من منكم اكمل نومه هذا الصباح, من ذا الذي تجرأ فخان رئتيه, ولم تغصه الدماء المسفوكة على مداخل الاقصى؟ من تناول افطاره كاملاً امام التلفاز حيث الاستغاثات تتعالى !!! من منكم لم تدمع عيناه فيدرك, ولو متأخراً, ان ثمة عيوناً تقود اصحابها الى درب الصواب؟! من منا لم يستيقظ من بياته العربي وسباته القسري, مفزوعاً على صوت الشهداء واجسادهم المخضبة بدماء هبة الاقصى؟ نعم.. انهم بدمائهم قد أعادوا الى الأمة رشدها, وللمقدسات هيبتها, وللوطن الغائب كرامته, انهم يسطرون قاموساً جديداً بالمعنى الحقيقي للأشياء, ها هم بصدورهم المكشوفة والعارية الا من شرف الوطن يسقطون هذا الزيف الاسرائيلي امام العالم والرأي العام الدولي, وها هي هبة الاقصى توحد الأمة شعوباً وقبائل في انتظار المشاركة في جهاد الأمة. ومن يتابع الفضائيات العربية والعالمية يدرك بشاعة وقبح الوجه الاسرائيلي مقابل هذه التضحيات من اجل الحرية والحفاظ على المقدسات ويدرك المتابع كيف استطاع العرب في فلسطين المحتلة ترويض رهبة الموت, وكيف للفرد العربي المعزول عن محيطه وهمومه على مدى سنوات قد ذاب في روح الجماعة ليغدو نموذجاً للتضحية من اجل حماية الوطن المقدس. وليس ادل على ذلك من هذه المرأة الام الثلكى التي تحدثت الى احدى الفضائيات العربية لتقص الحوار الاخير مع ابنها محمد ابو عاصي الذي خرج واخبرها بأنه ذاهب ليلقى ربه شهيداً فداء للوطن, فأجابته حينها بقلب يبكي: (مبروك عليك الشهادة يا بني) وخرج دفاعاً عن الأمة وسلاحه حجر, ولكنه عاد لها عبر شاشات التلفاز برصاصة في صدره, عندها علمت بأنه أوفى بوعده, فاختلطت عليها الزغاريد بالنحيب كما اختلط على الناس مشاعر التهاني والعزاء. ها هي اجمل الامهات تفقد احد ابنائها, وبرضاها المر ليقترب الانسان العربي من ذاته وليكون حراً أمام مسئولياته.. انه لدرس لكل ام عربية بأن تعيد احصاء عدد ابنائها ضمن مفهوم ان احدهم فداء للوطن والامة. وان التضحية والحرية حالتان متلازمتان تلد كل منهما الاخرى وان دم الشهداء والجرحى ما هو الا محرك لهذه الولادات التي تحفظ للكينونة العربية والاسلامية هويتها في مواجهة التشويه والالغاء. وما قول الشاعر محمود درويش من خلال حوارية الألم والحرية, بينه وبين صديقه في ساحة المعركة الا مثالاً رائعاً لهذه الحالة: حاصر حصارك.. لا مفر سقطت ذراعك فالتقطها واضرب عدوك بها.. لا مفر سقطت قربك فالتقطني واضرب عدوك بي فأنت الآن حر.. حر وحر قتلاك فيك ذخيرة حاصر حصارك لا مفر