طوبى لكم أيها الشهداء الأبرار.. فقد غسلتم بدمائكم الطاهرة الزكية عارنا, وأحرجتم أبطال الفنادق والمنتجعات وطاولات المفاوضات, وجعلتم الكبار أمام بطولاتكم أقزاما. وعلى قعقعة السلاح غفت أعينكم الحبيبة بينما غادر النوم عيون أولئك الذين كانوا كبارا قبل أن تتراخى قبضاتهم ويسقط السلاح من أيديهم. ها أنتم تفتحون بمقاليعكم وحجارتكم بوابات الأمل وتشرعونها للأجيال القادمة بعد أن أغلقت البوابات على أولئك الذين شاخت عزائمهم قبل أن تشيخ أبدانهم وتترهل وتغيب الحكمة عن عقولهم وترحل. أما أنت يا درّة الشهداء.. أيها الرمز الذي قضّ مشهد استشهاده منام العالم, وأيقظه من رقدته, وأزال عن بصره الغشاوة, فقد سددت باستشهادك رمية أصابت قلوب العالم أجمع وأدمتها فليتها حركت في أولئك المتخاذلين مواطن الجبن والتخاذل والذل والخنوع والخجل. لقد كنت رائعاً وأنت تواجه سيل الرصاص المنهمر من الجبناء المدججين بالسلاح يمطرون به طفلا أعزل وأبا لم يجد ما يحمي به فلذة كبده سوى جسده الناحل, وجدار يسند إليه ظهره, وحجر اسمنتي صغير ما كان له لأن يحمي عصفورا من فرقة إعدام نُزعت منها إنسانيتها وهي تخوض معركتها المصيرية معكما بكل خسة وجبن ونذالة لم تكن أبداً غريبة على أفرادها. كنت رائعاً وأنت تحاول طمأنة والدك وتطلب منه ألاّ يخاف ولا يجزع.. وكنت رائعاً وأنت تقول له إنك لست خائفاً والمشهد حولك مرعب.. فكيف يخاف من ولد في أتون المعركة؟ وكيف يخاف من عاش اثني عشر عاماً وهو يرى أعداء الإنسانية يدنسون المقدسات ويدوسون القيم وينتهكون القوانين والأعراف ويستولون على الأرض ويقلبون الحقائق؟ وكيف يخاف من رضع حب الوطن وعشق ثراه, ولم يعرف سواه, ولم يحلم يوماً بغيره, ولم يستنشق هواءً ممزوجاً بأريج ورود هولندية, ولم يشرب ماءًَ معبأً من ينابيع فرنسا, ولم تر عيناه سماءً غير سمائه ولا شجراً غير شجره؟ لم تكن وصمة في جبين اليهود الملطخ بالمخازي تلك الهمجية التي تعامل بها الجنود الصهاينة معك أيها الشهيد.. ولكنها كانت وصمة في جبين العالم الحر الذي ما فتئ يناصر باطلهم وينكر عليك حقك. لم تكن دمعة على روحك الطاهرة التي فاضت لبارئها تلك التي بللت كل وجنة, ولكنها كانت دموعاً على كرامتنا التي أهدرناها يوم وضعنا أيدينا المرتجفة في أيدي الصهاينة القذرة, ومضينا فرحين معتقدين بأننا قد ضمنّا الأمان لأطفالنا فإذا بقتلة الأنبياء يئدون أحلامنا في مهدها, ويثبتون لنا للمرة الألف أن الغدر في دمهم, وأن دماءنا ليست بأغلى من دماء أنبياء الله التي أهدروها على مدى تاريخهم الأسود الملطخ بالغدر والخسة والخيانة ونقض المواثيق والعهود. لم تكن لحظة عادية تلك التي توقف فيها الزمن ليحبس أنفاس العالم وهو يشاهد على شاشات التلفزيون دليل تآمره وصمته, ويكتشف حقيقة أولئك الذين أغرقوه بالأكاذيب والادعاءات وأوهموه بأنهم رسل الإنسانية وحماة الحضارة ورموز المدنية, وان العرب ليسوا أكثر من وحوش لا تعرف الرحمة. أي حجر صلد قُدَّت منه قلوب أولئك الجنود الفظّة؟ وأي أصابع طاوعتهم كي تضغط على زناد بنادقهم لتردي صبياً في مثل سنك, جريمته الكبرى أرض ولد عليها, وحلمه بيت لا ينازعه عليه أحد وقبر لا يشاركه فيه أحد؟! أي حقد ملأوا به الصدر كي يئدوا حلم البيت ويعجِّلوا لك أمنية القبر؟! أي دم بارد جرى في عروقهم كي يقتلوا صبياً بريئاً في حضن والده؟! أي قسوة تلك التي فجعوا بها قلب أم تنتظر عودة ابنها؟! لهفي عليك أيها الشهيد وأنت تواجه الموت على أيدي النازيين الجدد اللابسين ثوب المدنية والتحضر. لهفي على أبيك وهو يتكوم في مكانه عاجزاً عن حمايتك من هؤلاء القتلة القساة. لهفي على أمك وهي تتلقى خبر استشهادك ورسالة حب لم تنس أن تبعث بها إليها وأنت تسلم الروح الطاهرة لبارئها. لهفي على قلوب أمهات رفاقك وهن يودعن أبناءهن الذاهبين كل يوم للاستشهاد بإصرار وعزيمة وإيمان. ألم يقل الشهيد محمد أبو عاصي لأمه وهو خارج من البيت: (أمي أنا ذاهب لأستشهد فداءً للقدس) ؟! لقد قالها آلاف الفتية الذين يشيعون كل يوم رفاقاً لهم لينطلقوا بعدها يقضّون مضاجع الصهاينة ويوجعون قلوبهم وينزعون الأقنعة عن وجوههم ليرى العالم أجمع بشاعة تلك الوجوه وزيفها وحقيقتها التي تطمسها أجهزة الاعلام التي يسيطرون عليها, وتزيّفها مراكز المال التي يتحكمون فيها, حتى إذا ما عجز دهاقنة الحكم والسياسة عندنا عن كشفها فضحتها دماء رضيعة نثر رصاص الصهاينة رأسها على مقعد سيارة عابرة في حضن خالتها, ومنظر طفل يلوذ بحضن والده ورصاص الجبناء يتطاير من حوله ويد الوالد حائرة لا تعرف كيف تحرك في أولئك القساة مشاعر الإنسانية ليكفّوا عن صبّ نيرانهم على صبي أعزل لا حول له ولا قوة. أمّا أنتم يا من تنضمون إلى مواكب الشهداء وقوافل النور كل يوم.. يا من تواجهون الرصاص بصدوركم العارية ومقاليع الحجارة وصرخات الحق المدوية. يا من تمسكون بأيديكم الأسلاك الشائكة, وتتسلقون الأسوار العالية, وتنزلون الأعلام القبيحة من على صواريها لتحرقوها وتحرقوا قلوب الصهاينة الأنجاس, وترفعون أعلامكم فوق الأقصى فلكم المجد.. ولكم إعجاب العالم وانبهاره ببطولاتكم.. ولكم تنحني رؤوس الشرفاء الذين لم تمتد أياديهم لمصافحة الأيدي الملطخة بدمائكم ودماء من سبقوكم إلى النضال والشهادة والمجد. ها أنتم تحيون الأمل في نفوسنا.. وتعيدون البسمة إلى شفاهنا.. وتشعلون شمعة لتبددوا ظلمة ليلنا الحالك.. وتزفون إلينا البشرى بغد لا نفقد فيه عقولنا مرة أخرى كما فقدناها مراراً ونحن نشاهد طوابير الواقفين على موائد اللئام يستجدون السلام فلا تمتد الأيدي إليهم إلا بالفتات ولا ينالون سوى الاهانة تلو الاهانة, والصفعة تلو الصفعة, حتى ماتت مراكز الاحساس في عقولهم فلم تعد تفرق بين اللذة والألم. فلتكن لهم الموائد والفنادق ومؤتمرات القمة ومراسم الاستقبال والتوديع وباقات الورود الصناعية والطائرات الخاصة الصاعدة الهابطة غاديةً رائحةً بهم.. ولتكن لهم جوائز نوبل والسعفة الذهبية والأوسكار وكل مهرجانات السينما والتلفزيون. أما أنتم فلكم قمة المجد.. ولكم شرف النضال الحقيقي.. ولكم مرتبة الشهادة التي لا تعدلها مرتبة. ولكم تقدير العالم واحترامه.. ولكم وحدكم النصر الذي تاقت له نفوسنا وهفت إليه قلوبنا.. قلوبنا التي عرفتم الطريق إليها عندما أمسكت أيديكم بحجر لتحرك به مياه البحيرة الساكنة فإذا بها تحرك محيطات الكرة الأرضية وتهز أركانها. فيا لكم من فتية أخرست حجارتكم ألسنة الكبار! ويا لنا من أمة طال ليلها بانتظار ضوء النهار!