكية يهودية باسم (سلام الشرق الاوسط) . في هذه الاثناء كانت هناك قوى خارجية اخرى ترغب, انطلاقاً من منطق مصالحها القومية في العالم العربي في المشاركة لكن الشراسة الامريكية وضعف القيادة الفلسطينية بازاء هذه الشراسة كانت تصدها على الدوام. وجاءت انتفاضة الشارع الفلسطيني الآن لتفرض ظرفاً سياسياً جديداً هو من القوة بحيث ان الرئيس عرفات قرر ان يركب الموجة فيما يبدو. والجسارة التي ابداها عرفات في تحدي الثنائي الاسرائيلي الامريكي باعلان المطالبة ـ للمرة الاولى منذ اوسلو ـ بالتدخل الدولي لا يعدلها الا السرعة التي تلقفت بها فرنسا شيراك هذه الفرصة التي سنحت فجأة. وحتى مع ركوبه موجة الانتفاضة كان في نفس عرفات شيء من التردد عندما اجتمع مع رئيس الحكومة الاسرائيلية باراك ووزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت في باريس. لكن عندما دعم الرئيس شيراك المطلب الفلسطيني بالتدخل الدولي تصلب عرفات امام الزعيم الاسرائيلي والوزيرة الامريكية. ولهذا نقل الفلسطينيون القضية الى مجلس الأمن لاستصدار قرار بادانة اسرائيل وتشكيل لجنة تحقيق دولية. ورغم ان صيغة القرار الذي اجازه المجلس لم تصدر بالصورة التي ارادها الفلسطينيون تماماً إلا ان مجرد وقوف اعضاء المجلس في جانب ووقوف امريكا وحدها على الجانب الآخر يعتبر نقطة تحول دبلوماسية تاريخية. فهذا هو المشهد الاول من نوعه منذ اوسلو. وهكذا في غضون ايام فرضت الانتفاضة بعنفوانها المذهل نفسها على العالم.