فتش عن المخابرات المركزية! دخل الرئيس الامريكي ليندون جونسون على بعض السفراء العرب في قاعة استقبال وزارة الخارجية في واشنطن, كانت مشاعر القلق تسيطر على الجميع بعد هزيمة العرب في حرب يونيو 1967, وكان هناك تصور أن هذا اللقاء بين السفراء العرب ـ الذين بقوا في واشنطن على الرغم من قطع العلاقات بين بلادهم والولايات المتحدة ـ والرئيس الامريكي سيخفف من حدة هذه المشاعر, واعتبر السفراء العرب ان لقاء الرئىس جونسون مفاجأة سارة لانها تتيح لهم التحدث معه والتعبير عن مشاعرهم, لكن الدهشة سرعان ما استبدت بهم حين دخل جونسون اليهم وهو يمسك بوثاق من الجلد يقود به كلبه الذي يسبقه الى الدخول, ثم جلس وكانت بداية حديثه ـ لذهولهم ـ موجهة الى الكلب واسمه على نفس فصيلته (بيجل) قائلا له بالحرف الواحد تقريباً: (اسمع يا بيجل, حكاية رجل شرير تخانق مع جاره الطيب متصوراً ان هذا الجار الطيب لا يستطيع الرد عليه, ولكن الجار الطيب, يا بيجل استجمع كل قواه ولكم جاره الشرير لكمة قوية طرحته على الأرض, له حق, يا بيجل, أليس كذلك؟ لماذا يحق لأصحاب هذا الرجل الشرير ان يشتكوا للآخرين؟ ما هو رأيك يا بيجل؟!) . وكاد يغمى على السفراء العرب المدعوين, بل وكاد يغمى على بعض السفراء الامريكيين الحاضرين, وان تكلف بعضهم ابتسامات مغتصبة, ثم قام الرئيس جونسون وبيجل لا يزال يسابقه, فقد كان كلبه الأثير إليه ضمن اربعة كلاب يحتفظ بها من الفصيلة نفسها أهدتها اليه ماتيلدا كريم, حسب رواية هيكل في كتابة (الانفجار) . الغني الغبي ان ماتيلدا كريم من أب سويسري كاثوليكي وأم إيطالية يهودية, وقد كانت جاذبيتها لا تقاوم, وقد تزوجت من يهودي هو ديفيد داتون كان الرأس المدبر لحادث اغتيال اللورد موين وزير الدولة البريطاني في الشرق الاوسط والذي كان مقيماً في القاهرة, وعندما وقع جونسون في هواها وأصبحت عشيقته كانت في الاربعين من عمرها وان لم تفقد سحرها ولا تأثيرها على الرئيس الامريكي الذي صورته الصحافة العربية في ذلك الوقت على هيئة راعي بقر, كاوبوي قبيح وخشن. لقد كان مشهد جونسون وكلبه بيجل هو ذروة الشماتة الامريكية في اصعب لحظات عاشها جمال عبدالناصر, وقد تلقت تجربته وأحلامه الوطنية والقومية أعنف ضربة سياسية وعسكرية, وبهذه الضربة وصلت العلاقات المصرية الامريكية إلى حائط سد, لم يكن من الممكن هدمه وإعادة فتح الطريق من جديد امام هذه العلاقات إلا بمعجزة سماوية, أو بتغير النظام في مصر. ولم تكن صدفة ان يروي هيكل قصة العلاقات المصرية الأمريكية قبل ساعة صفر الحرب, فالعلاقات المتوترة بين البلدين كانت طرفاً فاعلاً ومؤثراً في السخونة المتصاعدة على الحدود العربية الإسرائىلية, بل ربما كانت الطرف الرئىسي في الازمة التي انتهت بكارثة, فلو لم تجدها الولايات المتحدة فرصة لتوجيه ضربة صاعقة للنظام الناصري في مصر لما منحت اسرائىل ضوءا اخضر للهجوم الخاطف على النحو الذي عجّل بالهزيمة في ساعات قليلة, وقد شاركت الولايات المتحدة في خطة الخداع عندما وافقت على استقبال زكريا محيي الدين في واشنطن في اليوم نفسه الذي كان مقررا فيه أن تبدأ اسرائيل الحرب. كتب هيكل 11 مقالا بعنوان (نحن وامريكا) نشر المقال الاول في 24 فبراير 1967 ونشر المقال العاشر في 5 يونيو 1967, يوم الحرب, ونشر المقال الأخير بعد اسبوع من الزلزال, في 12 يونيو 1967, وكانت أجواء الهزيمة تخيم على الجميع, وكانت هذه السلسلة من المقالات هي منطقة فاصلة في كتابات هيكل بين ما قبل الهزيمة أو النكسة, وما بعدها. وصف هيكل (امريكا) بالغني الغبي, ووصف تصرفاتها (بحماقة القوة) التي تتحول بكثرة التهور والتورط إلى مركب خطر وشرير, ومن ثم فإن أسلوب تصدينا للصدام معها (لابد له من تقديرات سليمة وحسابات دقيقة) (وأول ما ينتج عن ذلك ضرورة ألا يكون رد الفعل مطلقاً, رد الفعل المطلق ضد خصم لا نطوله بطريقة مباشرة يصبح من جانبنا حالة هياج عصبي, كلما زادت كلما قل تأثيرها) . وعلى الرغم من أن هيكل استطرد قائلا: (وأود ان يكون واضحاً ان ذلك شيء يختلف عن المساومة والمهادنة) إلا أن التيارات السياسية والثقافية اليسارية والماركسية ـ التي حلت تنظيماتها ووجدت نفسها قادرة على التعبير في أجهزة الاعلام المختلفة ـ اعتبرت ما يكتبه عن الولايات المتحدة (مساومة ومهادنة) خاصة في وقت وصل العداء لأمريكا الى حد الغاضب الكاسح الذي يصعب معه مناقشة اي شيء يتعلق بها دون (هياج عصبي) وراحت هذه التيارات تروج لفكرة سادت في تلك الايام هي ان هيكل (أمريكاني) وهي فكرة لم تلغها اتهامات الاخوان المسلمين له بأنه (اشتراكي) ولم تلغها هذه المقالات الموضوعية وانما زادتها, فقد كانت هذه المقالات تقرأ على طريقة الاتحاد الاشتراكي العربي, طريقة الرأي الواحد, والصوت الواحد, طريقة ان الكل يجب أن يكون متشابها مثل حبات الأرز ووجوه الصينيين, طريقة المواصفات والشروط الحكومية للوطنية السياسية, طريقة التكفير (الوطني) التي انقلبت فيما بعد للتكفير (الديني) فلكل عصر كهنته وملحدوه. الطين يزداد بلة ان الصراع والصدام بين هيكل والاتحاد الاشتراكي كان يرجع إلى ما بعد قانون تنظيم الصحافة, كان الاتحاد الاشتراكي ـ الذي آلت إليه الملكية الاسمية للصحافة ـ يريد أن يمارس نفوذا مباشرا عليها, وكان أن اقترح تشكيل مجلس أعلى للصحافة يمارس من خلاله هذا النفوذ, لكن كان لهيكل رأي آخر, هو تشكيل ما يسمى بهيئة الصحافة العربية المتحدة, على غرار تجربة الملكية التعاونية في صحيفة (الموند) الفرنسية, وهو ما جعله يوجه دعوة لرئىس مجلس إدارتها (بيف ميري) ليكون ضيفاً على (الاهرام) ليشرح التجربة, وكانت صيغة هيئة الصحافة العربية المتحدة ـ التي صاغها في قالبها القانوني الدكتور جمال العطيفي ـ وكما قال لي هيكل بنفسه: كانت تعطي استقلال كاملا للصحف, بأن تؤجر كل صحيفة رخصتها من الاتحاد الاشتراكي التي يملكها لمدة 25 سنة قابلة للتجديد مقابل 50 الف جنيه سنويا, وهو ما رفضه رئيس التنظيم السياسي علي صبري الذي كان يهمه الهيمنة على الصحافة ولا يهمه ما يجنيه من ورائها ماليا, وهكذا ولد الخلاف والصدام بينه وبين هيكل. وما زاد الطين بلة ان جمال عبدالناصر رحب بمشروع هيكل وطلب تنفيذه في (الاهرام) , واخبار اليوم) على أن يكون هيكل هو رئىس مجلس ادارة هذه الهيئة الجديدة, على ان تخرج منها جريدة (الجمهورية) التي كان من رأي جمال عبدالناصر ان تترك للاتحاد الاشتراكي لتكون جريدته وليشرف عليها علي صبري, ولم يكن هيكل مستريحا لإدارته (اخبار اليوم) إلى جانب (الاهرام) وكان ما قاله لجمال عبدالناصر: (ان ذلك تركيز للقوة الصحفية في يد واحدة بأكثر مما هو ضروري وصحي) لكن جمال عبدالناصر كان مصرا, وهكذا زادت سخونة الخلاف والصدام بينه وبين الاتحاد الاشتراكي. كانت (أخبار اليوم) قد مرت بتطورات حادة بعد تنظيم الصحافة, فقد عين امين شاكر وهو من ضابط الثورة رئىسا لمجلس ادارتها, وتدخل هيكل, ووافق جمال عبدالناصر على أن يعود مصطفى وعلي أمين الى (أخبار اليوم) ولم تهدأ الصراعات, بل تضاعفت, وكان أن خرج امين شاكر, وجاء بعده كمال رفعت, ثم خالد محيي الدين, إلى أن تقرر أن يشرف عليها هيكل.. وبخروج هؤلاء السياسيين من (أخبار اليوم) وصل الخلاف والصدام بين هيكل والتنظيم السياسي الى نقطة اللاعودة. وفيما بعد, بعد الهزيمة عندما راح هيكل يدعو الى (تحييد أمريكا) وجدها الاتحاد الاشتراكي فرصة لفتح النيران عليه في جريدة (الجمهورية) . لقد قال له جمال عبدالناصر: (ليس لدي اعتراض على ما تكتب, ولن يصيبك احد بسوء طالما انا على قيد الحياة, لكن لن أمنع أحداً في الهجوم عليك, دافع عن نفسك ودافع عن افكارك) .. وما كاد هيكل يفتح سيرة (تحييد امريكا) حتى وجد هجوما عليه من اقطاب التنظيم السياسي, علي صبري وضياء الدين داود ولبيب شقير, فقد كتبوا يهاجمونه في ثلاث مقالات نشرتها (الجمهورية) في يوم واحد. مشكلات ومراحل كانت هناك ثلاث مشكلات رئىسية مزمنة بين القاهرة وواشنطن ـ ناقشها هيكل في مقالاته المطولة ـ راحت حدتها تزداد يوما بعد آخر: (1) مشكلة اسرائيل: وقد انتقل الدعم الامريكي لها من مجرد مجاملة لاصوات اليهود في انتخابات البيت الابيض الى مساندة عسكرية واقتصادية بلا حدود وضمان لأمنها وسلامتها في اتفاقات استراتيجية يصعب الرجوع فيها. (2) مشكلة ملوك العرب: وقد انتقل الدعم الامريكي لهم من دعم نظمهم بالدعاية والمساندة السياسية الى دعمها بالقوة المسلحة ومؤامرات الكواليس بما فيها محاولات القتل والاغتيال. (3) مشكلة الضغط الاقتصادي: وقد انتقل من مجرد تجميد الارصدة المصرية كما حدث في حرب السويس عام 1956 الى حرب التجويع بمنع القمح عن الشعب المصري كما حدث فيما بعد.. في بداية الستينيات. وكانت هناك أربع مراحل مرت بها العلاقات المصرية الامريكية من التفاهم الى الصدام: (1) مرحلة محاولة الترويض: وهي مرحلة ممتدة من قيام الثورة عام 1952 الى توقيع صفقة الاسلحة السوفييتية عام 1955. (2) مرحلة محاولة العقاب: وقد بدأت من عام 1956 بالحرب النفسية وسحب عرض المساهمة في مشروع السد العالي ثم امتدت بعد الحرب المسلحة في السويس الى حرب اقتصادية عنيفة استمرت الى عام 1958. (3) مرحلة محاولة الاحتواء: وقد بدأت من عام 1959 مستغلة الخلاف الذي وقع بين مصر والاتحاد السوفييتي بسبب دور الشيوعيين في العراق الذين حكموا بقوة عبدالكريم قاسم الذي كان قد وصل الى السلطة هناك في عام 1958, واستمرت هذه المرحلة الى عام 1963 حين بدأ الصدام بين مصر والسعودية في اليمن, ساعتها تراجعت امريكا عن الاحتواء ودخلت العلاقات بينها وبين مصر في مرحلة جديدة. (4) مرحلة محاولة العنف: وقد بدأت منذ عام 1963.. ووصلت ذروتها في حرب يونيو 1967. وصف مصر بالأمريكاني لكن قبل أن نخوض في تفاصيل هذه المراحل الاربع المعلنة, نتوقف عند سؤال بقي محيرا لكثير من المؤرخين والباحثين وهو: هل كانت ثورة يوليو (امريكية؟) وبصيغة اخرى: هل كان الضباط الاحرار على علاقة تحت الارض وقبل الثورة مع المخابرات المركزية الامريكية؟ ثم لابد من سؤال آخر: اين موقع هيكل على هذه الخريطة؟ بعد 35 سنة على الثورة وبعد 17 سنة على رحيل جمال عبدالناصر خرج من يقول علنا: (ان الثورة وقائدها هما (صناعة) أو (صنيعة) امريكية, وان تغيير النظام في مصر في يوليو 1952 هو مسرحية ألفتها واخرجتها المخابرات المركزية, وقام ببطولتها جمال عبدالناصر ورفاقه, وجاءت هذه الاتهامات في وقت كانت معظم الاشياء في مصر مباحة ومهزوزة وبلا حصانة, كما ان الذين تحمسوا لذلك الاتهام وروجوا له كانوا من أنصار العقل مثل الدكتور فؤاد زكريا (كتابه: كم عمر الغضب؟) ومن أنصار التشهير وتصفية الحسابات مثل جلال كشك (كتابه: ثورة يوليو الامريكية) وكان بعضهم طرفا مباشرا في اللعبة الرسمية للسلطة مثل حسن التهامي. وفي الحقيقة كان ذلك الاتهام قديما, فقد سبق ان قاله رجل المخابرات المركزية (مايلز كوبلاند) في كتابه الشهير (لعبة الامم) الذي صدر في عام 1969 كان (كوبلاند) الساعد الاقليمي لمسئول الوكالة في الشرق الاوسط (كيرميت روزفلت) أو (كيم) على حد اسم تدليله, وقد أثار كتاب (كوبلاند) الكثير من عواصف الغضب عليه, لكن المثير للدهشة انه طلب تأشيرة لدخول مصر وحصل عليها بعد نشره الكتاب, ولم يجد من يوقفه في مطار القاهرة, ووجد طريقة من دون مشقة الى فندق (هيلتون ـ النيل) ولابد أن ذلك جعله يشعر بالزهو والغرور, فها هو جمال عبدالناصر الذي اتهمه في كتابه بأنه من انتاجهم لا يقدر على منعه, أو الوقوف في وجهه, ثم انها فرصة لان يكسب من ابتزازه, ولكن ذات ليلة وهو عائد الى فندقه فوجىء بشاب قوي يعترض طريقه ويصر ـ في استفزاز واضح ـ على أن يبيع له بعض منتجات (خان الخليلي) التي يشتريها السياح, وبدا واضحا ان البائع (المزعوم) له هدف آخر, على أن تدخل بعض المارة أفسد خطته, في اليوم التالي في ميدان (العتبة) كان هناك من كان قادرا على تنفيذ الهدف, فقد عاد (كوبلاند) من جولة لم تكتمل في الميدان القديم وقد امتلأ وجهه بالجروح وجسده بالكدمات, لقد افتعل رجال الامن السريون معه مشاجرة كان هو الوحيد الخاسر فيها وفهم (كوبلاند) الرسالة وغادر القاهرة على أول طائرة, ولم يعد إليها الا بعد رحيل جمال عبدالناصر. وفي كتابه (قصة السويس) يقول هيكل: ان كوبلاند كغيره من موظفي الوكالة لا يستطيع أن يكتب أو ينشر بغير إذن (ومعنى ذلك ان ما كتبه ونشره كان محل موافقة من وكالة المخابرات المركزية التي يهمها تلطيخ الثورة المصرية والإساءة إلى قائدها جمال عبدالناصر) . ويضيف هيكل: (إن في ملفات الحكومة المصرية في رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء وإدارة المخابرات العامة مجموعة وثائق تكفي لادانة مايلز كوبلاند, ولست أعرف لماذا لا تنشر كلها أو بعضها في مواجهة ما يكتبه وما ينشره) , (في هذه الملفات خطابات بامضاء كوبلاند يطلب أموالا من الحكومة المصرية لينشئ لحسابها إدارة مخابرات في لندن أو جنيف يقوم على خدمتها, وتأشيرات على هذه الخطابات برفض العرض لاننا لا نستطيع أن نعهد لعميل للمخابرات الأمريكية بانشاء مخابرات مصرية, وبينها خطاب بتوقيع كوبلاند يبدي فيه استعداده لحذف وتغيير كل ما لا ترضى عنه مصر في كتابه (لعبة الأمم) وتأشيرات عليها بعدم الرد لان مجرد الرد عليه يعطيه قيمة ليست له, وبينها خطابات بتوقيعه يشكو فيها من ان جميع المسئولين لا يقابلونه ولا يردون عليه بينما هو يريد أن يخدم ولا يطلب من مصر إلا ما يستطيع أن يعيش به ويحافظ على مستواه, وتأشيرات على هذه الخطابات بمنع دخوله إلى مصر وبعدم حاجتها إلى خدماته وبأنها ليست مسئولة لا عن معيشته ولا عن مستوى معيشته وانه مغامر على استعداد أن يبيع نفسه ومصر ليست مستعدة أن تشتري) . وشكّك جلال كشك فيما يقوله هيكل ووصف ما قاله بأنه (كلام للمغفلين) . وتساءل عن السر في عدم نشر خطابات كوبلاند إذا كانت حقيقة تكشف زيفه, ولم تشأ الحكومة أن تكشف هذه الخطابات, لكن هيكل هو الذي شاء, ففي القضية التي رفعها مصطفى أمين ـ بعد الافراج الصحي عنه ـ ضد مدير المخابرات الأسبق صلاح نصر, طلب هيكل للشهادة, وأمام المحكمة التي نظرت القضية: (إن جمال عبدالناصر تلقى أكثر من 30 خطابا من كوبلاند) ثم قدم هيكل للمحكمة ملفا, وقال: (هذا هو ملف كامل بهذه الخطابات) . ولم يتردد كوبلاند في نشر كتاب آخر هو (بلا خنجر وبلا عباءة) لم يحظ بشهرة كتابه (لعبة الأمم) وإن كان قد أضاف فيه بعض التفاصيل وكشف فيه بعض الأسرار, منها ان كيرميت روزفلت جاء إلى مصر قبل الثورة وحاول إقناع الملك فاروق بالقيام بثورة (سلمية) بيضاء لتقوية نظام حكمه المعتدل لتفويت الفرصة على قوى الشيوعيين والاخوان في القضاء عليه, وكانت الخطة ـ التي سميت في ملفات المخابرات المركزية بعملية (الزير السمين) ـ تقضي بأن يقوم الملك بحملة تطهير كبيرة للقضاء على الفساد المستشري في أوصال النظام, وبأن يعيد تقديم نفسه في صورة الحاكم التقي الورع, ولكن (كيم) شعر باليأس بعد أن قابل الملك فاروق أكثر من مرة, ووجده على حد وصفه (من أصحاب الأجسام الثقيلة والعقول الخفيفة) وهو ما جعل (كيم) يبحث عن بديل آخر, وهكذا اتجه بصره إلى الجيش, على حد رواية كوبلاند. أمريكا الضاحكة إن كيرميت روزفلت هو حفيد الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت, وقد ولد في بوينس أيريس في عام 1906, وهو العام نفسه الذي حكم فيه جده, وأصبح الرئيس العشرين للولايات المتحدة, وقد وصف الجد في أول أيام حكمه (بالهراوة الغليظة) ووصف في آخر أيام حكمه (بالأسد العجوز) . ويذكر انه زار مصر وامتدح الاستعمار البريطاني وطالب المصريين بألا يتنكروا لفضله فخرجت المظاهرات تطالب بسقوطه. ودرس (كيم) في جامعة هارفارد, وأصبح أستاذا للتاريخ, ثم مارس مهنة التدريس في جامعة كاليفورنيا قبل أن ينضم إلى آلن دالاس في إدارة الخدمة الاستراتيجية في عام 1943, وقد تكونت إدارة الخدمة الاستراتيجية في أثناء الحرب العالمية الثانية لتكون فيما بعد نواة وكالة المخابرات المركزية, وكان مجال (كيم) ايطاليا والشرق الأوسط الذي أصبح مسئولا عنه بعد تأسيس الوكالة, وكان مركزه الرئيسي في بيروت, وبحكم دراسته الأكاديمية كان عمله في القسم الثقافي بالسفارة الأمريكية هو الغطاء المناسب, وفي عام 1944 ـ وكان عمره 28 سنة ـ عمل في بيروت مساعدا في جمع المعلومات لأستاذ جامعي آخر ـ أصبح في وقت لاحق مديرا للجامعة الأمريكية في بيروت هو دكتور ستيفين بنروز الذي توفي في عام 1954. ولم يمر وقت طويل حتى أدرك كيم أن تحريك الأحداث في الظلام يجذبه ويثيره أكثر من مجرد جمع المعلومات, وانتقل بذلك من التحليل إلى التآمر, وحتى يقفز رجل مخابرات هذه الخطوة الواسعة فإن عليه أن يكون شبكة معقدة من العملاء والعلاقات تفيده في الوقت المناسب, وقد تحقق له ذلك عندما كوّن في عام 1951 جمعية الصداقة العربية الأمريكية التي اتخذت من بيروت مقرا رئيسيا لها وامتدت فروعها إلى القاهرة ودمشق وعمان وبنغازي وتونس والرباط, وكما يقول آلن جران في كتابه عن رجال المخابرات المركزية (ترجمه جورج عبدو ونشرته دار المروج في بيروت) فإنه تحت شعار تعزيز الروابط الثقافية والعلمية بين الولايات المتحدة والعالم العربي قام (مناضلو) هذه الجمعية بنشاط تجسسي خطير للغاية, وقد حانت الفرصة لكيرميت روزفلت لتجريب مواهبه في تدبير الانقلابات في إيران عندما طرد الدكتور محمد مصدق وأعاد الشاه للسلطة. وفي الكتاب نفسه: (انه أبرع من تعامل مع جماعة الاخوان المسلمين كسلاح ممتاز وحاجز متين ضد النفوذ الشيوعي والتغلغل السوفييتي) . وقبل قيام ثورة الجيش في مصر, وعندما فكر كيم في الثورة السلمية للملك فاروق نجح الأمريكيون في خلق مراكز دعاية نشطة لهم, كان أبرزها (أخبار اليوم) التي بشّر صاحبها ورئيس تحريرها (مصطفى أمين) بالحياة على الطريقة الأمريكية في كتابه (أمريكا الضاحكة) كما ان مصطفى أمين منعا لانفجار الثورة كان يكتب كثيرا عن العدالة الاجتماعية واعادة توزيع الملكية وفرض ضرائب تصاعدية على الأثرياء. وباعتراف مصطفى أمين في خطابه الشهير إلى جمال عبدالناصر (الذي أرسله إليه بعد القبض عليه بتهمة التجسس) فإن علاقته بالأمريكيين بدأت في عام 1935 حين عين والده في السفارة المصرية في واشنطن, وقد سافر معه وأقام في السفارة المصرية, وبعد ثلاث سنوات حصل على ماجستير في العلوم السياسية من جامعة (جورج تاون) التي يتخرج منها أغلب رجال السلك السياسي في الولايات المتحدة, ومن خلال الحفلات التي تقام في السفارة المصرية تعرف على عدد كبير من شباب وزارة الخارجية, وقد أصبحوا فيما بعد يشغلون أهم مناصب السفارات الأمريكية في الخارج. وبعد عودته إلى مصر واشتغاله بالصحافة التقى بالكثير من هؤلاء, وجدد صداقته معهم, وفي عام 1944 تعرف على كيرميت روزفلت في مكتبه بمجلة (الاثنين) بواسطة الدكتور فؤاد صروف عميد الجامعة الأمريكية في ذلك الوقت, وكان كيم قد أصبح شخصية شهيرة في المجتمع المصري, وكانت تفتح له أبواب المسئولين باعتباره مستشار الرئيس الأمريكي. ويقول مصطفى أمين: (انه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية كان على علاقة طيبة بالسفير الأمريكي مستر كيرك الذي كان يدعوه باستمرار على الغداء والعشاء (وكانت له عدة بيوت في القاهرة وكان لا يهمه أمر مصر اطلاقا ولا يجد لذة في أن يسمع أي شيء عنها وكان كل اهتمامه بالحفلات وبتأبين الانجليز وبصابون سانلايت الذي كان يملك أغلب أسهم شركته) وبواسطة الأمريكيين عرف مصطفى أمين أخبارا مهمة أفادته صحافيا, مثل خبر تسليم ايطاليا في الحرب, كما انهم أعطوه الخطابات السرية المتبادلة بين الرئيس الأمريكي والملك فاروق وقد نشرها في (أخبار اليوم) , وأصبحت علاقته أقوى بالسفير الأمريكي الذي عاصر قيام الثورة جيفرسون كافري الذي كان متحمسا لثورة كيرميت روزفلت البيضاء وعندما فشل الملك فاروق في تنفيذها بدأ كافري يعامله كولد صغير طائش, ويقول انتوني أيدن (رئيس وزراء بريطانيا أثناء أزمة السويس) في مذكراته: (انه تلقى من الخارجية الأمريكية ما يفيد ان كافري لديه معلومات تقوده إلى الاعتقاد بأن كل من يمضي دون تقدم ملموس نحو حل القضايا المعلقة في مصر يعرض النظام القائم فيها إلى خطر التهلكة) . الضابط الغامض حسب رواية كوبلاند: فإن كيم أمضى في القاهرة الشهرين الأولين من عام 1952 مع الملك فاروق يلهوان بتنفيذ مخطط الثورة السلمية, وذلك بدفع رجل الحكم القوي مرتضى المراغي لخلق أزمة وزارية, وقام الملك بتكليف نجيب الهلالي (الذي كان هيكل على علاقة متينة به) لتسلم الوزارة, وقد اتصل به كيم وطلب منه تطهير جهاز الدولة من الفساد, فربما أصبح زعيم الثورة السلمية, لكن ما جرى هو ان الضباط الأحرار قد سارعوا بالاستيلاء على السلطة ولم يتسن لنجيب الهلالي تنفيذ مخطط محاربة الفساد, فهل كان كيرميت روزفلت وراء ما فعله الجيش كما يدعي خصوم جمال عبدالناصر؟ لقد سبق أن ناقشت هذه التهمة في كتاب منفرد هو (الحروب الخفية بين عبدالناصر والمخابرات الأمريكية) . ولا بأس هنا من الرجوع إليه, والاسترشاد به, لقد قال كوبلاند ان كيم عرف بأمر تنظيم الضباط الأحرار في شهر مارس 1952, أي قبل الثورة بأربعة أشهر تقريبا, ويقول كوبلاند أيضا: (انه سعى إلى الاتصال بهذا التنظيم بعد أن أدرك ان المراهنة على الجيش هي الحل الوحيد المتاح) ولأن كيم لم يبدأ ـ حسب المصدر نفسه ـ في رهانه على الجيش إلا في شهر مايو 1952 فإن الفترة التي يكون قد تم فيها الاتصال بينه وبين تنظيم الضباط الأحرار هي ما بين مايو ويوليو أي حوالي الشهرين فقط. وفي الجزء الأول من كتابه الشهير (قصة ثورة يوليو) يقول أحمد حمروش: (إن منشورات الضباط الأحرار وانتصارهم في انتخابات نادي الضباط استثارت رجال المخابرات المركزية في القاهرة, فبذلوا غاية جهدهم للتعرف عليهم واكتشاف آرائهم ومحاولة اجتذابهم) . و(كانت حلقة الاتصال مع ضابط في المخابرات المصرية تسمح طبيعة عمله بالاتصال بالملحقين العسكريين الأجانب بينما هو مرتبط بالضباط الأحرار وبجمال عبدالناصر شخصيا) . لم يذكر أحمد حمروش اسم هذا الضابط.. فمن يكون؟ قبل الثورة لم يكن في مصر جهاز للمخابرات العامة, أما المخابرات الحربية فقد كانت محدودة القدرة ولا يزيد عدد أفرادها على 15 ضابطا, وكانت على صلة بالبوليس السياسي في وزارة الداخلية, وفي المخابرات الحربية كان هناك من هو على صلة بالضباط الأحرار مثل عبدالمنعم النجار وسعد الدين توفيق وعلي صبري, فهل كان الوسيط بين الضباط الأحرار والمخابرات المركزية واحدا من هؤلاء الثلاثة؟ يقول عبدالمنعم النجار: (ان المخابرات البريطانية والأمريكية ـ التي كانت نشطة جدا في البحث عن النشاط الشيوعي ـ اتصلوا بنا ـ في إدارة المخابرات الحربية ـ عن طريق العلاقات العامة وعن طريق الصلات الاجتماعية للبحث والتساؤل عن الضباط الأحرار, وكان أنشطهم في ذلك الملحق العسكري الأمريكي ومساعد الملحق الجوي) ـ المصدر: أحمد حمروش: (شهود ثورة يوليو) . وليست هناك اضافة تنسب إلى سعد الدين توفيق في هذه الاتصالات, ومن ثم يبقى علي صبري, وهو بالمناسبة سافر قبل عام 1952 في بعثة إلى الولايات المتحدة لدراسة المخابرات الحربية, وبصفة خاصة مخابرات الطيران, وعندما عاد عين مديرا لمخابرات الطيران, وأصبح على صلة بالملحق الجوي الأمريكي في القاهرة, وان لم يكن ليقدر على الاتصال به إلا من خلال إدارة المخابرات الحربية. ويقول علي صبري: (إن استمرار الاتصالات الرسمية مع الملحق الجوي الأمريكي أدى إلى وجود علاقة شخصية معه, وقد اتصل بي قبل قيام الثورة بأيام قليلة وأبلغني ان معلوماتهم تقول ان هناك حركة في الجيش, وأكد لي ان هذه المعلومات صحيحة, وقد حرصت على أن أنفي له ما لديهم من معلومات على الرغم من علمي بصحتها, وأقنعته بأن الأمر لا يتعدى بقايا معركة انتخابات نادي الضباط) ـ المصدر: عبدالله إمام في كتابه (علي صبري يتذكر) . ولا بد أن نصدق علي صبري وهو يصف العلاقة بينه وبين الملحق الجوي الأمريكي بأنها (علاقة شخصية) فلم يكن الانجليز ليسمحوا بأكثر من ذلك, ان الانجليز كانوا يملكون أقوى جهاز مخابرات في ذلك الوقت, وكانوا يتابعون كل كبيرة وصغيرة, ولم يكن من السهل أن يتركوا الساحة لغيرهم بهذه السهولة. كذلك فإن الصورة الأمريكية لم تكن بالقبح الذي كشفت عنه فيما بعد, كانت الصورة لا تزال متأثرة بمبادئ الرئيس (ويلسون) الأربعة عشر التي نادى بها لتحرير الشعوب بعد الحرب العالمية الأولى.. ولعبت هوليوود دورا في تجسيد صورة أمريكا كراعية للخيال وللحرية, وربما لهذا السبب فإن القوى السياسية ـ ما عدا الشيوعيين ـ لم تكن تنظر للولايات المتحدة على انها قوة استعمارية, لذلك فإن جمال عبدالناصر طلب من خالد محيي الدين عدم استخدام عبارة (الاستعمار الأنجلو أمريكي) في منشورات الضباط الأحرار, والاكتفاء بعبارة (الاستعمار البريطاني) وهو ما استغله البعض في دعم الاتهام بأن ثورة يوليو كانت ثورة (أمريكية) . ويوحي هيكل بأن جمال عبدالناصر كان يخشى تدخل القوات البريطانية لاجهاض حركة الجيش إذا ما قامت, ويقول هيكل: انه قبل الثورة بخمسة أيام قابل جمال عبدالناصر صدفة في بيت اللواء محمد نجيب بحضور عبدالحكيم عامر, وقد دار بينهم حوار حول امكانية تدخل الانجليز لو قام الجيش بحركة ما, وكان من رأي هيكل ان الانجليز لن يتدخلوا, وشرح مبرراته, ورنت العبارة (جرسا في رأس جمال عبدالناصر) ـ المصدر: هيكل في كتابه (بين الصحافة والسياسة) . ولم تكن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تعرف الكثير عن جمال عبدالناصر لا قبل الثورة ولا بعدها, وهو ما يحطم بالكامل اتهامات (كوبلاند) , ويحول كتابه (لعبة الأمم) إلى حكاية خرافية أسطورية مقتبسة من ألف ليلة وليلة. وتجمع كل التقارير الأمريكية ان ما جرى في ليلة 23 يوليو 1952 كان مفاجأة كاملة لواشنطن. كوبلاند نفسه يقول: (ان الحكومة الأمريكية لم تعلم بوقوع الانقلاب إلا من الصحف الصادرة في صباح اليوم التالي) . وأندرو توللي وهو ضابط من قلب الوكالة يقول: (لقد فوجئنا بما حدث في صيف القاهرة الساخن عام 1952 وكان علينا أن نعرف بسرعة إلى أين سيتجه قادة الانقلاب الأول من نوعه في مصر) . وويلبر كرين ايفلاند (وهو من رجال المخابرات الأمريكية نشر كتابا بعنوان (حبال من رمال) عن الفشل الأمريكي في الشرق الأوسط) يعترف: (لم نكن نعرف بما سيحدث في مصر لكن كان علينا أن نعرف ما حدث) .