ما هي فرص النجاح المتاحة للمقاومة الشعبية الفلسطينية امام الجيش الاسرائيلي؟ كقاعدة عامة, وفقا للسوابق التي سجلها التاريخ البشري, فإن العنصر الاساسي لنجاح اي حركة تحرر شعبية هو مدى تصميمها. اما بقية العوامل الاخرى, مثل السلاح, فإنها على اهميتها تحتل مرتبة ثانوية. وفي هذا يقول ماوتسي تونج ملخصا تجربة حرب التحرير الصينية التي حققت انتصارها النهائي في عام 1949: (الحرب الشعبية لا يقرر مصيرها مضاء السلاح ولا طبيعة ارض المعركة وانما قلوب الرجال) . واذا كانت جماهير الشعب الفلسطيني لا ينقصها التصميم فإن العوائق والظروف السالبة القائمة في طريقها اليوم اصعب بالمقارنة مع ما كان عليه الحال قبل مرحلة اوسلو. فما هي هذه العوائق والظروف السالبة؟ خلال السنوات السبع العجاف اللاحقة لتوقيع اتفاق اوسلو وقيام (الحكم الذاتي) كوضع جديد في الضفة وغزة تغيرت ملامح الخريطة السياسية والامنية والديمغرافية تماما بتخطيط اسرائيلي وتعاون فلسطيني رسمي وفق ذهنية تستهدف كأولوية اولى كيفية احباط اي تحرك احتجاجي شعبي. انتفاضة الثمانينيات اخذت الاسرائيليين على حين غرة. ولذا ضاع على السلطة الاسرائيلية وقت طويل ريثما استوعبت الصدمة.. ثم خططت لكيفية مواجهتها وسط خلافات ومجادلات بين القادة الامنيين والسياسيين. الآن اختلف الأمر. فمنذ اول هجمة شعبية من رماة الاحجار مع خروج جموع المصلين من المسجد الاقصى يوم الجمعة قبل الماضية بدا واضحا ان القيادة الاسرائيلية اعدت العدة مسبقا لمثل هذا الموقف حتى لو صار له تداعيات بمستوى خطير. ومن ثم نرى ما نرى من هجمات عسكرية اسرائيلية متتالية دون توقف ضد الجماهير الفلسطينية رغم اتساع النطاق الجغرافي للمصادمات في الضفة وغزة وانتقالها الى (عرب اسرائيل 48) . هذه الجرأة الاسرائيلية الدموية ليست وليدة لحظة او صدفة. انها ثمرة التغيير العمد على الارض الذي ظل ينفذ بعين امنية فاحصة لمدى سبع سنوات. ولذا فإن اتفاق اوسلو المشؤوم سوف يدخل التاريخ كهدية عرفاتية الى اسرائيل بمنحها المهلة الزمنية الكافية وحالة الهدوء المطلوبين لاحداث تغييرات وابتداعات بطول الاراضي المحتلة وعرضها بما يجعل من السهل احتواء واحباط اي فوران شعبي او اي تدبير سري ذي طبيعة معادية لاسرائيل. قائمة (المنجزات) الاسرائيلية في ظل سنين اوسلو طويلة.. وعلى رأسها يأتي اولا الفصل الديمغرافي الجغرافي بين ارض الضفة وارض غزة بإقامة مستوطنات يهودية بينهما معززة بحاميات عسكرية اسرائيلية.. ثم تحويل الضفة الى فسيفساء سكانية: مجموعات متفرقة من القرى والبلدات الفلسطينية عزلت عن بعضها البعض بطرق التفافية تتحكم فيها نقاط للقوات الاسرائيلية. وعلى الصعيد الامني اثمر التعاون الاسرائيلي الفلسطيني عن اقامة بنية تحتية امنية استطاعت اختراق المنظمات السياسية الفلسطينية خاصة (حماس) و(الجهاد الاسلامي) وانشاء قنوات للتنسيق الامني بين (شين بيت) , جهاز الامن الاسرائيلي الداخلي وأجهزة الامن الفلسطينية بمشاركة من وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية. وفي هذه الاثناء كان يجري على قدم وساق تهويد القدس بالكامل ببناء مستوطنات يهودية تحيط بالقدس الشرقية واسقاط وثائق الهوية لدى الفلسطينيين المقدسيين بالجملة. بإيجاز تبدلت صورة الارض المحتلة بما يجعل مهمة المقاومة الفلسطينية اصعب. لكن تصميم الارادة يظل هو العامل الحاسم في معطيات العمل التحرري.