لو عرف أحد أصدقائي أنني أنوي الكتابة عن دورة سيدني, لاغرق فى الضحك. وعندما كنت أقلب المحطات فى بيتنا فأنا (ملك الريموت) كما قررت الأسرة, وأحضرت اطارا وضعت فيه صورة لى تصور ذلك. وبدلا من أن أعتبر ذلك غمزا فى تنقلى الملول بين المحطات, أعتبره تتويجا على أى شئ ولو كان على (الريموت) أقول اننى عندما كنت أمارس عملى كملك وأتوقف ولو لثوان عند إحدى لعبات سيدنى, ينظرون إلى فى دهشة وريبة, وهم على وشك أن يسألونى عما جرى لى. ذلك لأن علاقتى بالرياضة البدنية معدومة تماما. وحتى رياضة المشى أمارسها بطريقتى وليس حسب نصائح الأطباء وأول علاقة لى بالرياضة قصة حقيقية. فلقد خيرونا بين الفرق المختلفة, وبالطبع كان أكثرها شعبية كرة القدم. ولكننى اخترت لعبة الهوكى التى لم أكن أعرف عنها شيئا. وقالوا لى انه ليس فى المدرسة لعبة الهوكى. ووعد الناظر ـ وكان رجلا طيبا ـ بأن يكتب للوزارة حتى ترسل له مضارب الهوكى. وأسعده اختيارى فألح على أن اختار لعبة أخرى. فاخترت لعبة أخرى لا أعرف عنها شيئا هى الوثب العالى, وكانت ألعاب القوى كلها آنئذ فى الظل. وكان مدرس الرياضة البدنية كما عرفت فيما بعد لا يعرف شيئا عن الوثب العالى وأصوله, وأظن أن ابنه هو الذى يدرس الآن! المهم أنه كان يتركنا لنقفز من فوق الحبل بأية طريقة نختارها فإذا نجحنا صاح محييا, وإذا فشلنا صاح غاضبا. وبعد فترة يرفع الحبل أكثر. وأثناء قفزى على الحبل تعثرت به. وكانت سقطة سيئة أصابت ذراعى بكسر. وانقلبت المدرسة كلها لهذا الحدث وحملت نفسها مسئولية ماحدث, وهو مالم يخطر على بالى ولا أسرتى. وكنت فخورا بجبيرة الجبس أسير بها متباهيا ومتميزا عن زملائي الذين لم تكسر لهم ذراع. ولكن أسرتى رأت ذلك التجول خارج البيت بذراع مكسورة, فمنعونى من اللعب خارج البيت. ولم يكن فى البيت أى نوع من التسلية, فلم يكن التلفزيون قد أتانا, وكان الراديو تحت حراسة عائلية مشددة, وقراءة الكتب يجب أن تحدث خلسة, فالأولى أن تذاكر. وهكذا استسلمت وأخذت أذاكر. ولما ظهرت نتيجة الفترة كان ترتيبى الأول مع مجموع كبير على غير العادة. وحينما وقف الناظر على رأس طابور الصباح ليحيى التلميذ النابغة الذى تحدى ظروفه وكسر يده واستطاع أن يتفوق على كل زملائه. وكنت اتضاءل فى مكانى, فلقد كنت أعرف أن تفوقى سببه الوحيد هو الكسر. وختم الناظر كلامه بشئ مثل: إذا كان الأول وهو فى ظروفه المرضية, فماذا نتوقع منه بعد أن شفى والحمدلله؟! ولست فى حاجة الى أن أقول ان الناظر بالتأكيد خاب رجاؤه. وربما لم يستطع أن يفهم أبدا سر ماحدث. ومازالت رغم مرور سنين طويلة أحس بالحاجة للاعتذار له! التجربة الثانية ولك أن تتخيل فى الملاكمة ولن أضع بعد الكلمة علامات تعجب لأن (البيان) بكامل صفحاتها لن تكفى علامات التعجب الواجبة. ولكن القصة تبدأ من أحد زملائنا فى المدرسة وكان شابا أنيقا يلعب الملاكمة. ولكن لا أحد غيره كان فى الفريق. وأراد اجتذاب آخرين الى الفريق. وألح علي الحاحا شديدا. ويبدو أن السبب هو تأكده من أنه سيهزمنى فى أية مباراة ومنذ اللحظة الأولى. ولم أكن مهتما بل كنت ومازلت أكره الملاكمة. وكان كلما قابلنى يضم قبضته ربما فى مزاح ليلاكمنى, فكنت اتجنبه, وأرفض مشاركته اللعبة. وفى احدى المرات زاد من الحاحه لألعب معه, وقاومت المحاولة بالكلام والتهرب ثم بدفعة من يدى. ويبدو أنه لم يتوقع الدفعة. فتراجع وسقط بكامل جسده على الأرض الطينية المليئة بالماء, فاتسخت حلته وجسده. وبالطبع تأسفت واعتذرت عن هذا الحادث الذى لم يكن مقصودا. ولكن تقول لمن؟! لقد تحدثت البلدة كلها عن اننى لاكمت هذا الزميل ولسوء الحظ لم يكن محبوبا واننى صرعته بعد أن أوجعته ضربا وهو بالطبع مالم يحدث, ولم يكن بالامكان أن يحدث. وزاد الحاحه بعد ذلك ليدخلنى فريق الملاكمة, بالتأكيد ليثأر منى. ولكننى رفضت رفضا باتا. لكن جاءته الفرصة بعد ذلك. فلقد وقعت وأنا مازلت تلميذا فى حب الصحافة, وأصدرت مجلة حائط فى المدرسة لقيت نجاحا كبيرا. وبدأت محاولات لاصدر مجلات أخرى شاركت فيها جميعا كان بينها مجلة للاخوان المسلمين وأخرى للشيوعيين وثالثة للوفديين وثالثة للحزب الوطنى القديم طبعا, وهكذا.. وذات يوم قامت خناقة بين هؤلاء جميعا. وصدف ذلك مع اكتشافهم اننى وراء كل هذه المجلات. فكنت فى الخناقة هدفا للجميع. ولكن الأشرس كان الملاكم الذى انتهز الفرصة, وأخذ يبحث عن المتشاجرين وعني. وأعتقد أن هروبه من كل هؤلاء لا يمكن وصفه بالجبن أو أرجو الا توافق على هذا الوصف. ولقد ظللت طوال حياتى أواجه هذه الخناقة واستطيع الهروب منها. و لذلك أنا حي الآن وأكتب لكم هذه السطور التى أردت أن أكتب لكم فيها عن دورة سيدني, فاستدرجتنى الذكريات الى أشياء أخرى. وسبب احتفائى بهذه الدورة انها تعتبر بشكل ما مقياسا للقوى, فهناك دول قادرة على أن تعبر عن نفسها فى كل المجالات ومن بينها الرياضة, ودول لا تستطيع أن تفعل. وأنا من الذين يشكون فى الاحصاءات العربية حتى فى تقدير عدد السكان, المهم طبعا أن هناك بعض الأرقام الصحيحة, لكنها تظل دائما (بعض الأرقام) وأننا لم نتعلم البدء من المعلومات. ولو أنك تابعت الأرقام التى تنشر عندنا للاحظت أنها متناقضة وانها بالتأكيد لا تدل على الحقيقة, مثلا أن تقرأ أننا الدولة الثانية التى تصدر كذا. فإذا وقع فى يدك تقرير من الأمم المتحدة أو غيرها وبحثت فيه عن اسمنا العزيز لما وجدتنا الدولة الثالثة أو الرابعة, بل ربما لم تجد اسمنا العزيز. وليس لدى ولا أعرف مقياسا لعظمة بلد ما وحسن أدائه. ولكننى أظن أن المهرجانات الفنية والدورات الرياضية مقياس لا يكذب. حقا يحدث أحيانا كذب فى هذا لكنه محدود جدا. كأن يعطوا للمشاركين فى مهرجان فنى شهادة مشاركة, فتتحول الى الجائزة الكبرى. ولكن بشكل عام من الصعب تزييف النتائج, ولذلك فأنا أعتبر مجموع هذه المهرجانات والدورات شبه مقياس للأمم. لقد أرسلنا كل هؤلاء الشباب وكل هؤلاء الاداريين كى نحصل على الفتات أو ما هو أقل من الفتات. بصراحة هذا هو واقعنا. وأن كنت أرى أنه ليس حقيقتنا. فنحن بالتأكيد أفضل بكثير من واقعنا. واقعنا صنعته ظروف دولية ومحلية, وحط به سوء الادارة. ولذلك أرى أن نفعل ما فعلته دول أخرى مثل الصين وكوبا. أى لا أعرف بالضبط ماذا فعلوا. غيرى يعرف. لكننى متأكد أنهم عندما خرجوا من الدورات السابقة بخفي حنين مثل أن نرث الخفين اجتمعوا وقالوا كيف نتخلص من الخفين. ثم قولوا كيف نجعل الميدالية البرونزية فضية والفضية ذهبية. ثم كيف نجعلها اثنتين وثلاث. وأصبح التغلب على الخيبة وسيلته العالمية ولم يعد المدرب مثل مدرسنا القديم الذى يحيى القفزة العالية ويسب القفزة الضعيفة. ثم يحمل المكسورين الى المستشفى. الوصول الى قاعدة لأن نكون الأفضل فى الرياضة أعتقد أنه سهل. على الأقل في الفن. والفن أسهل من العلم والعلم أسهل من السياسة! ليتنا نخلص من حق سيدني وحق السياسة معا.