الدم الذي يراق على الأرض الطاهرة لا ينبغي أن يذهب هدرا, والشهداء الذين يتساقطون لا ينبغي أن تمر تضحياتهم بدون ثمن, واللحظة التي نمر بها لا ينبغي أن تظل صيحة لترديد الهتافات أو إصدار البيانات فقط, ولكنها لحظة للصدق.. فالكل مدعو لأن يكون في مستوى الموقف, والكل مطالب بأن يملك الشجاعة لأن يعترف بالخطأ وأن يعبر الشعور بالهوان, وأن يمسك بقوة بالبداية التي تنطلق اليوم من ساحة الأقصى الشريف. والحقيقة الكبرى التي ينبغي الوقوف عندها أننا أمام الحصاد المر لما بدأ في أوسلو وأن الوهم الذي مازال البعض يتشبث به بأن أوسلو يمكن أن تقود إلى نهاية مختلفة تعيد الأرض والحقوق هو وهم كاذب, وأن التنازلات المجانية من الجانب الفلسطيني لم يكن ممكنا أن تقود إلى حل حقيقي أو تسوية متوازنة. وأن إسقاط خيار المقاومة المسلحة قبل الأوان كان كارثة, والإقرار بأنها إرهاب أمر يقترب من الخيانة.. لأنه يعني ببساطة الإقرار بشرعية الاحتلال وإعطائه الفرصة لأن يحول القضية من قضية أرض محتلة لابد من تحريرها ولاجئين لابد أن يعودوا لوطنهم, وحقوق لا يستقر العدل بغير الحصول عليها.. إلى قضية أرض متنازع عليها, وبشر يحتاجون للمعونة الإنسانية, وقيادات يمكن إلهاؤها بعلم ونشيد يرتفع فوق دويلة لا تملك من أمرها شيئا. في أوسلو تم التنازل عن كل الأوراق الفلسطينية, مقابل الوعد بالتفاوض من حول الحقوق الفلسطينية بعد أن تثبت القيادة الفلسطينية حسن سلوكها.. وكم كان الطريق لإثبات حسن السلوك مريرا وشائكا, وكم تكون المفاوضات في النهاية عبثية بين فريق يملك كل عناصر القوة ليفرض رأيه, وفريق تنازل مبكرا عن كل عناصر قوته أملا في أن تكافئه أمريكا في النهاية وتحقق وعودها بحل مقبول. وكان طبيعيا أن يكتشف الطرف الفلسطيني في النهاية أن الحل المقبول والمعقول الذي تتكرم به أمريكا ليس إلا الحل الإسرائيلي دون زيادة أو نقصان! الآن تنفجر الأوضاع, وكان لابد أن تنفجر, فإسرائيل تدرك أن هذه هي لحظتها التاريخية لفرض ما تريد وتصفية القضية الفلسطينية بأقل الأثمان, وأمريكا على نفس الخط, والقيادة الفلسطينية وجدت أن القبول بهذه المقترحات يعني تجاوز كل الخطوط الحمراء. ويتجمد الموقف, ثم تجئ زيارة شارون وتدنيسه للمسجد الأقصى لينفجر بركان الغضب في صدور الشباب الفلسطيني والعربي من كل شئ.. من تدنيس المحرمات, ومن قهر المحتل, ومن التفاوض المهين, ومن مقترحات الحل التي لا تعني إلا ضياع الحقوق والقبول بالسلام الإسرائيلي دون قيد أو شرط. وفي مواجهة الغضب والحجارة, تعلن إسرائيل حربا هي في حقيقتها المجزرة الكاملة, ووسط العجز العربي, والانحياز الأمريكي, تتواصل الجهود لـ(احتواء ) الموقف الذي نرجو مخلصين ألا يتم (احتواؤه ليتحول بركان الغضب إلى انقلاب حقيقي يعيد التوازن المفقود مع العدو الإسرائيلي, ويعيد طرح القضية على العالم, وعلى أنفسنا قبل الآخرين, كقضية وطن محتل لابد من تحرير كل شبر منه مهما كانت التضحيات. ومن هنا, فإننا نقف أمام عدة ملاحظات ينبغي أن تكون في وعي الجميع حتى لا تتكرر الجريمة ويتم إجهاض الانتفاضة أو بيعها بثمن رخيص. إن محاولة تحميل السفاح شارون وحده مسئولية ما حدث ويحدث من مجازر إسرائيلية هي تزييف للواقع ومحاولة رديئة لابتلاع الكارثة بلا ثمن. إن شارون لا يملك أن يأتي بآلاف الجنود المسلحين ليصحبوه في زيارته, ولتتحول الزيارة إلى استعراض عسكري لـ(السيادة) الإسرائيلية المزعومة والمستحيلة على المسجد الأقصى. وليس شارون هو الذي أصدر الأوامر بإطلاق الرصاص على المصلين في المسجد الأقصى, وليس هو الذي أمر بمواجهة أطفال الحجارة بالدبابات والصواريخ ورصاص((دمدم) المسموم, وليس هو من اقتحم الأقصى وحاصر المساجد وأعلن أنه لا يوجد أمام الفلسطينيين إلا خياران: الرضوخ للواقع الإسرائيلي أو مواجهة الدبابات. إنه سفاح آخر الذي فعل ذلك, قدموه للعالم على أنه مبعوث العناية الإلهية لإقرار السلام في المنطقة, وفرضوا على عرب إسرائيل أن يؤيدوه باعتباره النقيض لنتانياهو, فإذا الأيام تثبت أن كلهم سواء.. لا فرق بين يمين ويسار, أو علماني ومتدين, أو جنرال وحاخام.. ماداموا جميعا يعيشون في إطار عنصرية صهيونية تفوق النازية في وحشيتها وجنونها. ليس شارون هو المسئول, وإنما هي سياسة الكيان الصهيوني كله, ومشروع القهر العنصري للعرب الذي يلتف حوله الجميع, والذي يتطلب مواجهة على قدر خطورته التي لن تنتهي إلا بنهاية الصهيونية نفسها. والكل في الحقيقة- يدرك ذلك, ولكن تحميل شارون المسئولية, يفتح الباب لمواصلة العبث التفاوضي مع باراك لإفشال مؤامرات اليمين الإسرائيلي بقيادة شارون على مسيرة السلام.. وكأن دماء الشهداء وآلاف الجرحى كان الهدف منها فقط.. استئناف المفاوضات.. هل رأيت وقاحة أشد من ذلك؟! نقطة ثانية ينبغي الوقوف عندها وهي المطالبة بلجنة تحقيق دولية في المذبحة الإسرائيلية لشباب الانتفاضة وأطفالها. وهو مطلب عادل يرفضه باراك لا خوفا من الإدانه التي ستمنعها أمريكا في النهاية, ولكن لأنه يريد أن يتعامل مع القضية باعتبارها قضية إسرائيلية داخلية تجرى على أرض إسرائيلية, ولأن القبول بلجنة التحقيق سيصطدم بحقيقة لابد أن تقر بها أي جهة دولية.. وهي أن غزة والضفة بما فيها القدس هي أرض محتلة, وليست أرضا متنازعا عليها كما نجحت إسرائيل في تمريره من خلال اتفاقات أوسلو وتوابعها. الاصرار على لجنة تحقيق دولية مطلب عادل وضروري, ولكنه لا ينبغي أن يكون طريقا لاجهاض الانتفاضة و(تهدئة الموقف), واستئناف المباحثات العبثية حول التسوية المطروحة. الموقف أكبر من ذلك, وبدون لجنة تحقيق يعرف العالم كله من المسئول عن المذبحة, ويبقى أن يدرك الجميع- وفي مقدمتهم القيادة الفلسطينية نفسها- أن الموقف قد تجاوز الإدانة من جانب, والتهدئة من جانب آخر, لتعود القضية كما كانت وكما ينبغي أن تكون.. قضية احتلال غاضب يمارس أبشع أعمال النازية لفرض إرادته, ومقاومة وطنية تصارع بكل الوسائل- وأولها وأهمها القوة المسلحة- لتحرير الأرض واستعادة الحقوق السليبة ومعاقبة المحتل على كل ما ارتكبه من جرائم في حق العرب والإنسانية. ليست القضية الآن هي استئناف المفاوضات أو عدم استئنافها, وإنما القضية كيف نعد أنفسنا لحرب التحرير التي لابديل عنها من خلال المقاومة المسلحة كما فعلت المقاومة في لبنان؟ وكيف نقوم بتطوير الوحدة الوطنية التي تحققت على أرض الانتفاضة لتصبح هي أساس العمل الوطني في المرحلة المقبلة؟ وكيف لا نسمح لأي طرف باستخدام الوضع المتفجر الآن كمجرد ورقة للمناورة, بينما هو البداية الصحيحة لمن أراد حقيقة تحرير الوطن؟ نقطة أخرى ينبغي التوقف عندها, وهي ارتباط انفجار الموقف بالقدس والمسجد الأقصى الشريف. إن مخطط شارون وباراك كان يضع في حسبانه بلا شك ردود الفعل العربية والإسلامية, لكن القرار الإسرائيلي كان ومازال هو التحدي الصارخ لكل المشاعر الدينية والمواثيق الدولية لفرض أمر واقع, وليقول للجميع أن إسرائيل مستعدة للذهاب إلى أخر مدى لابقاء سيطرتها على القدس والمسجد الأقصى. كل هذا صحيح, ولكن ينبغي أن نضع أيضا في الاعتبار أن مخطط إسرائيل في مفاوضات الحل النهائي كان يتعمد إثارة قضية القدس وهي تدرك أنها ستصطدم بجدار صلب, ولكنها كانت تريد بذلك أن تفرض ستارا من الاهمال المتعمد على بقية القضايا الحيوية, للاجئين والحدود. كانت إسرائيل تريد أن يكون الجهد الفلسطيني والعربي والإسلامي والمسيحي مركزا على الوصول لحل لقضية القدس, بينما هي تبتلع باقي الأرض الفلسطينية وتفرض حلها العنصري لمشكلة اللاجئين من هنا ثارت المخاوف بعد كامب ديفيد الثانية من خطورة التركيز على القدس وحدها, حتى لايكون الوصول إلى تسوية لها ثقلها على القيادة الفلسطينية هو الطريق للقبول بالحل الأمريكي الإسرائيلي لبقية القضايا. الآن يختلف الوضع, وتنفجر الأرض الفلسطينية كلها بالغضب, والعدوان على المسجد الأقصى كشف الهوس الصهيوني الذي يسيطر على إسرائيل يمينا ويسارا. وغطرسة القوة التي يزهو بها باراك وهو يقتل بدم بارد أطفال فلسطين تعلن النهاية المحتومة لطريق الخداع والهوان الذي بدأ في أوسلو. الآن يختلف الوضع, وتعود القضية بالنسبة للجماهير الفلسطينية والعربية- إلى حقيقتها التي حاولوا تزييفها, وتتحول الانتفاضة الجديدة إلى بداية صحيحة وجديدة لحرب التحرير التي لا تفاوض على ربع متر بجوار حائط الأقصى, ولكنها تستهدف تحرير كل شبر من الأرض المحتلة. باختصار.. حتى لوتركوا الأقصى (وهذا لن يحدث) ولو تخلوا عن القدس طوعا (وهذا هو المستحيل) فإن القضية ستبقى مادام هناك شبر واحد من الأرض الفلسطينية مازالت تدنسه أقدام العدو ومادام هناك لاجئ واحد ينظر إلى وطنه المغتصب ولا يستطيع العودة. وأنا أختتم المقال تجئ الأنباء عن اشتعال الموقف في جنوب لبنان وعن نجاح قوات حزب الله في أسر الجنود الإسرائيليين الثلاثة. أردت أن أمزق المقال وأكتب آخر بدلا منه ولكني وجدت أن كل ما كتبت في هذا المقال ليس بعيدا عما يحدث في جنوب لبنان. إن أبطال المقاومة اللبنانية مازالوا يعطون الدرس لغيرهم من الذين يلهثون وراء مفاوضات خائبة, بأن المفاوضات الحقيقية هي التي تجري على الأرض, وبأن المفاوضين الوحيدين الحيقيين في هذه الأمة هم هذه الكتيبة المقاتلة على أرض الجنوب.. فهم الذين فهموا لغة العدو, وأدركوا تلك الحقيقة البسيطة التي تذكرناها مرة ونحن نعد لحرب أكتوبر, ثم نساها أو تناساها الجميع بأن ما أخذ بالقوة يستحيل أن يسترد بغير القوة. تحية للشهداء الذين يبدأون تاريخا جديدا لقضية أمتهم وتحية لمن رفع لواء المقاومة في وجه العدو الصهيوني رغم كل ممارساته النازية وهمجيته المتوحشة. ولابارك الله في أي يد تمتد بالمصالحة من موقع الهوان, وتكافئ السفاحين على مذابحهم, وتحاول أن تساوم على دماء الشهداء.