(ليس في الموت ما يخيفني, أظن انني قربت من الوقت الذي يمكن أن أفكر فيه, ولا أظن ان الفكرة تفزعني, لقد كتبت ظرفا مقفولا مع زوجتي, وفيه نعيي, وراسم فيه جنازتي, هذا لا يخيفني, ان ما فعلته في حياتي يجعلني أنظر ورائي في غير غضب, بل أشعر بالرضا. وأقول: انني نسبيا عملت الكثير في حياتي, بقدر ما استطعت جريت, وبقدر ما جريت نجحت, وربما لم أنجح, لكن في النهاية الحمد لله. أنا راض, وربما يثير الاستغراب إذا ما قلت ان في مزرعتي مكانا لمقبرتي, وهي مقبرة بسيطة, لكن حولها ورد كثير) (1). إن هيكل الذي يتميز بحساب كل شيء لم يتردد ـ عندما وجد نفسه يتجاوز السبعين من عمره ـ في أن يكتب كلمات نعيه المختصرة, وصورة مقبرته, وموقعها, ونوع الزهور التي تحيط بها, وقد اختار أن يكون بيته الريفي في (برقاش) هو المكان الذي يطل منه على الدنيا من العالم الآخر, وربما كان لذلك ما يبرره, فهذا المكان الذي يسمى عادة (العزبة) هو أكثر الأماكن التي يستريح فيها ـ ولها ـ هيكل. وقد رفض أن يحوله ـ بما فيه من أرض خصبة وأشجار مثمرة وزهور نادرة ـ إلى مشروع استثماري من أي نوع, واكتفى بأن يكون هذا المكان لمتعته الشخصية, وفيه يلعب البنج بونج مع أولاده, وفيه كرسي على الطراز الفرعوني أهداه له كمال الملاخ وصنعه أحفاد توت عنخ أمون الذين صنعوا له منذ آلاف السنين تحفه التي تصيب العالم بالذهول, وفيه سلالات متميزة من الكلاب. وعزبة (برقاش) حوالي 25 فدانا. وهي في مكان كان يسمى (نكلة) ويقع على بعد دقائق بالسيارة من المنصورية القريبة من القاهرة, والمجاورة للأهرام الفرعونية, وفيها فيلات وقصور الأثرياء في مصر, وعند حدود الجار يقع البيت الريفي لواحد من أقدم أصدقاء هيكل هو رجل الأعمال الوفدي الشهير أمين فخري عبدالنور, وتعود علاقتهما لأيام الشباب الأولى, عندما كانت أسرة (فخري عبدالنور) تسكن في العباسية وكان هيكل يأتي من بيته في شارع الجيش (أو شارع فاروق فيما قبل) لزيارته, وكان من أصدقاء تلك الأيام أيضا محمد ياسين صاحب مصنع الزجاج (ياسين) , والذي تولى ابنه فيما بعد إدارة المشروعات التجارية في مؤسسة (الأهرام) , ومن أصدقاء تلك الأيام أيضا محمود محرم حماد, وأحمد صدقي شيرين, ويقول لي أمين فخري عبدالنور: انه وشقيقه سعد فخري عبدالنور ـ محامي أسرة تقلا ـ اشتركا في مفاوضات تولي هيكل رئاسة تحرير (الأهرام) . حكاية العزبة لقد اشترى هيكل عزبة برقاش من محامي عائلة تقلا, وتسببت الصفقة في فتح نيران الهجوم على هيكل, لقد اتهمته مجلة (المصور) بأنه اشتراها من (رجل كان تحت الحراسة مستغلا فيها سلطته) . وطيرت الاتهام وكالة الأنباء الفرنسية, ولم يتردد هيكل في رفع الأمر إلى القضاء, لقد تعود ألا يرد على محاولات تشويهه, لكن هذه المرة يتعلق الأمر بذمته المالية, وأمام المحكمة اعتذرت وكالة الأنباء الفرنسية وسجلت اعتذارها في المحكمة فأخرجها هيكل من القضية عملا بقاعدة ناقل الكفر ليس بكافر. كانت (المصور) قد قالت: انه اشترى قطعة أرض من أجنبي تحت الحراسة, ويقول هيكل: (أنا اشتريت قطعة الأرض على دفعتين, الجزء الأول اشتريته من عضو في مجلس إدارة (الأهرام) وهو الذي عرضها علي, وحصل انني أخذت مكافأتي من (أخبار اليوم) وذهبت لأشتري أسهما أضعها في شركة ايسترن للدخان (الشركة الشرقية) وكان هو مساهما حينذاك فيها, فقال لي: لماذا الأسهم وليس قطعة أرض؟ أنا عندي قطعة أرض أخذتها بدل أتعاب, أبيعها لك, وكان هو قد أهمل هذه الأرض بعد وفاة زوجته, لما رأيت الأرض تحمست لها, وكان ذلك في عام 1956. لم تكن هناك حراسات اطلاقا, ثم انني اشتريت الأرض بسعر أعلى من المعروض لانه سمح لي بالتقسيط, وكل هذه الأمور اطلعت المحكمة عليها واطلعتها على كل الايصالات المالية, بما فيها فاتورة بثلاثين قرشا. الجزء الثاني من الأرض اشتريته من ناس مصريين ليسوا أجانب ولم يكونوا تحت الحراسة, إنهم ورثة عزمي باشا الذي كان جاري وعنده قطعة أرض قرب منزلي من ضمن أرضه فاشتريت منهم قطعة الأرض بسعر أعلى من السعر المطلوب وهؤلاء قدموا شهادتهم. طيب, يقولون من أين أتى بالمال؟ في المحكمة أنا وضعت كل اقرار ذمتي المالية, الأرض الأولى كانت بعشرة آلاف جنيه دفعتها على ثلاث سنوات, وقبلي كان كذا واحد يريدون شراءها منهم الدكتور جمال العطيفي, وآخر سعر وصلت إليه الأرض كان ثمانية آلاف جنيه, وبسبب التقسيط دفعت عشرة آلاف جنيه. كانت مكافأتي من (أخبار اليوم) سبعة آلاف جنيه ولاني أعرف حساسية المسائل المالية طلبت أن تكون المكافأة في (شيكين) . الشيك الأول بخمسة آلاف جنيه أخذته وعلى ظهره حولته لصاحب الأرض وقبض المبلغ على شيك صادر باسمي من (أخبار اليوم) . القسط الثاني حولت له أسهما في شركة (الخزف والصيني) وكانت بثمن ألفي جنيه وأرسل لي الايصال من عند سمسار البورصة, الجزء الثالث بعت أسهمي في شركة (شاهر) وكانت لأقرباء لي, بعتها في البورصة بألفي جنيه, والألف الأخيرة كان من السهل أن أدبرها. (قطعة الأرض الثانية كان ثمنها 23 ألف جنيه اشتريتها بعد كتابي (عبدالناصر والعالم) وقبل أن اشتريها كان تحول لي من فلوس الكتاب خمسون ألف جنيه استرليني, والبنك الأهلي موجود, لو سألني أحد عن حالتي أقول الحمد لله, كويسة قوي, إن أول كتاب صدر بعد أن تركت (الأهرام) طبع بحوالي 26 لغة. لما يطلع لأي كاتب في العالم كتاب بكل هذه اللغات ويأخذ من كل كتاب عدة قروش يطلع له في النهاية مبلغ, لذلك أنا مستعد أن أسكت عن كل الكلام الذي يقال من ناحية الحياة السياسية, لكن الذمة المالية.. لا. لا أتردد في الذهاب إلى المحكمة, وبسرعة) (3). تشهير وتشكيك على ان القضية لم تكن بالنسبة لخصوم هيكل قضية ذمة مالية ولكنها كانت قضية تشهير بالدرجة الأولى, وكان الهدف من التشهير هو ما يوصف بالاغتيال المعنوي والسياسي للشخصية, لفقدان المصداقية, والتشكيك في تجربة جمال عبدالناصر الوطنية التي ظل هيكل يدافع عنها بعد رحيل صاحبها, وكأن الرصاص الذي يطلق على هيكل كان الهدف منه هو قتل جمال عبدالناصر, مع ان جمال عبدالناصر عاش متواضعا ومات مستورا, ولم يكن يعرف كيف يستمتع بالحياة, ولم يكن يتصور ان في العالم طعاما يزيد عن الأرز والخضار, وكانت كل متعته في الحياة هي التصوير الفوتوغرافي, بل أكثر من ذلك كان وهو رئيس دولة لا يعترف في بعض الأحيان بالبروتوكول إذا ما تعارض مع طبيعته. يروي هيكل: ان جمال عبدالناصر كان في زيارة لليونان بدعوة من الملك (بول) . وعند السلم, على مدخل قاعة العشاء التقى جمال عبدالناصر مع الملك (بول) . كانت السيدة قرينته, السيدة تحية كاظم تصحبه في الزيارة, وكانت معها الملكة (فردريكا) قرينة الملك (بول) . كان الأربعة يستعدون لدخول قاعة العشاء الكبرى التي امتلأت بالمدعوين. ينتظرون دخول الرئيس المصري وقرينته وملك اليونان وملكتهم. وتولت الملكة (فردريكا) تنظيم خطى الدخول إلى القاعة. المنظر أمامي كأنه نابض بالحياة, الملكة (فردريكا) تقول لجمال عبدالناصر: (انني سوف أضع يدي في ذراعك وندخل معا, ثم تضع قرينتك يدها على ذراع الملك ويدخلان معا) .. وسألها جمال عبدالناصر ببساطة: (لماذا؟) وقالت الملكة ضاحكة: (لان هذا هو البروتوكول يا سيدي الرئيس) . وضحك جمال عبدالناصر وقال لها: (من سوء حظي انني لا أعرف إلا بروتوكول الصعيد في مصر, ادخل مع الملك, وأنت تدخلين مع زوجتي) . ولم ينتظر جمال عبدالناصر, مد يده إلى الملك (بول) يدعوه إلى الدخول معه, وترك الملكة مع قرينته تدخلان وراءهما, وضاع بروتوكول أوروبا, وفرض بروتوكول الصعيد نفسه) . لم يكن من السهل الطعن في الحياة الشخصية لجمال عبدالناصر واتجهت الطعنات والطلقات لحياته السياسية, أما الطلقات والطعنات الشخصية فقد اتجهت لبعض أولاده, واتجهت لهيكل أيضا. إن عمر التلمساني المرشد العام للإخوان المسلمين ـ بعد وفاة جمال عبدالناصر ـ يقول: (إذا كنت تريد أن تعرف كم كانت السياسة الاقتصادية الناصرية مدمرة للأمة مربحة لمؤيديها وأتباعها فاقرأ صحيفة (أخبار اليوم) عدد العاشر من ديسمبر 1977 لتعرف ان هيكل هو أغنى اشتراكي في مصر, انه يملك شقة في الهرم وشقة على شاطئ النيل تتكون من 16 غرفة وشقة في الاسكندرية على شاطئ المعمورة وهو الذي لم يكن قبل الثورة وقبل التعرف على عبدالناصر يملك مبالغ بسيطة كان يتلقاها مقابل بعض الاعلانات في الصحيفة. هذا هو الصحافي اللامع كما هو) (4). ولو كان هيكل قد فسر أمام القضاء وبالمستندات كيف حصل على عزبة برقاش فإن حصوله على شقة على النيل ليسكن فيها وهو رئيس تحرير (الأهرام) أمر لا يستحق التوقف. ولا يصعب تفسيره من دون سؤاله. وفي الحقيقة هناك خلط بين ما امتلكه هيكل وهو في (الأهرام) وبين ما امتلكه وهو كاتب متفرغ يكسب من وراء كتبه ومقالاته الكثير, وهناك خلط بين أن يمتلك عقارا من حر ماله وناتج عمله حتى في أيام جمال عبدالناصر وبين أن يحصل على ذلك استغلالا لنفوذه, إن أحدا لم يستطع أن يثبت انه حصل على شيء مستغلا موقعه ونفوذه. والشقة التي يصفها عمر التلمساني بأنها تتكون من 16 غرفة. هي في الحقيقة شقتان متجاورتان في الدور الرابع في العمارة التي تطل على نيل القاهرة عند فندق الشيراتون, كانت الأولى لسكنه, أما الثانية فقد اشتراها بعد أن خرج من (الأهرام) ودفع ثمنها من النقود التي حصل عليها من كتبه الأولى التي نشرت له في الخارج, وقد اتخذ قراره بتشجيع من زوجته ليحولها إلى مكتب, بعد أن قررت صاحبتها الهجرة من مصر, وقد حوّل هيكل جزءا من عائد كتبه ـ عبر الجهاز الإداري لناشره الأجنبي ـ إلى حساب بنكي لصاحبة الشقة. والشقة المكتب تبدأ بطرقة غير عريضة يضع على جدرانها صوره الفوتوغرافية مع حكام العالم وزعمائه, والنصيب الأكبر منها لصوره هو وجمال عبدالناصر, وتنتهي الطرقة بغرفة يجلس فيها مدير مكتبه منير عساف وفيها كمبيوتر ومكتبة وأرشيف صغير, بالقرب منها غرفة مكتبه, وفيها مكتب كلاسيكي أمامه مقعد واحد, يصفه كل من يجلس عليه بأنه (كرسي الاعتراف) . وتطل الغرفة على النيل, وتنتهي بشرفة مغلقة بالزجاج يستقبل فيها زواره إذا زادوا على واحد, ويغطي أرضية الغرفة موكيت أخضر فاتح. (وهناك جلد نمر ملون كأنه جاء من الغابة ولقي قدره مصلوبا على الأرض, وآية شريفة من القرآن الكريم (اقرأ باسم ربك) تزين أحد الأركان, هدية من زوجته, والآية لم تفارق مكتبه في (الأهرام) , وأزهار حمراء تتوسط (فازة) في قلب المكتب, وعلى الحائط ثلاث خرائط قديمة للعالم, وهناك موسيقى سوناتا شوبير تنبعث من أحد الأركان بجواره خلفية هامسة ومريحة) (5) وإلى جواره مباشرة تمثال للكاتب المصري الجالس القرفصاء, وفي المكتبة تبدو محملة بكتب أجنبية تماثيل فرعونية صغيرة متناثرة. وقد كان السيجار ـ وهو من مظاهر الثراء على الرغم من ان أهم الدول التي تنتجه وهي كوبا شيوعية ـ سببا في توجيه الانتقاد إلى هيكل الذي لم يتردد في الترويج لأفكار جمال عبدالناصر الاشتراكية, خاصة وان باشوات ما قبل الثورة كانوا يشتهرون بتدخين السيجار, وعلى رأسهم فؤاد سراج الدين بل ان هيكل يقول: ان علاقته بالسيجار قد بدأت في عام 1949 وكان أيامها من المعجبين بنجيب الهلالي باشا آخر رئيس وزراء في العهد الملكي, وكان أيضا أحد نجوم السياسة المثقفين والبارزين في ذلك الوقت, وكان هيكل يذهب للقائه في كل يوم جمعة في حضور زوج ابنته الدكتور محمود محفوظ (وزير الصحة الأسبق فيما بعد) وابنه نجيب الهلالي الذي احترف المحاماة ونزل تحت الأرض معتنقا الأفكار الشيوعية, وكان من عادة نجيب الهلالي باشا أن يقدم لكل منهم سيجارا من النوع الفاخر الذي يدخنه بعد العشاء, وباستثناء نبيل الهلالي الذي كان يرفض السيجار من والده تأدبا (وربما لانه يعارض ما يؤمن به من أفكار ايديولوجية) فقد عرف هيكل ومحمود محفوظ طريقهما إلى تدخين السيجار, وعندما عرف نجيب الهلالي باشا ذلك أصبح يعطيهما بعد عشاء كل جمعة سيجارا وستة سجائر لكل منهم ليدخنها بقية أيام الاسبوع, وفيما بعد أصبح هيكل يدخن حوالي 11 سيجارا في اليوم(6). ويقول هيكل وهو يتحدث عن الأشياء الصغيرة في حياته, انه يفضل اللون الأزرق, ويفصل البدل التي يرتديها ولا يتعامل مع الجاهز, والهدايا التي يقبلها هي الكرافتة والأقلام والسيجار, هي هدايا سهلة ومأمونة, وذات مرة أهداه ابنه أحمد (هراشة) اشتراها من باريس(7). الديمقراطية .. الفريضة الغائبة نحت هيكل كلمات وتعبيرات فرضت نفسها على لغة الناس المكتوبة والمنطوقة: النكبة, النكسة, زوار الفجر, حادث المنصة, فلسفة الثورة, الطليعة الثورية, تنظيم الصحافة, الديمقراطية الاقتصادية, الميثاق, أهل الثقة وأهل الخبرة, وغيرها بل أنه يمكن القول أن عنوانا لكتاب له وهو (السلام المستحيل والديمقراطية الغائبة (ألهم زعيم تنظيم الجهاد ـ الذي اغتال أنور السادات ـ اختيار عنوان كتابه (الفريضة الغائبة) وهو بمثابة دستور التنظيم, وتنظيمات مشابهة, متشددة أخرى, وقد لفتت هذه القدرة نظر الدكتور إدوارد سعيد فقدم رسالة عنها في جامعة بوسطن الامريكية. لكن هناك تعبيرا فرض نفسه في منتصف الخمسينيات الى منتصف الستينيات كان نحتا مشتركاً بين هيكل وغيره من الكتاب البارزين ـ مثل لطفي الخولي والدكتور لويس عوض وتوفيق الحكيم ـ وهو تعبير (ازمة المثقفين) وقد تحول التعبير في تلك الفترة الى ساحة من الشد والجذب حول الخلاف بين الثورة والمثقفين. إن هيكل الذي حاول تبرير ما جرى للصحافة في صيف 1960 حاول تبرير ما جرى للمثقفين في صيف عام ,1961 فكانت سلسلة مقالاته الشهيرة (أزمة المثقفين) التي بدأ نشرها في 12 يونيو 1961 والتي أثارت جدلا واسعا بين التيارات السياسية المختلفة ثم جمعت في كتاب حمل نفس الاسم ونشرته دار المعارف في العام نفسه. لقد بدأ الضربة الأولى الكاتب الماركسي المنفتح على الثورة لطفي الخولي بمقالات كتبها في مارس 1961 (في ذكرى أزمة مارس 1954 الشهيرة) حول تعريف ودور المثقفين في الثورة, ويمكن القول أن ما وصف بازمة المثقفين كان نوعا من المواجهة الايديولوجية ـ كان من الصعب تجنبها ـ بين المثقفين والسلطة (فمن جهة كان المثقفون يشعرون انهم أبدعوا عن الحياة السياسة والاجتماعية بسبب رفضهم لعبة (فلسفة الثورة) التي صاغها هيكل وعبدالناصر.. ومن جهة اخرى كانت السلطة الجديدة ـ التي عبر عنها هيكل ـ ترى أن مثقفيها ليسوا على مستوى ما يجري من تغيرات في البلاد ولا يعرفون ادوارهم الجديدة) . (8) ولم يكن الهدف ـ كما كتب هيكل في مقالاته ـ ان يتعاون المثقفون مع السلطة فقط وانما يدخلون في (علاقة تفاعل معها) لرعاية مسيرتها وتأمين فكرها وتأكيد نظريتها ودعم خطواتها المتتالية... الاصلاح الزراعي. الغاء الاحزاب السياسية.. الوحدة مع سوريا.. تأميم الصحافة.. وغيرها. ويعترف هيكل بوجود ثلاث ازمات بين الثورة والمثقفين:(1) قامت الازمة الاولى حول المطالبة بعودة الجيش الى ثكناته في اعقاب تصديه لتنفيذ ثورة 23 يوليو وكان هناك من يبني هذه المطالبة على اساس ان الجيش ليس سلطة حكم وانه وقد قام بالثورة عليه ان يتنحى ويترك الحكم لأربابه والعارفين بأصوله. (2) وقامت الازمة الثانية حول المطالبة بعودة الحياة النيابية وبعودة الاحزاب السياسية باعتبار ان ذلك في رأي المطالبين به هو اساس الديمقراطية وصورتها التي لا تتغير. (3) وقامت الازمة الثالثة حول ما اسموه في ذلك الوقت بالمفاضلة بين (أهل الثقة) و(أهل الخبرة) وتركزت هذه الازمة في الواقع حول تعيين بعض العسكريين في عدد من الشركات والهيئات والمؤسسات وفي وظائف يبدو أنها فنية بحتة لا تحتمل غير المتخصصين في اعمالها. وفي الازمة الاولى لا يتحمس هيكل لعودة الجيش لثكناته, فالذي تحرك في 23 يوليو لم يكن الجيش بقيادته وجنرالاته وقادة الاسلحة فيه, الذي تحرك في تلك الليلة طلائع شابة (بقي اتصالها بالجماهير مفتوحا لا تعوقه مصالح طبقة ولا تصده انتهازية أو سلبية) و(كان الحد الفاصل بين النجاح والفشل هو موقف الجماهير, وقد اندفعت الجماهير في الشوارع, هي التي اندفعت من غير تحفظات في تأييد الطلائع الشابة التي خرجت من الجيش استجابة لندائها وتفاعلاً معها بعد أن عجزت كل الفئات الأخرى عن مواجهة التحدي الذي فرضته الحوادث (ولعل خطأ المثقفين الفادح انهم لم يدركوا ان التغيير لم يكن تغييرا في رأس الحكم وانما كان تغييرا في المجتمع من أساسه. ولم يكن هيكل وحده الذي يعرف ان العسكريين لن يعودوا الى ثكناتهم, كل المثقفين كانوا يعرفون ذلك, ويدركونه, فالذي يصل الى السلطة بالقوة لماذا يتركها؟ ثم والأهم أن الثورة نفذت ما عجزت عنه كل القوى السياسية والحزبية والثقافية, بل ان التنفيذ هو أبرز حسنات الثورة, فهي لم تأت بأفكار جديدة, وانما نفذت ما كان مطروحا للجدل والمناقشة. مثل الاصلاح الزراعي, والعدالة الاجتماعية, واستكمال مسيرة التعليم المجاني, وبرامج التصنيع, بل ان الافكار القومية كانت سابقة عليها, لقد كان المثقفون يفكرون, ولكن الثورة هي التي نفذت, وغيرت, ومن ثم كان الشعب معها, مع من نفذ, لا مع من فكر وتصور. لكن شعار (نحن نفكر والثورة تنفذ) الذي طرحه المثقفون في بداية الثورة سرعان ما اصبح دخانا في الفراغ, فالثورة أصبحت هي التي تفكر, وتنفذ, ولا تريد من المثقفين سوى التأييد بالطريقة التي تحددها وتختارها, ولا مانع ايضا من نقدهم بقسوة واتهامهم بالسلبية والانتهازية والتكاسل. وفي الازمة الثانية يرفض هيكل عودة الاحزاب السياسية القديمة, والسبب في رأيه ان الاحزاب الثلاثة الكبرى التي كانت قائمة قبل الثورة ـ الوفد والاحرار الدستوريين والسعديين ـ لفظت أنفاسها السياسية بتوقيع معاهدة ,1936 ولم يعد الوفد بعد حادث 4 فبراير 1942 قادرا على الفعل أو على تحقيق التغيير, وباعد بين هذه الاحزاب وبين الثورة ارتكازها على كبار ملاك الاراضي.. ورفضها إعادة توزيع الاراضي وهي الخطوة الاولى نحو الثورة (ولقد كانت هذه الصورة كلها أساس ما كان يشكو الناس منه قبل الثورة من قيام الاحزاب على غير برامج وانما على مجرد اسماء الاشخاص, كذلك ما كان يشكو الناس منع سهولة التنقل بين الاحزاب, فالأحزاب الثلاثة في حقيقتها كانت حزبا واحدا من حيث كونها مصلحة واحدة تمثل كبار ملاك الاراضي ومن جذبهم بريق الثروة والسلطان إلى ناحيتهم من المثقفين) . (9) (وفي مواجهة هذه الاحزاب الثلاثة التي اضطلعت بالحكم كانت هناك مجموعات اخرى من تنظيمات العمل العام استطاعت ان تجذب اليها اعدادا من المثقفين لم يجذبهم اليها ايمانهم الكامل بها بقدر ما جذبهم محاولة البحث عن طريق, وكان الإخوان المسلمون أكبر هذه التنظيمات ولكن فلسفتهم كانت تلفتا إلى الوراء, وكانت التنظيمات الشيوعية تليهم في القوة ولكن الثورة في تقديرهم لا تصنع محليا وانما يجب استيرادها, واستيرادها جاهزة ملفوفة بالسيلوفان الاحمر مختومة بالنجمة الحمراء من الاتحاد السوفيتي أمر لا مناص منه, وكان الحزب الوطني اصغر هذه التنظيمات وربما اطيبها ولكنه على اي حال ابعدها عن قدرة العمل الثوري) . (10) (وكما ان الاحزاب الثلاثة غير الحاكمة (الوفد والأحرار الدستوريين والسعديين) استطاعت ان تشد جماعات كبيرة من المثقفين الذين كان بمقدورهم ان يقوموا بالثورة, فإن هذه التنظيمات غير الحاكمة (الإخوان والشيوعيون والحزب الوطني) استطاعت ان تشتت جماعات كبيرة اخرى من المثقفين وان تستنزف منهم طاقة كان يمكن ان تدفع الاتجاه نحو الثورة, ثم تبقي بعد ذلك من المثقفين جماعة الذين آثروا ان يتوافروا على عملهم الفني سواء في وزارات الدولة أو في منشآت القطاع الخاص, وهؤلاء آثروا لسبب أو لآخر ألا يمارسوا العمل العام) . ولكن هيكل يستطرد قائلا: إنه بهذا التحليل لا يسلب من الأحزاب والتنظيمات التي عددها مواقف لها مهدت للثورة: (إنني اسلم بوجود مثل هذه المواقف ولكنها تأثير ظروف مرحلية لا تقدر على المضي في فتح الطريق وصولاً الى الثورة) وهو بهذا التحليل لا يستبعد وجود عدد من المثقفين خارج الاحزاب والتنظيمات التي عددها كان ينظر الى ما يجري حوله من غير رضا ولكنه لم يكن في تعبيره عن عدم رضاه غير ان يضرب كفا بكف ويتحسر.. وكانت الحسرة شيء والثورة شيء آخر) . ثم يقول: وحصيلة هذه الصورة للعمل السياسي في النهاية هي وجود فراغ هائل كبير في النهاية كان بنفسه هو الذي دعا الطليعة من ضباط الجيش الذين تحركوا ليلة 23 يوليو الى حركتهم, هو الذي ناداهم واكاد أقول ألح عليهم في النداء, أكاد اقول هذا وأنا أذكر حديثا لجمال عبد الناصر قال فيه: لم أكن واثقا ان الثورة ستنجح ولم يكن النجاح هو كل ما أريده, لقد كان حسبي أن نتحرك) . أي أن كل ما يبنيه هيكل من تقدير للثورة هو الحركة البدنية التي قام بها الضباط الأحرار, معطيا دوراً أقل ـ أو دورا يبدو عابرا ـ لكل الذين مهدوا لها من تنظيمات وجماعات وأحزاب, فالعبرة عنده بالإنجاز, بالتغيير, وربما يكون عنده بعض الحق, ولكن هل كان الشعب سيستقبل ما جرى في 23 يوليو بكل هذه الحفاوة وبكل هذا الحماس ويحولها من انقلاب الى ثورة لو لم تمهد التنظيمات والجماعات والأحزاب لها؟ ثم ان هناك تحليلاً يلقى رواجا كبيرا بين المثقفين ـ المعارضين والمؤيدين للثورة ـ هو أن ضباط الجيش تحركوا في الوقت المناسب لا لأن غيرهم كان عاجزاً عن الحركة وإنما لإجهاض حركة الآخرين قبل أن تحدث الثورة الشعبية بمفهومها المباشر, لا بالمفهوم الذي يطرحه هيكل, وهي نظرية سادت, واستخدمت في تفسير النجاح العاجل غير المتوقع لثورة يوليو وفي تفسير عدم تدخل القوات البريطانية للإجهاز على الثورة, وكان مرشحا للثورة أو كانوا على أطرافها ـ حسب هذه النظرية ـ قوة الإخوان وقوة الشيوعيين, وهما قوتان تمثلان خطرا على معادلة السلطة في دولة مهمة في المنطقة مثل مصر, فكان لابد ان تخرج قوة ثالثة معتدلة تصل الى السلطة وتكون جاهزة لتحقيق اصلاح مقبول في اتجاه العدالة الاجتماعية بعيدا عن تطرف الإخوان والشيوعيين, وهكذا تحركت ما اسماه هيكل بالطليعة الثورية من ضباط الجيش, ويرى اصحاب هذه النظرية ان الولايات المتحدة الأمريكية كانت وراء ذلك كله. ويخلص هيكل من رفضه لعودة الأحزاب القديمة الى ثلاث نتائج: (1) ان المطالبة بعودة الأحزاب القديمة كان معناها تجميد الثورة من حيث انها دعوة للمصالح القديمة ان تعود الى الحكم بل الى التحكم... (2) ان المطالبة بتأليف احزاب جديدة كانت دعوة نظرية باعتبار ان التغيير الثوري الذي وقع حتى ذلك الوقت لم يكن قد سمح بفرصة لظهور مصالح جديدة قوية وقادرة.. (3) ان مطالبة الطليعة التي تصدت للثورة بتأليف حزب واحد تنطوي على كثير من التجني.. فان هذه الطليعة بسبب بعدها عن مجال العمل السياسي بصورته الطبيعية لم تكن تملك إلا ارادة التغيير الثوري.. ولم تكن قد وصلت بعد الى عقيدة نقود خطاها الى التغيير وانما هي حتى ذلك الوقت كانت تمارس عملها الثوري بالتجربة والخطأ. (11) ويصل هيكل إلى الازمة الثالثة.. وهي المفاضلة بين اهل الثقة واهل الخبرة.. وفي بداية مناقشة هذه الازمة يضع هيكل بعض النقاط على بعض الحروف: (1) التسليم بأنه في عدد من الظروف كانت لأهل الثقة أفضلية معينة.. (2) ان المفاضلة بين اهل الثقة وأهل الخبرة ليست مفاضلة بين العسكريين والمدنيين.. (3) انه ليست هناك خطوط فاصلة قاطعة ونهائية بين أهل الثقة وأهل الخبرة.. فكثير من اهل الثقة يمكن أن يكونوا أهل خبرة (محمود يونس في قناة السويس ومحمود رياض في الخارجية مثلا).. كما ان كثيرا من أهل الخبرة يمكن أن يكونوا في نفس الوقت اهل ثقة (سيد مرعي في الزراعة وعزيز صدقي في الصناعة وعبدالمنعم القيسوني في الاقتصاد وهم من المدنيين مثلا) (12) وبينما اعتبر لويس عوض ان جمال عبدالناصر كافأ بالمناصب الذين قاموا بالثورة معه وتحملوا معه عبء المخاطرة وهو ما خلق اهل الثقة فإن هيكل يرى ان الثورة لجأت إلى هؤلاء بسبب الفراغ الذي وجدت الدولة فيه بعد ان تغيرت السلطة.. (فالجموع التي جاءت اليها كانت اشياعا متفرقة وفلولا متناثرة (وأضاف جمال عبدالناصر في (فلسفة الثورة) : (وذهبنا نلتمس الرأي من ذوي الرأي والخبرة من أصحابها ومن سوء حظنا لم نعثر على شيء كثير.. كل رجل قابلناه لم يكن يهدف إلا الى قتل رجل آخر... وكل فكرة سمعناها لم تكن تهدف الا لهدم فكرة اخرى.. ولو أطعنا كل ماسمعناه لقتلنا جميع الرجال وهدمنا جميع الأفكار) ..و كان لابد ان تخلق الثورة رجالها وان توسع الدائرة بعد ذلك. مشكلة الديمقراطية هل تغير رؤية هيكل لمشكلة الديمقراطية فيما بعد؟ انه لا يتحدث الان عن (أزمة المثقفين) وإنما يتحدث عن (أزمة الديمقراطية) أو بتعبيره الذي يراه أدق (مشكلة الديمقراطية) والمشكلة أكبر من ازمة ولكنه يطرح هذه المشكلة بعيدا عن المشهد المصري وبمنظور عين طائر يحلق فوق سماء العالم الثالث.. باعتبار ان مصر هي جزء منه. هو يري أن الديمقراطية مشكلة (في بلادنا) مثلها مثل مشكلة الفقر.. ومشكلة الجهل.. ومشكلة التفاوت الطبقي الفادح.. وهي قضايا لا يستطيع حاكم بالذات ان يتحمل كل المسئولية عنها (لأن الحقيقة التاريخية أكبر من عمر اي حاكم) .. ويلاحظ انه يتحدث عن الحاكم لا عن الحكم.. (لأن الظاهرة السائدة في معظم بلدان عالمنا الثالث هي ظاهرة الرجل الواحد.. الحاكم الفرد (بنص كلامه. وبنص كلامه ايضا: ان الديمقراطية لا يمكن ان تتحقق إلا في مناخ يسمح بحل المشاكل عن طريق المناقشة الحرة.. الحوار الديمقراطي. الـهـوامـش: (1) سناء البيسي: حوارها مع هيكل الذي سبق الاشارة إليه (2) حوار شخصي جرى بيني وبينه في مارينا في صيف 1999 في بيت الدكتور ميلاد حنا. (3) هيكل (أحاديث في العاصفة) ـ دار الشروق ـ القاهرة 1987 ـ ص 75 (4) عمر التلمساني: قالوا ولم اقل عن عبدالناصر ـ دار الاعتصام ـ القاهرة 1985 ـ ص 33 (5) مفيد فوزي: مجلة صباح الخير في 25 مارس 1982 نقلا عن (احاديث في العاصفة) ـ ص 244 (6) صلاح منتصر: عمود (مجرد رأي) ـ الاهرام في 7 يناير 1997 (7) سناء البيسي: المصدر السابق (8) جمال الشلبي: (محمد حسنين هيكل ـ استمرارية أم تحول؟) ـ مصدر سابق ـ ص 57 (9) المقال الثاني لهيكل بعنوان (لماذا فتحت المناقشة في هذا الموضوع الآن؟) ـ الاهرام في 16 يونيو 1961 (10) المقال الثاني (11) المصدر السابق (12) المقال الثالث لهيكل بعنوان (المطالبة بعودة الحياة النيابية) ـ الاهرام في 23 يونيو 1691