الحديث عن الفعل النقدي في زمن التطور العلمي الذي يشهده العالم كحديثنا عن الفعل الابداعي لأنه لا ينطلق من اللاشيء وانما من مجموعة من الانفعالات والاحاسيس الوجدانية التي تترتب انطلاقا من قيم معينة والتي يسميها البعض بالاخلاق. وهي في صورتها الحقيقية تفاعلات تخضع لتجارب انسانية.. لكنها تختلف من مجتمع الى اخر بسبب تنوع المفاهيم. ومن هنا ينعكس الفعل النقدي ويتدرج البناء الاخلاقي من بيئة الى اخرى. وقد يظن البعض ان هذا نقيض العلم بسبب ضبابية الحقيقة التي ساعدت العلم على الخلط بين المذاهب الاعتقادية والكثير من الاخطاء. ومن هذا المنطلق عرف علم النقد الكثير من الاصناف النقدية بدءا بنقد مدرسة النساء الذي كان يمارس في الصالونات مرورا بنقد (دنيس دوسالو) في جريدة العلماء الى النقد الكلاسيكي الذي يعتمد على الذوق باعطاء اولوية للفعل والتقاليد. وقد ساعد التطور الاجتماعي والسياسي في تحريك نمطية الاسس الايديولوجية للنقد الادبي الذي لم يزدهر الا بعد اقصاء دور الاضطهاد المعنوي. وهذه النقلة مكنت النقد من كسر حواجز الطريقة الكلاسيكية المعمول بها غالبا في عملية النقد والتقدم من اكتشاف اعماق النفس. فالعملية تستوجب التعامل مع تفاصيل الابداع النقدي بطريقة مجردة من انواع المشاعر المؤثرة وهذا ما وقع فيه الناقد (سانت بوف) الذي فشل في خلق الشاعر او الروائي بداخله وتمكن من ان يكون ناقدا بارعا وقد عرف ان طريقة كتاباته هي السبب في ذلك. وتجربة الناقد (سانت بوف) في فن النقد جعلت النقاد يعتقدون بضرورة السماح للناقد بالتعبير عن نفسه تعبيرا كاملا ومنه اصبح النقد كأي لون ادبي اخر يحتاج الى ابداع وفن في التراكيب والاسلوب. وبالتالي ارى انه ليس من حق اي كان توظيف وجهة نظره للاستخفاف بناقد معين ما دام لم يخرج عن دائرة الفعل الابداعي في نقده وهنا قد تطرح اشكالية نقد النقد الامر الذي يسمح بفتح ابواب مختلفة للتضارب في الآراء خاصة اذا اعتقد البعض من اهل الادب والفكر ككل ان هدف النقد هو الايضاح اكثر من الحكم. فالبعض يرى انه يجب على الناقد التحول من طاقة ابداعية الى قوة تاريخية بعيدة عن المشاعر ومنه يبقى فن النقد كابداع علامة على سعة المعارف ودقتها مثلما فعل الناقد (بلاكيمور) الذي قرأ اثني عشر كتابا حتى يتمكن من شرح ونقد قصيدة واحدة لأحد الشعراء, فهذا الجهد الكبير لا يقوم به النقاد كلهم الا ان البعض منهم يراه حتمية لنظرية جمالية. ويبقى تطور فن النقد عبر العصور حتمية ابداعية تفرض نفسها على الناقد ومنه يبقى المثقف العربي في انتظار ممارسة ادبية تخلق نقدا واسع المعارف ومتجدد العطاء امام حياة ثقافية مزدهرة.