يبدو ان كل مسئول جديد في وزارة التربية والتعليم لابد أن يبدأ عهده بفتح النار على الصحافة, وتحميلها مسئولية الأداء المتردي أو الصورة السلبية التي تكونت للوزارة في أذهان أفراد المجتمع. فمن مسئول يعتقد بأننا نضع التربية في مستوى مصانع البسكويت, إلى آخر يحذرنا بأنها وزارة أمن قومي ولذا وجب التعامل معها على هذا الأساس وعدم الاقتراب منها أو المساس بها, ومع ان الصحافة لم تقل يوما بأن وزارة التربية والتعليم مصنع بسكويت, لكنها لن تتعامل معها على انها قدس الأقداس الذي لا يجب الاقتراب منه كما يريد البعض, مع ان الصحافة هي من أطلق على الوزارة مصطلح الأمن القومي تجاوزا. من أين جاء المصطلح؟ وعلى أي أساس تم اطلاقه تحديدا على وزارة التربية والتعليم؟ ومن علم المسئولين في التربية لعبة قذف الكرة في ملعب الصحافة ليظل ملعبهم بعيدا عن الضغوطات؟ بمعنى من أقنعهم ان التخلص من انتقادات المجتمع, والحصول على صك البراءة لا يكون بغير القاء هذه الانتقادات على الصحافة والصحفيين؟ وهل اتهام الصحافة سيجعل الوزارة في وضع أفضل, ويصحح أكوام السلبيات المتراكمة جبالا على كاهلها منذ زمن طويل؟ (الاسلوب الاستخباراتي للصحفيين) , هذه تهمة أخرى يلقيها مسئول في الوزارة في وجه الصحافة من منطلق رفضه التام الاطلاع على سلبياتها, حيث ان النقد المبالغ لسلبيات الوزارة يعرض الصحافة لفقدان مصداقيتها, على حد قوله! هل صحيح ان الصحافة فقدت مصداقيتها؟ إذن, فلماذا هذا التشنج الذي تتعامل به الوزارة مع الصحافة؟ فالذي فقد مصداقيته لا يجب أن يأبه به أحد أو يلتفت لما يكتبه أو يقوله إلا إذا كان فقدان المصداقية كلاما لا أساس له من الصحة. أمر آخر نود توضيحه لسعادة المسئول الفاضل هو ان وصف التربية بأنها توازي في أهميتها وزارة (الأمن القومي) لم يأت اعتباطا, ولم نقله لنجعل الوزارة منطقة ألغام ممنوع الاقتراب منها, فبرغم الوصف وخطورته إلا ان التربية تبقى الوزارة الأكثر خدمية في المجتمع, والأكثر تعاملا مع قطاعات الجمهور, أما انها ذات حساسية أمنية وقومية, فلانها تتحمل عبء اعداد الأجيال, وتثقيف المجتمع, وتحصين الناس, وسد ثغرات سوق العمل, والتصدي لقضايا التنمية ومحو الأمية, والارتقاء بمستوى المجتمع تقنيا وحضاريا, بمعنى آخر ان الوزارة تربي المجتمع, وتؤسس بنية الشخصية, وتسلحها بكافة وسائل التصدي والوعي والحصانة الدينية والأخلاقية والعلمية. من هنا فهي ذات مهمة أمن قومي, فهل تقوم الوزارة بذلك؟ إذا فعلت استحقت الوصف فعلا, لكن هذا الاستحقاق لا يعطيها على الاطلاق ميزة الحصانة ضد رقابة المجتمع ونقد الصحافة, فالصحافة مهمتها ان تنتقد وتشرح السلبيات وتقول الحقيقة للمجتمع ليعرف في أية وجهة تسير مؤسساته, وبأية عقلية تدار هذه المؤسسات, لا نقول بأن للصحافة حق التشهير أو تجريح الآخرين أو الاعتداء على حقوقهم, لكننا نؤكد ان لها مطلق الحق في نشر الحقيقة كل الحقيقة لمصلحة المجتمع.