تخلخلت حكومة باراك, أصيبت بالذعر رغم تمسكها واتكائها على الدعم الأمريكي وترسانة أسلحتها التي طالما لوحت بها, يقول باراك اليوم بأعصاب مرتجة انه قادر على الحرب, ويهدد بها.. وأمام موقف عربي صلب يتقزم حاله مهما بلغت تلويحاته باستخدام القوة ومهما بلغ به التعنت. المحللون السياسيون يقولون انه خسر ورقته الرابحة التي خرج بها من كامب ديفيد حين بدا أمام الرأي العام الدولي كرسول يقدم تنازلات كثيرة من أجل السلام, كسب باراك ما افتقده رئيس السلطة الفلسطينية حينما بدا الأخير من وجهة النظر الدولية انه الواقف في طريق تحقيق تقدمات ملموسة باتجاه الحلول النهائية لقضية الشرق الأوسط التي أنهكت الساسة. واليوم تنعكس محصلات وجهات النظر تلك ويدفع الشارع الفلسطيني والعربي الرأي العالمي تجاه البؤرة الصحيحة. إسرائيل لا تعرف السلام, وثقافة جنودها مؤسسة على أفكار من نوع ان العربي وحش كلما لاح في مجال البندقية فلا بد من ضغط زنادها.. وان الحوار مع العربي لابد أن يتم أمام فوهاتها.. لهذا يعود باراك ليجد نفسه وأفكاره عارية على طبيعتها الأصل, يهدد ويلوح بالسلاح وبالقمع وبمزيد من الخراب. خسر باراك رهانه على الرأي العام الدولي الذي أظهره ملاكاً بابتسامة امرأة حسناء لانه في الأصل لا يمتلك ثقافة سلام بل ثقافة البارود المشتعل. في إسرائيل اليوم يسري قلق في دهاليزها من تصرفات حكومة باراك, ولو بقي العرب على صلابتهم فإن كسب أوراق مؤثرة في الشأن الإسرائيلي الداخلي يكون سهلاً.. لكن إلى أي مدى تستمر صلابة الموقف العربي؟ وإلى أي مدى يمكن لساسة العرب استغلاله واللعب به كورقة داعمة ومؤثرة وصولا إلى تعرية كاملة, وفضح كبير أمام الرأي العالمي لكل ما يعتمل في صدر المشروع الإسرائيلي وسلامه المؤسس على ألغام الخديعة؟ ساسة العرب ومفكروهم ولاعبوهم مطالبون في هذه المرحلة بالذات بأداء يعتمد على فلسفة لا تقبل الاحتمالات, صارمة, صادقة مع معطياتها, واضحة تجاه شعوبها وتجاه شعوب العالم لتبقى ورقتها الرابحة التي تحصلت عليها من دماء الشهداء ومما جد من أحداث وكشف للحقائق لتواجه بها كل الادعاءات والافتراءات التي تماطل حولها إسرائيل. إن معطيات ما يحدث على أرض الواقع بعد سنوات طويلة من الصراع والمراوغات والانتكاسات والوقوع أكثر من مرة في شراك خداعة لا يمكن لساسة العرب تجاهلها واعتبارها أزمة وتوترا عابرين, انها خلاصة جبرية. فهذه المعطيات التي أثبتت سنوات الصراع جدواها في التأثير قادرة في يومنا هذا وهي مدفوعة بإرادة عربية شعبية صارمة وتأييد دولي شبه كامل أن تحول مسار الصراع ليأخذ شكله الطبيعي ويؤدي لنتائجه الطبيعية بعيدا عن الخضوع لمناورات سياسية طالما توهنا سعينا المجاني خلفها وأضعفنا وأظهرنا في أسوأ حالاتنا.. هل نكسب ما تهيأ لنا من عطاء ونكون أكثر وضوحا في مواقفنا تجاه عدونا وتجاه أنفسنا؟