واشنطن تصر على تقديم رئيس يوغسلافيا الساقط لتوه الى محاكمة دولية ليواجه اتهامات بارتكاب جرائم حرب. هذا عظيم. ولكن ماذا عن ايهود باراك؟ وماذا عن اسلافه الاحياء منهم والاموات: بنيامين نتانياهو وشمعون بيريز واسحق رابين واسحق شامير ومناحيم بيجن؟ لماذا الاصرار على سلوبودان ميلوسيفيتش وغض الطرف عن مرتكبي جريمة القتل العشوائي, وسط المدنيين الفلسطينيين العزل الا من حجر, بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط وقذائف الدبابات وصواريخ المروحيات سواء الآن في عهد باراك او بالأمس القريب في عهد نتانياهو.. وجريمة قصف مئات الاطفال والنساء في قرية (قانا) اللبنانية بقنابل الطائرات.. وجريمة (تكسير العظام) في انتفاضة الثمانينيات الفلسطينية.. وجريمة (قانا) الاربعينيات اي مذبحة دير ياسين. .. والقائمة طويلة.. ووقائعها موثقة في ارشيف وزارة الخارجية الامريكية. ولكن مع استمرار البنادق الآلية والدبابات والمروحيات الآن في حصد ارواح المدنيين الفلسطينيين فإن انشغال بيل كلينتون ومادلين أولبرايت بملاحقة سلوبودان ميلوسيفيتش لا يعدله الا انشغالهما بمعركة على صعيد مجلس الامن الدولي تناضل فيها الولايات المتحدة نضالا شرسا من اجل انقاذ اسرائيل في اي مشروع ادانة دولي. لكن لنتساءل اولا: لماذا هذا الاصرار الامريكي على تجريم ميلوسيفيتش اليوغسلافي؟ ان ميلوسيفيتش مجرم تاريخي حقا. هذه حقيقة ثابتة. لقد حشد هذا الزعيم الدموي كل قوى التعصب الصربي المسيحي لشن حملات تقتيل جماعي واسعة النطاق بدوافع عنصرية ودينية ضد الاقلية المسلمة في البوسنة وكرواتيا.. الاقليمين التابعين ليوغسلافيا الاتحادية سابقا. ومن المستحيل ان يعيد مسلم في اي مكان من المعمورة الى ذهنه صور القتل الوحشي والمذابح الجماعية والتمثيل بالجثث التي ارتكبتها قطعان الصرب ضد المسلمين البوسنيين والكرواتيين ومن بعدهم المسلمين من ألبان اقليم كوسوفو دون ان يعتمل في قلبه احساسان: احساس بالقشعريرة والتقزز واحساس آخر بحب الثأر. وهنا يتحمل ميلوسيفيتش كزعيم شرير للصرب المسئولية القيادية في تدبير المذابح والامر بتنفيذها. لكن ليس هذا هو السبب الذي من اجله تريد الولايات المتحدة معاقبة هذا المجرم الصربي التاريخي بتقديمه الى محكمة دولية لجرائم الحرب. اولا سكتت واشنطن لمدى ست سنوات وهي تتفرج على مسلسل المذابح في البوسنة وكرواتيا ومن بعدهما كوسوفو قبل ان تتدخل بصورة فاعلة ضد نظام ميلوسيفيتش وكأنما ارادت بهذا السكوت الاجرامي ان توفر لعصابة ميلوسيفيتش الصربية اطول مساحة زمنية ممكنة لتمكينها من مواصلة قتل المسلمين بالجملة الى اقصى حد. والآن, وبينما تملأ واشنطن الدنيا ضجيجا مطالبة بتجريم ميلوسيفيتش فإن الدافع ليس الثأر للمسلمين وانما هناك شيء آخر لا يعلن الا عرضا.. وكعنوان ثانوي: نظام ميلوسيفيتش يبقى النظام الوحيد على قيد الحياة كنظام شيوعي بعد انهيار المعسكر الاشتراكي. هناك اذن صورتان لميلوسيفيتش: ميلوسيفيتش العنصري المسيحي الارثوذكسي المتعطش دوما الى سفك دماء المسلمين.. وميلوسيفيتش الاشتراكي الشيوعي المعادي للرأسمالية. واشنطن ليست معنية بالصورة الاولى في حملتها لمعاقبة ميلوسيفيتش كمجرم حرب.. فهذه ايضا هي صورة ايهود باراك واسلافه من القادة الاسرائيليين. يهود اسرائيل هم صرب يوغسلافيا.