في الذكرى السابعة والعشرين لحرب تشرين تدق قلوبنا وذاكرتنا قبضة دامية, مشبع وقعها بصرخات الاستغاثة ونداء المقدسات التي تتصاعد من انتفاضة الاقصى المبارك. وحرب تشرين من أجل تحرير الارض والمقدسات وارادة الامة في وطن العرب كله من الاحتلال الصهيوني والسيطرة الامريكية. حرب دخلها الرئيس الراحل حافظ الاسد بوصفها حرب تحرير, بكل ما يعنيه الفهم القومي الاصيل لمعاني التحرير وابعاده, ودخلها شريكه الرئيس السادات من اجل تحريك القوات الى الشاطىء الآخر من قناة السويس ليتم فتح القناة وتحريك مسار من مسارات قضية فلسطين وما نشأ عنها, باتجاه الخيمة (101) ثم كامب ديفيد. وقد تمت الحرب في مناخ ايجابي من التضامن العربي استمر ستة اشهر, حققت خلالها الامة ما لم تحققه في عقود من الزمن على الصعيدين العربي والدولي, وفي المؤسسات الدولية بشأن القضية المركزية لنضالها في القرن العشرين. كانت حرب تشرين 1973 من وجهة نظرنا, من أجل فلسطين وليس من اجل الجولان, فالجولان احتل على طريق فلسطين وليس العكس, والقنيطرة ليست اهم من حيفا ويافا والقدس. ونجد انفسنا اليوم في الذكرى السابعة والعشرين لحرب تشرين المجيدة, التي اعادت للمقاتل العربي ثقته بنفسه وللأمة شعورا بالكرامة فقدته في يونيو 1967, نجد انفسنا امام قضية فلسطين بكل ثقلها وابعادها ومسئولياتها التاريخية واسئلتها التي تقض المضاجع. نجد انفسنا امام فلسطين: القدس, والقدس, والشعب الاعزل, وارادة الحياة, والرغبة العارمة في المقاومة والجهاد, في مواجهة مع الوحشية الصهيونية المدججة بالسلاح, وسلطة التفريط, والغيبوبة العربية, وانتشار ادوات الصهينة والامركة وسماسرتهما في ارجاء الوطن حيث يعمل كل ذلك على اسدال آخر ستار على القضية والحق, وسحب بساط من اليأس والبؤس تعقد فوقه موائد التفاوض على جثث الشهداء واشلاء الشعب الممزق في مدى الانتهاكات الفظيعة للقدس والحق وكرامة الامة العربية. واذا ما كان يدمي نفوسنا ان يستقبل بعض العرب تشرين, العائد هذا العام بجبهة مرفوعة تزينها راية انتصار المقاومة على العدو الصهيوني في جنوب لبنان, بتهكم ساخر من فكرة الحرب وممن يتساءل عن كيفية الدفاع عن شعب اعزل فرضت عليه الحرب, ويحاول ان يدلق القار على نور الارادة والحرية والمقاومة في الامة ليدفن ذلك في دمن الهيمنة الامريكية على قرارات الساسة واراداتهم, فإن مما يشعل مصابيح الامل في تلك النفوس وقوف الشعب الفلسطيني بوجه آلة الحرب الصهيوني غير هياب يواجه الظلم والقهر والعنصرية بالحجر والصدر العاري والايمان الذي لا يتزعزع بحق الامة وقدرتها على الصمود. وعلينا ان نقرأ معنى امتداد انتفاضة الاقصى المبارك الى الارض المحتلة عام 1948 قراءة لا تغفل حقيقة ان الاحتلال الصهيوني بعد اكثر من خمسين عاما على الممارسات الوحشية ضد عرب فلسطين وبعد فرض مناهج تربوية وتعليمية معينة, لم يستطع ان يلغي الانتماء لفلسطين والعروبة والاسلام, ولم يستطع ان يخفف من فورة الدم الفلسطيني عندما تنتهك المقدسات والبراءة وتزهق الارواح بدم بارد وايد شريرة. لقد هب الناس في فلسطين من الناصرة وأم الفحم الى رفح وخان يونس لمواجهة قوة الاحتلال, وتحرك الشارع العربي غاضبا متضامنا داعيا الدول العربية لاتخاذ خطوات عملية لحماية الشعب الفلسطيني من حملة الابادة ولحماية القدس من التدنيس بالتهويد وهذا يؤكد للعرب الذين اعطوا ظهرهم للقومية العربية ولقضية فلسطين, وللغربيين الذين قالوا في مطلع التسعينيات من القرن العشرين: (وداعا للقومية العربية وداعا للأمة العربية) يؤكد لهم ان الامة لم تمت, وان المسئولية القومية عن فلسطين لم تنته, وان صوت معظم الانظمة العربية لا يعبر عن وجدان الشعب واختيارات ابناء الامة. انه من المؤسف الا يجد الوجدان الشعبي العام صداه لا في الخطاب السياسي العربي ولا في القرارات السياسية, وان يطرح علينا سؤال استنكاري ساخر من احد الرؤساء العرب, (هل تريدون الحرب) ؟! في الوقت الذي يسقط فيه عشرات الشهداء ومئات الجرحى ويذبح شعبنا في فلسطين في عملية حربية يخوضها جنود الاحتلال بالطائرة والصاروخ والدبابة والرشاش في مقابل الحجر واللحم الحي, حرب مفروضة علينا لا نطالب في اثنائها الا البحث عن سبل الدفاع عن النفس.. فلا نجد الا السخرية من دمنا المستباح وارواحنا المزهقة. ان الشعوب تلجأ الى دولها وجيوشها للدفاع عنها في المحن وضد العدوان حتى لو كانت القوى غير متوازنة, فليس بعد الموت والقتال والتدمير لبنى الحياة مجال للتفكير بالرد الحكيم وحكمة القرار.. وفي اثناء تطبيق سياسة الابادة العنصرية ضد شعب لا يبقى مجال امام المنتمين الى الشعب او العدل او المؤسسة الانسانية وقيمها خيارات من بينها عدم الدفاع عن النفس حماية (للسلام) ومسارات الاستسلام, وكسبا لرضا (رعاة البقر.. رعاة السلام) الذين يسوطون العالم بسياط صهيونية ويضللون الرأي العام ويشوهون الحقائق, كما فعل الرئيس كلينتون مثلا الذي قال, وهو يبدي تعاطفه مع الطفل الشهيد محمد رامي الدرة ووالده (انه وقع ضحية لتبادل النيران) اذ لم يكن هناك تبادل للنيران في الايام الحزينة التي مرت على الشعب الفلسطيني, فهناك نيران العنصرية الصهيونية التي يوجهها جيش الاحتلال ضد شعب اعزل واطفال يواجهون الرصاص بالحجارة. ولم يكن محمد رامي الدرة ووالده يمسكان حتى حجرا عندما انهال عليهما رصاص جنود الاحتلال, لقد كانا في ظل جدار يحتميان ببرميل والطفل يحتمي بلحم ابيه, وهما جاثيان على الارض يلوح الوالد بيده طالبا الامن والسلام والحياة لطفله قبل نفسه ثم انهال عليهما الرصاص. فكيف يرى الرئيس كلينتون الامور, وكيف يريد ان يسوقها في خدمة الحركة الصهيونية و(اسرائيل) وحملة حزبه الانتخابية, وفي سبيل انجاح هيلاري بدعم صهيوني. ان قلب الحقائق مؤلم, والمؤلم اكثر منه هو الاستجابة لقلب الحقائق ذاك والتعامل مع التضليل او المشاركة فيه. وفي هذا السياق تأتي الدعوة الى عقد لقاء باريس وشرم الشيخ بين عرفات وباراك برعاية امريكية ـ صهيونية, فمادلين أولبرايت لا تقل صهيونية عن باراك, ولا تقل خدمة (لاسرائيل) عن مارتن انديك الذي افتضح امره وما زال قيد التحقيق, ولا عن جونافان بولارد. ان اللقاء مدخل لتسويغ نسيان الدم الذي اريق في الايام الماضية, ولاجهاض انتفاضة الاقصى, ولتقديم دليل ـ يقال انه موجه للطرفين والحقيقة غير ذلك ـ على ان الاجدى هو استئناف المفاوضات في ظل تنازل جديد يقدمه عرفات تحت ذريعة ان ليس امامه الا القبول بما يعرض عليه. اذ ليس بإمكانه ان يواجه آلة الحرب (الاسرائىلية) في ظل اوضاع عربية ودولية معروفة. ان تشرين المجرح يقودنا الى فلسطين المثخنة بالجراح, ولذلك نركز على ما جرى ويجري في فلسطين وفي ايام انتفاضة الاقصى وما اعقبها من احداث. كنا نتمنى ألا يذهب الرئيس عرفات الى باريس او الى شرم الشيخ.. ولكنه ذهب ووصل الى ما وصل اليه, وأكاد لا اشك للحظة في انه كان يتمنى ما حصل ويتطلع اليه ليقدم آخر ما في جعبته من تنازل ويأخذ (عرشا) بائسا في غزة على حساب القدس واللاجئين وعودة الحق وحق العودة ودماء الاطفال.. ذلك لان اوسلو معروفة النهايات منذ البداية, والفتح الذي وضع نفسه والشعب الفلسطيني فيه معروف النتائج اليوم وغدا ففي ظل تفلت عربي من القضية وبعدها القومي تفلت هو شريك فيه وصانع له تحت شعار (القرار الفلسطيني المستقل) و(الممثل الشرعي والوحيد) الذي يجوز له ان يصنع اوسلو بكل ثقل بؤسها وكارثيتها. وفي ظل (دولة) منتظرة بلا جيش ولا حدود موصولة مع عمق جغرافي واستراتيجي عربي, وبلا سيادة , وبلا قامة. ما الذي يستطيع ان يفعله عرفات سوى تقديم التنازل تلو التنازل اليوم وغدا وبعد غد والى ابد الآبدين؟! ان انتفاضة الاقصى المبارك, وبطولة الشعب الفلسطيني الذي هب من رماده عملاقا لا يستحقان مثل هذه النهاية.. كما انهما لا يستحقان مثل هذا التفاعل الباهت من الانظمة العربية, ولا هذا الموقف البائس من مجلس الامن الدولي الذي عطلت فيه ادارة كلينتون صدور بيان تذكر فيه كلمة ضد (اسرائيل) بل تذكر فيه (اسرائيل) مجرد ذكر بوصفها دولة مارست العنف ضد الشعب الفلسطيني؟! وكأن الذي قتل الفلسطينيين في الاقصى وغزة ونابلس وام الفحم وسخنين هو جيش من الاشباح بلا هوية؟! ان هذا الوضع الجديد المستجد الذي سيتجدد, اعني وضع المواجهة غير المتكافئة يستدعي اختيارات جذرية, لأنه في الاحوال كلها محاط بسياج من الدم والقهر والموت.. واذا كان ذلك ما لابد منه فليكن مع الكرامة والخيارات المبدئية والتوجهات القومية الواضحة التي تدرك انها تواجه عدوا مستمر العداوة في كل الظروف والاوقات, وانه لا يمكن ان يقوم سلام او تعايش معه لعنصريته ولخطورة مشروعه الاستيطاني وانه رأس حربة الاستعمار الجديد لوطن يرفض الاستعمار ويريد ان يقاومه من هذا المنطلق نجد ان اللحظة ملائمة لا للاجتماع في شرم الشيخ او في باريس مع باراك الصهيوني برعاية الصهيونية أولبرايت بل لاستعادة وحدة الشعب العربي الفلسطيني كله تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية صاحبة الميثاق الوطني الفلسطيني قبل التعديل الذي تم شكليا بمباركة كلينتون وحضوره واستعادة اختيار المقاومة ضد الاحتلال, واعلان الدولة على ارض محررة استكمالا لخطوات تمت في الجزائر عام 1987 واسقاطا لأوسلو وما تمثله, ولطالبيه للعرب الذي وقعوا اتفاقيات باسقاط تلك الاتفاقيات وتحمل مسئوليتهم التاريخية حيال قضية فلسطين بوصفها قضية قومية وترك شعارات (الممثل الشرعي الوحيد) و(القرار المستقل) و(يا وحدنا) تسقط في بحر غزة الذي لن يشربه اليهود بناء على طلب عرفات, لأنه كلما قال لهم ذلك اسقوه منه فتنازل اكثر وبعث فينا المرارة اشد. ان اعادة القضية الفلسطينية الى حيزها القومي ومسئوليتها القومية مسئولية فلسطينية اولا وعربية ثانيا وهناك مسئولية رسمية شعبية, وشعبية رسمية في آن معا, اعني اسقاط اتفاقيات الاذعان التي جرت على امتنا الذل وكل هذه الويلات ولم تفدنا شيئا بمقدار ما افادت العدو وخدمته. واغلاق سفارات (اسرائيل) في الاقطار العربية التي (لاسرائيل) فيها سفارات وكذلك المكاتب التجارية والممثليات الاخرى, وانهاء كل شكل من اشكال التطبيع, وتفعيل المقاطعة العربية (لاسرائيل) في حدودها القصوى, وجعل الصراع يأخذ ابعاده الحقيقية بوصفة صراع وجود وليس نزاعا على حدود ويبقى مفتوحا امام الاجيال وعلى مدى: (حق ساطع وشعب واسع) كما قال الرئيس الراحل حافظ الاسد, واعداد الشعب والوطن في بلاد العرب للمواجهة وتحمل اعباء التحرير لأن (ما اخذ بالقوة لا يستعاد بغير القوة) كما قال الرئيس الراحل جمال عبدالناصر. هل هذا كثير على امة العرب؟ وهل التذكير به غير ملائم لا سيما في ايام ذكرى تشرين وانتفاضة الاقصى المبارك؟! لا.. بل هذه هي الايام الملائمة والمباركة لطرح القضايا الرئيسة في وضوح تام وموقف واضح وكلمة صريحة. وعلى غير القادرين على فعل شيء, ألا ينصحونا باليأس والبؤس والموت, وألا يسخروا منا اذا طالبنا ان ندافع عن انفسنا وحقوقنا واطفالنا ومقدساتنا, صحيح انهم يرون ما لا نرى من مواقعهم الآنية. ولكنه صحيح ايضا اننا نرى ما لا يرون من مواقعنا المتمسكة بالمبدئيات القومية وقراءة الحاضر في ضوء معطيات قراءة تاريخ الامم والشعوب ونضالها من اجل الحق والارض والعدل والحرية نضالا تكلل بالنصر. واذا اراد الساخرون من احلامنا وآمالنا وتطلعاتنا ان يجاملونا بشيء, وان يواسوا جراحنا بكلمة بمناسبة تشرين العائد براية المقاومات وانتفاضة الاقصى المباركة وزحف الدم فليتجملوا بقول الشاعر: لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعف النطق ان لم تسعف الحال رئيس اتحاد الكتاب العرب