الشاعر الانجليزي القديم وليم ورذورث كان حكيما بقدر ما كان موهوبا وهو يعد مع زميله صمويل تايلور كولردج رائدي مدرسة الشعر الرومانسي في أدب الانجليز ربما حتى أيامنا هذه بعد أن أصدر الصديقان, في عام 1799 ديوانهما المشترك الشهير بعنوان (قصائد غنائية) وكان الديوان هو الدليل الذي شق الطريق أمام مواهب باهرة شقت طريقها فيما بعد إلى ابداع الانجليز بل وإلى الوجدان الشعري العالمي.. كما هو الحال في أشعار شيلي وكيتس ولورد بايرون الذين جاءوا إلى الدنيا ورحلوا عنها في نحو جيل فقط من عمر البشر (الثلث الأول من القرن التاسع عشر) إذ كانوا كرومانسيين شغوفين ـ كما علمهم ورذورث بالطبيعة نسائمها وعواصفها, وديانها وشواهقها, بحارها التي تشق شعاب البسيطة, وتهويماتها المفعمة ابدا بالأسرار تتصاعد غامضة إلى ذرى السماء.. ولانهم كانوا شغوفين بالزهور فربما مضوا في معظمهم في عمر هذه الزهور يصدق عليهم ـ ما يصدق على عبقريات ومواهب معاصرة في ثقافتنا رحل أصحابها مبكرا منها, مثلا الشاعر الرومانسي المصري عبدالمعطي (الهمشري) والشاعر التونسي (أبو القاسم الشابي) دع عنك المبدع الموسيقي الأشهر سيد درويش. إلى الذاكرة الراهنة عاد ورذورث بالامس القريب.. وظلت تتردد في الوجدان كلمات بيته الذي افتتح به إحدى قصائده الشهيرة, وترجمة البيت تقول في تكثيف شديد: .. ان الطفل هو أبو الرجل أو .. الطفل والد الإنسان وكان الشاعر الانجليزي يقصد بهذا ان سنوات العمر القليلة للطفل لم تبعد به بعد عن حكمة الخلق التي أبدعته وفطرته وأنشأته بشرا سويا.. ما زال الطفل أقرب إلى مستودع الأسرار العليا التي جاء منها .. وما زالت نفسه نقية وروحه شفافة قدر نقاء الطبيعة الأم وقدر شفافيتها.. وهو بهذا المعنى بهذا القرب الموصول من فطرة الطبيعة, أوفر حكمة في رأي الشاعر الرومانسي لانه أنقى فطرة. وكأن الشاعر تابع المشهد الملحمي الذي عاشته أرضنا العربية في فلسطين المجاهدة الجريحة.. ظلت مواكب الشهداء تترى وتخفق لايقاعها أفئدة العرب والمسلمين.. وحين انضم إلى هذه المواكب النبيلة الطفل (محمد) استحال الوجيب غضبا ودما ودموعا واشتعالا لإرادة الرفض وهديرا ما زال ايقاعه مكتوما يهدد بانفجار لا يعلم إلا الله سبحانه .. ميقاته ومداه.. ثمة طفل آخر, لا تزال ذكراه تعيش في الوجدان.. طفل افريقي هذه المرة .. روى حكايته في طاقة زهر من الشعر الجميل شاعر سوداني هو الصديق جيلي عبدالرحمن عليه رحمة الله.. وكان بدوره من مبدعي مدرسة الشعر الجديد او الحديث كما كانوا يصفون شعر التفعيلة الذي خرج به روّاده ـ نازك الملائكة والسياب وعبدالصبور وغيرهم من الاطر المذهبة للشعر العمودي إلى آفاق ارحب وآماد أوسع من التحليق والسبك والحميمية ان شئت التعبير. جيلي عبدالرحمن انفعل بكفاح شعب افريقي كان يناضل بدوره من اجل تحرير ارضه من نير الاستعمار الانجليزي هو شعب كينيا الذي كان زعيمه (جومو كينياتا) مسجونا وقتها آخر عقد الخمسينيات في محابس انجلترا ومازالت ذاكرتنا التي تزاحمت عليها الشئون والشجون تستحضر القضية التي تقف عند لحظة ان سقط الاب والأم شهيدين في هضاب كينيا برصاص اثنين من جنود الاحتلال والقهر والغضب.. اغتالا الاسرة في الدغل الافريقي وبقي من اعضائها الطفل وحيداً في غابة كينيا وفي غابة الحياة, تقول الابيات: ـ كينياتا .. اوه كينياتا في الشفق الأحمر قد ماتا فاحتضن الجبل شهيدين وحيدين ما ارتديا غير قميصين.. ولم ينتعلا والشعر تجعَّد, كان الشيب قد اشتعلا نطقا الاسم, فلم تنصت غير الاصداء جنديان قد انحدرا صوب السهل النائي حطّ على ظلّهما فوج من طير الغاب يبكي, يصرخ في الاغراب قتلا, قتلا: شربا دمعا حتى ثملا جاءا في ارض السود ليقاتا عظمْا والريح تغمغم: قد ماتا **** لم تختفيا يا ظل العار فالغابة سوف ترش النار وسوف تدق الطبلا والطفل تسلل, ثم التقط النصلا قبل ابويه, وغطى بالاشجار وجهيْن و.. هام على حزن الاصرار وتمدد دمع بين حنايا القلب فالتمع الخنجر فوق الجيب مد العينين الى الصمت الباكي في الآفاق عاد الطير المنكسر الاعناق يبكي.. في مرثية مهترئة يا احزان الغاب الصدئة من أي جحيم طوفت الليلة في عيْن الطفل؟ *** ظل الحزن يدق الليلة حتى الفجر مد النظرة مثل المحموم فالتمع الخنجر فوق اليد مثل الدمع الاسود, مثل الحقد