لا يستطيع المتأمل للمشهد السياسي الذي طرأ على الساحة العربية في الايام القليلة الماضية ان يتمالك نفسه ليس من القلق العصبي فحسب, بل من الحيرة والدهشة ايضا. فالتناقضات التي طغت على الساحة, ولا تزال تداعياتها تتشابك وتتفاعل تجعل الاحداث تبدو كما لو كانت مشهدا من مسرحية عبثية تختلط فيها الخطوط ويتخبط الاشخاص ويضيع المنطق! ففي الوقت الذي تندلع فيه ثورة شعبية عارمة على ارض فلسطين يبذل المواطنون الفلسطينيون العزل وقودها من دمائهم واجسادهم التي تتساقط تحت ايقاع الرصاص الاسرائيلي, في هذا الوقت اللاهب, يلتقى عرفات ـ في باريس ـ رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك, ليتصافحا امام عدسات المصورين في محاولة عبثية (موهومة) للبحث عن حلول لتهدئة الوضع في الاراضي المحتلة! ومما يزيد الاشتباك والتشابك في المشهد ان هناك دولا قد ارسلت طائرات مدنية الى بغداد بذريعة التعاطف مع الشعب العراقي, بينما بعض هذه الدول نفسها يرتبط مع اسرائيل بمعاهدات سلام ويستضيف سفاراتها على اراضيها, بينما يستضيف بعضها الآخر مكاتب تمثيلية للدولة العبرية. وبعضها يرتبط معها بعلاقات حميمة وان لم تكن رسمية حتى الآن... وامعانا في العبث فإن قطاعات عدة من الفلسطينيين ينادون ـ الآن ـ بتحرير الاراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967, بينما النضال الفلسطيني عندما بدأ كان شعاره تحرير (كامل الارض) المحتلة, وهو الشعار الذي خسرناه, كما خسرنا معه المزيد من الارض... والمزيد من الدماء! من هنا فإن احدا لا يستطيع ان يفسر خطوط هذا المشهد العبثي الا اذا كان قد فقد عقله! فلا يزال بيننا زعماء عرب يطالبون بأن تتاح لهم قطعة ارض قريبة لاسرائيل, مدعين ان لديهم القدرة على الانطلاق منها لتحرير التراب الفلسطيني, في (فزعة) عنترية لا تعبأ بالتوازنات الدولية, ولا بالقوى المتحكمة في خريطة العالم, وتصور الامر كما لو كنا نعيش في هذا العالم وحدنا. ولا يغيب عن المراقب الواعي ان القيادة الفلسطينية تروق لها هذه الهتافات العاطفية من بعض الزعماء العرب, حينما تكون هذه القيادة محتاجة اليها لترفع اسهمها في التفاوض بشأن احدى قضايا الصراع, لكن هذه القيادة الفلسطينية نفسها ـ عندما تتوهم ان الساحة خالية أمامها لتحقيق مكاسب سياسية متخيلة ـ تلجأ الى تهميش الدور العربي واللعب من تحت الطاولة, (داخل القاعات المغلقة), لينتهي الامر بتوقيع معاهدات (أو بالأحرى تنازلات) لمصلحة العدو من وراء ظهر الامة العربية كلها! ولكنهم يعودون مهرولين ـ اذا التصقت ظهورهم بالجدار ـ باحثين عن الساحة العربية مرددين السؤال الصارخ نفسه: أين انتم يا عرب؟) !! ونحن لا ننكر على الفلسطينيين اللجوء الى الخيمة العربية كلما ألم بهم برد او قيظ في رحلة صراعهم الدامية مع العدو الاسرائيلي, ولكن العقل يقتضي ان يكون هذا اللجوء دائما وليس انتقائيا. فقد ذهبت القيادة الفلسطينية الى اوسلو وقبلت به, ولكنها لم تذهب الى مؤتمر ميناهاوس في القاهرة في السبعينيات عندما تركت مقعدها فارغا, في ذلك الوقت كان يمكنها ان تحقق مكسبا سياسيا افضل مما حققته في اوسلو. وذلك مثال على ان قضية فلسطين تاجر بها الكثيرون دون صدقية او احترام للعقل العربي. وعندما يتحدث رئيس دولة للعالم ووسائل الاعلام ويعلن انه منذ الثامن من اغسطس سنة 1988 وحتى منتصف يناير 1991 لم تقتل اسرائيل عربيا لأنها (في مضمون كلام القائل) كانت خائفة من قوة العراق فهذه مصيبة, اما ان يصدقها البعض من هذه الامة فإن المصيبة ساعتها تتحول الى كارثة تشكل استخفافا بالعقل العربي ليس له مثال. مشكلة القضية الفلسطينية اننا تناولناها غالبا بالمزايدة من جهة وبالعاطفة من جهة اخرى, كما هيىء للقضية قادة ـ مع الأسف ـ تركوا قضيتهم الاصلية وتاهوا في بحار الخلافات العربية ـ العربية ذات القاع العميق. وان كان العرب يتميزون بردة الفعل العاطفية فإنه لا يجوز لقادة الرأي الذين يضطلعون بمسئولية تنوير الرأي العام, ان ينقادوا للعواطف التلقائية المتأججة لدى رجل الشارع العادي. فماذا يمكن ان تحققه قمة عربية عاجلة؟ من هم في سن تتيح لهم تذكر القمم العربية السابقة يستطيعون ان يستدعوا من ذاكراتهم بعض المواقف المتشنجة في مثل هذه الاجتماعات. ففي قمة عربية في الستينيات كانت قد دعيت للنظر في تحويل مياه نهر الاردن الذي قامت به اسرائيل صرح وقتها امين الحافظ, وكان رئيسا للجمهورية السورية, قائلا للعرب: (اعطوني اسبوعين فحسب وانا احرر لكم فلسطين, وليس فقط ان امنع اسرائيل من تحويل مياه نهر الاردن) . ذهب الحافظ... وتحولت المياه... وخسر العرب الكثير من بعد ذلك وقبله. ولكن هذا التصريح من امين الحافظ (الذي حفظه لنا التاريخ ولم يحتفظ بمن قاله) يذكرنا بموقف مزايد آخر هو للرئيس صدام حسين الذي قال: (اعطوني ارضا لصيقة بإسرائيل, وادعموني من بعيد. وأنا احرر لكم فلسطين) . اذا التزمنا المنهج العقلاني في قياس الامور واجراء الحسابات الدقيقة للمستجدات السياسية, فإننا ينبغي ان نتساءل عما يمكن توقعه اذا نحن اخذنا مثل هذا التصريحات (التلفزيونية) مأخذ الجد؟! لاشك انه سوف يتعين على العرب وضع خطة طويلة المدى لمواجهة الموقف المتفكك الذي يسود العمل العربي, والتشرذم الذي يعاني منه العرب جميعا. فليس هناك قاعدة متفق عليها تلزم العرب بخطة الحد الادنى. ففي حين تحتضن عواصم عربية سفارات ومكاتب لاسرائيل, وبينما هناك اتفاقات سلام موقعة بين دول عربية والدولة العبرية, لا تزال دول اخرى ترفع شعار ضرورة الحرب الشاملة ضد اسرائيل فمن اين يجيء توحيد الموقف اذن؟ ربما يروق للسلطة الفلسطينية ان يجتمع العرب لتعرض عليهم خططها ثم تطلب التفويض ثم تتصرف بما يروق لها متى ما حلا لها ذلك! لا أريد ان اكون متشائما... ولكني ارمي الى ان اكون واقعيا حتى يمكنني تلمس الطرق المعقولة التي يستطيع من خلالها القادة الفلسطينيون تحقيق بعض المكاسب للشعب الفلسطيني. لعل اهم ما يستطيع العرب ان يقدموه هو دعم معيشة ونضال الشعب نفسه, واسرع فأقول انني اقصد القوى الفاعلة لا الواجهات السياسية, لأن هذه الواجهات ثبت بالقطع انتشار الفساد في ارجائها, وأي دعم يوجه لها لاشك انه سيضيع في غياهب هذا الفساد. لذا لابد من التأكد من ان الدعم المبذول سوف يصل الى مستحقيه المأمولين وهم الجماهير الفلسطينية الذين يواجهون رصاص الجنود الاسرائيليين بصدور عارية. اما الدعم المعنوي فله عدد من الطرق اولها مقاطعة اسرائيل سياسيا, بمعنى سحب التمثيل الرسمي وتخفيضه واغلاق المكاتب المنتشرة من المحيط الى الخليج, والعودة الى المقاطعة الاقتصادية الكاملة. بعد ذلك لابد من حصر دائرة الصراع بين الفلسطينيين والاسرائيليين على الارض واستخدام سلاح الحجارة فقط في المواجهات. اما الخيارات الاخرى فهي قاتلة, ذلك ان اشتعال اي مناوشات عسكرية في هذا الظرف بين قوات الاحتلال الاسرائيلي وأي طرف عربي سواء من داخل حدود اسرائيل او من خارجه ستجدها اسرائيل فرصة سانحة سوف تغتنمها بكل تأكيد لصرف انظار العالم بعيدا عن جوهر المشكلة. فأسر مجموعة من الجنود الاسرائيليين في جنوب لبنان, مهما حسنت النيات, هو بمنزلة تقديم مساعدة غير مباشرة لاسرائيل, لأن ذلك سوف يعطيها ذريعة لاستخدام القوة العشوائية العسكرية الغاشمة, وليس هناك احد يستطيع انكار التفوق الاسرائيلي في موازين القوى, مما يجعل الانتصار النهائي في مصلحة اسرائيل وسوف يفقد الفلسطيني تعاطف العالم لأن الانظار سوف تتوجه الى مكان آخر او امكنة اخرى غير الساحة الفلسطينية. ان تعطش الفضائيات العربية تشغل الوقت الطويل المتاح للبث, هو الذي جعلها تتلهف على بث اخبار الانتفاضة الفلسطينية لتنقذ نفسها من الملل, فاتجهت الى المناقشة الموسعة لهذه القضية, حتى اخذ المتحدثون خاصة الفلسطينيين يتضاربون في تصريحاتهم وما زاد من فداحة الامر ان بعض الفضائيات ضاق بها الوضع فالتجأت الى السيدة سها عرفات تستفتيها في ابعاد الموقف السياسية. ومن تابع في الايام القليلة الاخيرة هذه الاصوات لا شك انه وجد هناك تباينا يصل الى حد التناقض في هذه التصريحات وهي ظاهرة غير صحية لبلد مأزوم وشعب يعاني ما يعانيه اليوم. من اجل ذلك وغيره فإن المرجو من الفريق الذي سوف يحضر للقمة العربية ان يفرق بين الاستجابة العاطفية التي سرعان ما تتبدد والاستجابة المنطقية المحققة للنتائج, والمنتجة للثمار, وربما يتعين على اعضاء هذا الفريق ان يذكر بعضهم بعضا بأن هذه القمة العربية تعقد ونحن على اعتاب القرن الواحد والعشرين, مما يلقي على عاتقهم هم وجميع المجتمعين مسئولية تاريخية في ظل الظروف العالمية المحيطة. ان ارغام اسرائيل على تقديم بعض التنازلات لا يمكن الا ان يأتي من داخل حدودها, أي من القوى الفلسطينية الشعبية في ارجاء اراضي فلسطين في حين ما يتحقق في الخارج لا يعدو ان يكون دعما ومساندة للشعب في الداخل, اما السعي الى تحرير فلسطين من الخارج او الادعاء بذلك, فقد علمنا التاريخ المؤلم للصراع مع اسرائيل ان مساحة اراضيها تتوسع به ومن خلاله... ولا تضيق!