لأجل ثلاثة جنود إسرائيليين اختطفتهم قوات حزب الله يوم السبت قامت قيامة الحكومة الإسرائيلية, وهدد باراك بقصف العاصمة اللبنانية بيروت, بينما حمّل دمشق المسئولية كاملة, ورغم انه كان يتخبط على غير هدى, إلا ان باراك عاد وأعطى الفلسطينيين مهلة يومين لايقاف انتفاضتهم وإلا فإن عملية السلام برمتها ستتوقف. لأجل ثلاثة تحرك نصف الكرة الأرضية, ولأجل قافلة من الشهداء.. ما زلنا نوزع بطاقات الدعوة للقمة العاجلة وبانتظار الرد! دبلوماسية التليفونات نشطت, وأسلاك الهواتف الساخنة هزت أكثر من عاصمة, فمن القاهرة إلى بيروت إلى دمشق إلى طهران فالسعودية. وتوالت اتصالات (غرفة العمليات) من مقرها في البيت الأبيض في واشنطن للضغط على القيادات اللبنانية والسورية والفلسطينية. ماذا تقول هذه القراءة الظاهرة للأحداث؟ وإلى أين يقود تشابك الخطوط؟ وبطبيعة الحال دون أن نفصل كل ذلك عن هذا الضغط اليومي الذي ترزح تحته الحكومة الإسرائيلية في الداخل في ظل خسائر تصل إلى ملايين الدولارات بسبب انتفاضة الأقصى التي دخلت أمس يومها العاشر, اضافة لقضية الأسرى وتهديدات حزب الله, والاعتداء على المقام الديني لليهود (مقام يوسف) وقتل عمدة إحدى المستوطنات اليهودية على أيدي حماة الأقصى من الفلسطينيين. إن الاعتقاد بأن الفلسطينيين كانوا الطرف الأضعف في المواجهات احتسابا لعدد الشهداء والجرحى وعدم التكافؤ مطلقا في أمر التسليح والامكانيات المختلفة, هذا الاعتقاد ليس صحيحا على اطلاقه, فبالتأكيد لا يمكن مقارنة الحجارة بأحدث أسلحة الدمار الأوتوماتيكية التي تضخها ترسانة السلاح الأمريكية للحليفة إسرائىل, ولا يمكن أيضا مقارنة جيوش ورجال مدربين بمنتهى الحرفية على آخر ما توصل إليه العقل التدميري من عمليات القتل والفتك وإبادة الآخرين, مع شباب عزل كل تدريباتهم تنحصر في قوة سواعدهم على قذف أحجار يلتقطونها من شوارع فلسطين تملأهم الحماسة وعاطفة حب الأرض والدفاع عن مقدساتهم وحقهم وأعراضهم. كل ذلك لابد من التسليم به منطقا وواقعا, لكن المنطق والواقع أيضا يدفعاننا لقراءة خارطة الأحداث كما شاهدناها لحظة بلحظة عبر شاشات التلفزة, فالذي طالب بوقف الانتفاضة مهددا ومتوعدا إلى درجة التفكير بقصف عواصم ودول هم الإسرائيليون الأكثر قوة وعتادا وأعدادا, المتمترسون خلف النصرة الأمريكية اللامحدودة. الفلسطينيون لم يطلبوا مهلة, وشباب الأقصى لم يطلبوا وقف شلال الدم الذي يدفعونه هم وليس جنود الصهاينة, فإذن ماذا تقول تهديدات باراك والمهلة التي أعطاها؟ ثم لماذا هذا التسارع الأمريكي باتجاه القاهرة كي تضغط على بيروت ودمشق؟ هل لأن إيران دخلت على خط المواجهة واضعة ثقلها إلى جانب حلفائها حزب الله ودمشق؟ أم ان هذا التسارع والرغبة في اطفاء الحدث الأكثر قوة حتى الآن في الأراضي الفلسطينية أمر مدبر ولا بد منه لرفع العتب والحرج عن كثير من الأنظمة العربية الرسمية التي التزمت صمت الحملان بشكل فجر الأرض والشارع في صورة لا سابقة لها؟ بعد كل ذلك نسأل هل ستعقد القمة العربية (العاجلة) في موعدها في الحادي والعشرين من أكتوبر الجاري في القاهرة؟ ولماذا ستعقد, ألأجل بيان شجب وادانة واستنكار؟ فإذن لا داعي يا ساداتنا الكرام.. فقد انفض السامر, ووصل عدد القبور الخضراء التي زف أصحابها للجنة إلى مئات, والجرحى زادوا على الألف! عدد الثكالى زاد, وعدد الأيتام زاد, وعدد الأرامل زاد, والغصة أصبحت بحجم الانفجار والقهر جاوز سماء الرقعة العربية, ويا أخي.. جاوز الظالمون المدى.