في منتصف مايو 1960 دعا جمال عبدالناصر معظم رؤساء تحرير الصحف المصرية لاجتماع عاجل وسري معه, كانت التعليمات تقضي بعدم الاشارة اليه قبل حدوثه وبعده. وبعد ثلاث ساعات من الحوار المتسم بالقلق والحرج, خرج الجميع من قصر القبة في حالة غير التي كانوا عليها لحظة دخولهم. في ذلك اليوم أعلن جمال عبدالناصر تأميم الصحافة أو تنظيمها, لا فرق, فالواقع الذي عاشته الصحافة منذ ذلك اليوم حتى الآن, اكثر من 40 سنة, يؤكد أن حريتها خرجت ولم تعد, وان حريتها فقدت إلى ما شاء الله. لقد تلقت الصحافة المصرية جزاء سنمار, أيدت الثورة, وخاضت معاركها, وتغنت بانتصاراتها, ثم جاء الوقت لتدفع الثمن, حريتها, وتحويلها إلى موظفة اميرية, حكومية تفقد أصولها, وتضيع حرفتها, ويصبح البقاء فيها للأكثر تجسسا على زملائه, وللأكثر نفاقا للسلطة, وفي النهاية على الجميع ان ينتظروا التعليمات, وقد كان الصحافيون يدفعون الثمن بدخولهم السجن, أما الآن فالسجن قد جاء إليهم, فقد تحولت مؤسساتهم الى معتقلات. بلاك أوت في الاجتماع صب جمال عبدالناصر جام غضبه على إحسان عبدالقدوس وقال بالحرف الواحد: (أنا لا أسمح ان تدخل مجلات (صباح الخير) و(روز اليوسف) لبيتي) ثم توجهت قذيفة اللهب إلى مصطفى أمين واستطرد جمال عبدالناصر: (أنا أخجل من الصور العارية التي تنشرها مجلة (آخر ساعة) وعندما حاول إحسان عبدالقدوس أن يفسر الدافع الاقتصادي وراء ما ينشر في مجلاته خاصة بعد فرض رقابة ثقيلة على الأخبار والتحقيقات السياسية بدا أن جمال عبدالناصر لا يحتمل المناقشة, وقال: (أنت بتقول ايه يا إحسان؟! إذا كانت المسألة مادة وبيع ومكاسب وربح, هناك أساليب أخرى تضمن لك ربحا أكثر وأوفر, الواحد يبقى تاجر أعراض ويفتح بيوت دعارة سرية) . وكاد يغمى على إحسان. (1) وحسب رواية شاهد عيان حضر اللقاء: (تسابق الصحافيون في تأييد قرار تأميم الصحافة.. تزلفا ونفاقا للرئيس الذي جاء ينعي لهم صحافتهم, لقد نهض فكري أباظة ـ بوقاره وشيخوخته واسمه ـ كي ينكت وينافق لكن الرئيس تجاهله, فوقف السيد أبو النجا مدير عام (أخبار اليوم) كي يتحدث في موضوع الورق ورق, ورق ايه يا دكتور وتجاهله جمال عبدالناصر هو الآخر فجلس كالمشدود إلى عامود خشبي بانتظار ان ينفذ فيه حكم الإعدام.(2) وخرج الجميع من الاجتماع وعلى رؤوسهم الطير, كامل الشناوي لم يذهب كعادته الى كافتيريا فندق الهيلتون للالتقاء بأصحابه ومعاكسة بنات الكافتيريا وانتظار مكالمة تليفونية من المطربة نجاة الصغيرة, وعلي أمين اشعل السيجارة العاشرة بعد المائة قبل أن يأتي المساء, وصلاح سالم تمتم بعض اللعنات (على من كان السبب) وموسى صبري اكتفى بإغلاق باب مكتبه على نفسه منتظرا استدعاء مصطفى امين, واحمد بهاء الدين عاد الى منزله ولم يخرج ليلتها من غرفة نومه وفكر في الصباح أن يعتزل الكتابة لكنه سرعان ما أخذ طريقه الى مكتبه, اما احسان عبدالقدوس فقد كان الأكثر تصميما على تنفيذ قراره بالتخفيف من الكتابة السياسية وزيادة التورط في الكتابة الروائية, الاجتماعية والعاطفية. ولم تمر عدة ايام على هذا اللقاء ـ الذي لم يسمح جمال عبدالناصر بنشر ما جرى فيه ـ حتى صدر قانون الصحافة في 24 مايو ,1960 القانون رقم 156 لسنة ,1960 وهو القانون الذي يحكم الصحافة ـ بصورة أو بأخرى ـ حتى الآن.. على الرغم من تغير الظروف السياسية والاوضاع الاقتصادية فيما بعد, لقد أسدلت الستائر السوداء (بلاك أوت) على الصحافة ولم ترفع من يومها. الأسباب الثلاثة لكن من ناحية اخرى لم تكن الصحافة بريئة أو نقية أو زهرة برية, كانت تتفجر فساداً ونفاقا, وكان كل هم اصحابها جمع مغريات الحياة في شباك المتعة, المال, النساء, السلطان, والتوحش في مواجهة الخصوم. ان كشوف المصاريف السرية التي كان يتقاضاها صحافيون وتتقاضاها صحف ومجلات من وزارة الداخلية قد اسقطت الكثيرين في نظر ثوار يوليو الذين كانوا في مرحلة البراءة والنقاء, لقد شعروا بأن الكتاب والصحافيين الذين قرأوا لهم وأعجبوا بهم ليسوا الا عرائس متحركة بين اصابع القوى الخفية. ولم يصدق جمال عبدالناصر نفسه وهو يقرأ ما كتبه مصطفى امين عن فضائح وغراميات وفساد الملك فاروق, هل هو نفسه مصطفى أمين الذي بدأ مشوار (أخبار اليوم) بالدفاع عن الملك فاروق والهجوم على حزب الاغلبية, حزب الوفد, في سلسلة المقالات الشهيرة: لماذا ساءت العلاقة بين الوفد والقصر؟ وربما نكشف سرا لو قلنا ان الذي قام بالوشاية بين الثورة ومصطفى أمين ـ وهو ما أدى الى اعتقاله هو وشقيقه علي أمين بعد ايام من الثورة ـ هو كاتب وصحافي وشريك في صحيفة, هو الذي اتهمه بالتآمر على الثورة وهي لاتزال في المهد. ولم يتردد أحمد ابو الفتح في الدعاية السياسية المضادة والشرسة ضد الثورة في وقت لم تكن فيه قد وقفت على قدميها, لقد تعرف جمال عبدالناصر على أحمد أبو الفتح عن طريق صهره ثروت عكاشه الذي كان عضواً مرموقاً في تنظيم الضباط الاحرار ولم ينس جمال عبدالناصر له أنه كان وراء التحذير الشهير بأن القصر يعرف بأمر التنظيم وانه على وشك القبض على 13 ضابطا ممن ينتمون اليه, لذلك كان صوته مسموعاً لدى مجلس الثورة في الفترة المبكرة, ثم انه كان حلقة الاتصال بين الثورة وحزب الوفد في تلك الفترة. لكن وحسب تفسير هيكل (في كتابه: (لمصر لا لعبد الناصر) ) بدأت الخلافات تدب في العلاقة بينه وبين جمال عبدالناصر مع بداية عام 1953 وكان لهذه الخلافات ثلاثة أسباب: ـ سبب سياسي هو تفسير كل منهما للديمقراطية (كان جمال عبدالناصر يرى أن أي تعبير سياسي يأتي انعكاسا لحقائق اجتماعية واقتصادية واذا كان المطلوب اقامة ديمقراطية سياسية سليمة في مصر تعبر عن رأي الاغلبية وسلطتها فإن ذلك لن يتأتى إلا إذا كانت الحقائق الاجتماعية والاقتصادية في الوطن تعطي لهذه الاغلبية وزنها وثقلها) وكان رأي احمد ابو الفتح يختلف عن ذلك, فقد كان يرى ان حل مشكلة الديمقراطية هو بإجراء الانتخابات فوراً, حتى لو أدت الى اعادة العناصر القديمة الى السلطة. ـ سبب نفسي مرجعه ان احمد ابو الفتح بالغ ـ ربما بحسن نية ـ لدى أصدقائه القدامى في أهميته بالنسبة للسلطة الجديدة وبالتالي فقد كان حزبه وجماعته وأسرته ينتظرون منه ان يحقق اشياء عجز عن تحقيقها, وبإحساسه بالحرج فقد تحول خلاف الرأي إلى عناد ثم الى عداء) . ـ سبب يعود الى أن احمد ابو الفتح كان يشعر بوفاء شديد لأخيه محمود أبو الفتح, لكن محمود ابو الفتح كان قد ترك الصحافة وجريدة (المصري) له وتفرغ تماما لدور رجل الاعمال, وأحس احمد أبو الفتح ان اخاه لايأخذ ما يعتبره هو حقا له وأن فرصا كثيرة ضاعت أو ضيعت عليه لأسباب لا يعرفها. ويستطرد هيكل: (ولعل اكثر يوم شعرت فيه بأبعاد ازمة أحمد ابو الفتح هو يوم اتيح لي أن التقي فيه بشقيقه محمود أبو الفتح في بيروت, في شهر يناير من سنة ,1954 كنت عائدا الى دمشق عن طريق بيروت, وفي فندن (سان جورج) التقيت بمحمود ابو الفتح ووقفنا في ردهة الفندق نتبادل أحاديث مجاملات, ثم سألته عن أحمد وكان قد غادر القاهرة الى جنيف, وقال لي محمود: إنه يريد أن يجلس لحديث طويل معي عن العلاقات بين جمال عبدالناصر وأحمد أبو الفتح, وجلسنا نحن الاثنان تلك الليلة في ركن من صالون (السان جورج) نتحدث حتى الساعة الرابعة صباحاً. (وبعد ايام من عودتي الى القاهرة كان محمود ابو الفتح قد اتصل بالدكتور السيد أبو النجا المدير العام لجريدة (المصري) وقتها وطلب منه ان يتصل بي لكي نرتب ما اتفقنا عليه في بيروت وكنا قد اتفقنا على ترتيب مقابلة بين جمال عبدالناصر واحمد ابو الفتح والتقيت مع السيد أبو النجا وكان يريد أن يستوثق من نقطة معينة هي أن اضمن عودة أحمد ابو الفتح الى جنيف مهما كانت نتائج مقابلته مع جمال عبدالناصر, وتعهدت للسيد أبو النجا أن اكون في استقباله وان اكون في وداعه, وجاء أحمد ابو الفتح وذهبنا معا الى بيت جمال عبدالناصر وجلسنا ثلاثتنا لحديث طال أربع ساعات, وفي الواقع كان الحديث بين الاثنين, وكنت اتابع ما يدور بينهما صامتا, اتدخل احيانا عندما تظهر عقدة في حباله, لكن الخلاف كان واضحا بين الاثنين في الآراء والمواقف. (وارتفعت درجة حرارة الحديث مرتين: مرة عندما أثار جمال عبدالناصر مسألة الاتصالات التي يقوم بها أحمد أبو الفتح في أوروبا وفي العالم العربي ـ خصوصا مع نوري السعيد رئيس وزراء العراق وقتها والمروج لفكرة حلف بغداد ـ وكان رد أحمد أبو الفتح ان علاقات اخيه بنوري السعيد هي علاقات رجل اعمال يورد مهمات لمشروعات تنفذ في العراق الى جانب اهتمامه بتوريد السلاح كوكيل لبعض شركاته وكان رأي جمال عبد الناصر ـ بناء على معلومات لديه ـ ان العلاقات والاتصالات فيها عنصر سياسي. (ثم ارتفعت درجة حرارة الحديث مرة أخرى عندما تساءل أحمد ابو الفتح: (لماذا تضار مصالح اخي محمود في مصر ولا يحصل على حقه؟) . وسأله جمال عبدالناصر: (وهل حدث ذلك؟) ورد أحمد أبو الفتح: (نعم إن أخي تقدم لمشروع اتوبيسات النقل في القاهرة ولكن عبداللطيف ابو رجيلة اخذ المشروع ولم يأخذه محمود أبو الفتح, ثم ان محمود ابو الفتح تقدم وكيلا عن شركة سلاح يعرض بندقية من عيار 86 وهذه هي البندقية التي اقرت لحلف الأطلسي ومعنى ذلك أنها ممتازة ولكن اللجنة العسكرية التي تشرف على مشتريات السلاح رفضتها) . وبدت الدهشة على وجه جمال عبدالناصر وسأل: (وهل تتصور أن لي علاقة بذلك, إنني لا أتدخل في مثل هذه الشئون, هذه مسائل تقررها الوزارات المسئولة) وبدأ الضيق على ملامح جمال عبدالناصر وشاع الأسف في نبرة صوته وهو يقول بالحرف (جرى إيه يا أحمد) اتوبيسات اية وبنادق إيه؟) . وكان واضحا امامي ان الحديث سار الى طريق مسدود, وذهبت اودع احمد ابو الفتح طبقا لما تعهدت به وأقلعت الطائرة التي استقلها الى جنيف, وفي الاسابيع التالية بدأت اسمع من جمال عبدالناصر أكثر من مرة وبأسف أكثر من غضب عن النشاط المنسوب الى أحمد ابو الفتح في اوروبا وفي بعض العواصم العربية وبالذات بغداد نوري السعيد, ثم عرفت في 27 ابريل 1954 ان نشاط احمد ابو الفتح أحيل الى محكمة الثورة وان قرار الادعاء ضده ينص على: (انه اتى افعالا ضد سلامة الوطن من شأنها افساد أداة الحكم وذلك انه في غضون عام 1954 وما قبلها ارتكب الافعال التالية: ((1) قام بدعايات واتصالات ضد نظام الحكم القائم بقصد تقويض النشاط القومي للبلاد. (2) اغرى موظفا عموميا بطرق غير مشروعة على المساهمة في اتمام صفقة تجارية لمصلحته الذاتية) . (وفي يوم 2 مايو 1954 اصدرت محكمة الثورة حكمها وكان الحكم الى جانب السجن والمصادرة ينص بالحرف الواحد على (سحب رخصة جريدة (المصري) منه وبذلك تعطل الجريدة عن الصدور ابتداء من اليوم) . وكان تشكيل محكمة الثورة من: (عبداللطيف البغدادي رئيساً وأنور السادات عضو يمين وحسن ابراهيم عضو يسار, ثم عرض الحكم على محمد نجيب فصدق عليه) . علامات استفهام إن أوضاع الصحافة لم تكن مرضية, ولم تكن محل رضاء جمال عبدالناصر, فلم يتردد هيكل في التعبير عن ذلك منذ الساعات الأولى للثورة, ويعترف هيكل قائلا: (إنه منذ أول يوم في الثورة لم يكن جمال عبدالناصر راضيا عن الظروف المحيطة بملكية الصحافة في مصر, كان يعتقد ان (آل زيدان) أصحاب دار الهلال و(آل تقلا) أصحاب الأهرام و(آل نمر) أصحاب المقطم قد أدوا دورهم في مرحلة معينة في تاريخ مصر. لكن مصر الآن أمام مرحلة جديدة لا يستطيعون مسايرتها, وكانت له تجربة مزعجة مع (آل أبو الفتح) أصحاب (المصري) كما ان علامة استفهام ظلت أمامه طوال الوقت على (آل أمين) أصحاب (أخبار اليوم) . ولم يكن جمال عبدالناصر في أي وقت من الأوقات يفصل بين المال وهوى صاحبه وكان رأيه ان هوى كل صاحب مال يرتبط بمصالحه وغير ذلك غير جائز وإذا جاز فهو مؤقت تفرضه ضرورات) (3). باختصار, لم يكن جمال عبدالناصر راضيا عن الملكية العائلية للصحف, وظلت هذه القضية تؤرقه وتشغله طوال ثماني سنوات, من ثورة يوليو إلى تنظيم المهنة, ولم يكن هيكل من جانبه يرضى عن أوضاع الصحافة, لكنه في الوقت نفسه كان يرى ان تأميم الصحافة وتحويل ملكيتها من العائلات إلى الدولة كارثة الكوارث, على انه كما يقول (لم يكن هناك حل وسط) (4). في 28 سبتمبر 1958 كتب هيكل مقالا بعنوان (حرية الرأي) عبر فيه عما كان يرفضه جمال عبدالناصر في الصحافة الخاصة, لكنه لم يتصور ان ذلك سيؤدي بعد أقل من سنتين (بالتحديد بعد سنة وخمسة أشهر و26 يوما) إلى تأميم الصحافة, أكثر الشرين صعوبة وأصعبهما قسوة (الملكية الخاصة والملكية العامة). قال هيكل في المقال: (من أهم المسائل التي نواجهها اليوم مشكلة حرية الرأي, بل انها أكبر كثيرا من الحد المفهوم من وصف (المشكلة) , ذلك انه في هذه المرحلة من تاريخ تطورنا السياسي والاجتماعي والفكري لابد أن يبرز الرأي الحر ليكون المقدمة الحقيقية للركب وهو يسير والدليل الأمين للقافلة وهي تسعى نحو المستقبل.. ولكن الرأي الحر في بلادنا لا يمارس الآن هذا الدور الخطير, لعدة أسباب: أسباب عامة تتصل بظروف الحياة, وأسباب خاصة متصلة بأدوات التعبير عن الرأي ووسائله, من الأسباب العامة مثلا: انه في ظروف الحياة السريعة التي نعيشها الآن طغى الخبر على الرأي وغطت الحادثة على الفكرة. ومن الأسباب الخاصة المتصلة بأدوات التعبير ان الصحافة وهي أول هذه الأدوات تعيش تحت رقابة قاسية, والمحنة الحقيقية ان هذه الرقابة ليست فرضا على الصحافة من الخارج, وإنما هي قيد من الداخل. والأسباب كثيرة, أولها ـ ان صحافتنا في كثير من الأحيان لم تستطع أن تتحول بعد عن كونها صحافة شخصية ومن هنا فإن تعبيرها عن (الرأي الخاص) لأصحابها ومحرريها أشد ظهورا من تعبيرها عن (الرأي العام) لمجتمع بأكمله على اختلاف طبقاته. ثانيهما ـ ان صحافتنا حين أعوزها إيمانها الأصيل بغايات محددة ووسائل إلى هذه الغايات تركت رسالة التوجيه واقتصرت على (المسايرة) , و(مسايرة) الحوادث على علاتها و(مسايرة) التطورات كما تجيء, من هنا وهذه حقيقة فرضت الصحافة على نفسها ما لم يفرضه عليها غيرها أخذا بالأحوط والأسهل وإيثاراً للعافية والسلامة. وثمة من يتصورون أن هناك رقابة من الدولة على الصحف تقيد أيديها وتعجز أقلامها, وليست تلك هي الحقيقة لحسن الحظ, وما من شك في ان هناك قيودا على نشر التحركات العسكرية مثلا وعلى بعض المسائل المتصلة بأمن الدولة الخارجي ولكنه فيما عدا ذلك ليس هناك من يفرض علينا السكوت. إن الحقيقة ـ اننا ـ نحن الصحافة سكتنا حين زحمتنا الحوادث فلم نجد لنا في وسطها رأيا, وحين بقينا على هامش التطورات نسايرها, ولا نغوص في أعماقها بحثا عن الإيمان نجاهر به ونقاتل دفاعا عنه, على انه ينبغي أن يكون هناك مفهوم لحرية الرأي, إن حرية الرأي ليست العناوين الثائرة الغاضبة على شخص بعينه وليست الحملات المنطلقة في ضراوة ووحشية تبحث عن كبش فداء. إن حرية الرأي هي حرية المناقشة. إن الفكرة المتحررة داخل العقل مقدمة, وانطلاق هذا الفكر حديثا ناطقا على اللسان أو حديثا صامتا على الورق نتيجة, وبغير المقدمات لا يمكن الوصول إلى النتائج وبغير النتائج لا تصبح للمقدمات فائدة, هذا هو فهمنا لحرية الرأي) . انتهى. وواضح ان هيكل جنح ـ في الخلاف بين الصحافة والثورة ـ ناحية الثورة, فالصحافة لم تمارس رقابة على نفسها من الداخل تهربا من الحرية أو استجابة لسرعة العصر التي جارت على الرأي لصالح الخبر وجارت على الفكرة لصالح الحادثة, ولكنها خشيت من الضربات المتلاحقة التي تعرضت لها بعد الثورة, وهو ما فرض مناخا بوليسيا داخل مكاتب الصحف والمجلات, لم تعد فيه الموهبة هي الأساس وإنما العلاقات بمصادر القوة ومنابع السلطة, وجعل الأقلام تسابق للتأييد ولما هو أكثر من التأييد, كذلك فإن هيكل يحاول فرض مفهوم ضيق لحرية الرأي يحصر هذه الحرية في المناقشة ولا يمتد إلى ما يرفضه من الحملات الصحافية على شخص أو تصرف, لكن ذلك كله لا يمنع الاعتراف بأن هيكل فوجئ بقرار تنظيم الصحافة, ثم انه صدم فيه, وحاول التخفيف منه, لكنه في النهاية لم يقدر على مواجهة الشلال المندفع بقوة من أعلى. اللقاء الصعب في كتابه (الصحافة والسياسة) الذي نشره بعد تنظيم الصحافة بربع قرن من الزمن يقول ان جمال عبدالناصر دعاه إلى ما وصفه هيكل (بواحدة من أصعب مقابلاتنا) . وقال جمال عبدالناصر له: (انه مهما كانت آراءك في الصحافة فقد وصلت الآن إلى اقتناع كامل بأنني لا أستطيع أن أترك الأمور كما هي) . واستطرد مؤكدا انه لا يريد أن يتخلص من أحد, لانه لو أراد فإن لديه السلطة والشجاعة لينفذ. وأضاف: (اننا مقبلون على تحولات اجتماعية كبيرة وقد بدأت هذه التحولات بتأميم البنك الأهلي وبنك مصر (صدر قرار تأميمهما في 11 فبراير 1960) وإذا كنا نريد اجراء خطة للتنمية فلا بديل عن سيطرة المجتمع على وسائل المال والانتاج, ولا أستطيع عقلا ولا عدلا أن أفرض سيطرة المجتمع على الاقتصاد ثم أترك لمجموعة من الأفراد أن يسيطروا على الاعلام, انهم لا يسيطرون الآن عمليا لان الثورة قوية وذلك مجرد خوف وأنا لا أثق في خائف خصوصا إذا تغيرت الظروف, ثم ان المرحلة الجديدة من التحول الاجتماعي تحتاج إلى تعبئة اجتماعية شاملة وأعرف ان الموجودين الآن سوف يصفقون لأي قرار لكن المطلوب شيء آخر غير التصفيق) . وكانت مخاوف هيكل على المهنة ـ كما قال ـ واضحة, لكن كان اقتراح جمال عبدالناصر له: (فكر في أية ضمانات تريدها للمهنة ولنلتق هنا غدا في الساعة الحادية عشرة صباحا وسوف يكون معنا محمد فهمي السيد.. المستشار القانوني للرئاسة) . ويستطرد هيكل: (وفي اليوم التالي حاولت بكل ما أستطيع, وربحت بعض النقط وخسرت بعضها الآخر, ربحت فيما أظن عندما استبعدت منطق التأميم بحدوده القاطعة ووصلنا إلى صيغة تسمح بمرونة, وهكذا كان (تنظيم الصحافة) وليس (تأميمها) . وحاولت أن أجعل الملكية مشتركة بين التنظيم السياسي وبين جمعية العاملين في كل دار صحافية: 50% لكل فريق, ولم يقبل جمال عبدالناصر وخرج باقتراح وسط, انتقال الملكية إلى التنظيم السياسي (الاتحاد القومي في ذلك الوقت ثم الاتحاد الاشتراكي فيما بعد) وليس إلى الدولة واحتفاظ كل صحيفة بأرباحها داخلها ثم توزيع هذه الأرباح مناصفة: نصف للتجديد والاحلال في دور الصحف ونصف لجمعية العاملين في كل دار صحافية, واعترضت على المذكرة التفصيلية للقانون, فقد أحسست ان المنطق والمبررات الواردة فيها يمكن أن تحتمل ما يمكن اعتباره نقدا لما كانت عليه الأحوال في المهنة, الأمر الذي استوجب اعادة ترتيب هذه الأحوال بالقانون, وأشهد ان جمال عبدالناصر كان صبورا, فقد قال لي: (دعك من مذكرة فهمي واكتب انت واحدة غيرها), وكتبت مذكرة كانت في الواقع اعلانا بتأكيد حرية الصحافة أكثر منها مذكرة تفسيرية للقانون) . مخاوف وهواجس يعترف هيكل بأن مخاوفه من القانون الجديد كانت ذاتية, ويضيف: (ففي ذلك الوقت كان قد مضى علي في رئاسة تحرير الأهرام ثلاث سنوات, وكان التيار فيها قد تحول: فالأهرام بدأ يربح بدلا من الخسارة, ثم ان توزيعه بدأ يصعد بدلا من الهبوط, وكنت قد اتفقت مع مجلس الإدارة وأنا أعرض أمام أعضائه تقريري الأول عن خطة العمل التي اقترحتها ـ انه إذا حقق الأهرام أرباحا فإنه سيكون مسموحا لي أن أبدأ بتطوير منشآت الأهرام (المبنى والمطابع). والآن كان تخوفي ان مشروع تطوير الأهرام قد يتوقف بعد أن بدأ خطواته الأولى, فالقانون الجديد يضعنا أمام احتمالات مجهولة لا أعرف هل أستطيع في ظلها أن أواصل أو انه سيفرض علي أن أطوي ملفات الخطط والبرامج والرسوم مودعا حلمي إلى الأبد) . لكنه يستطرد: (وصباح اليوم الذي أذيعت فيه نصوص القانون دعوت أسرة تحرير (الأهرام) إلى اجتماع عام كي أتشاور معهم في الأوضاع الجديدة, وشرحت لهم في البداية موقفي. قلت: انني (لم أكن متحمسا للقانون من ناحية المبدأ) . وفوجئت بالزميلة الراحلة جاكلين خوري تقاطعني قائلة: (هل نستطيع أن نسألك: لماذا... أليس الوضع في ظل القانون الجديد أحسن مئة مرة للمهنة وللصحافيين من الملكية الخاصة للصحف؟. وبدا لي ان تيارا قويا يؤيدها, ودهشت, واستطردت أشرح مجمل الأسباب التي تدعوني ـ من ناحية المبدأ ـ للتخوف, وكان أولها قلقي من احتمالات تدخل التنظيم السياسي (الاتحاد القومي وقتها ثم الاتحاد الاشتراكي فيما بعد) الذي انتقلت الملكية إليه في سياسات الصحف وتوجيه تحريرها بدعوى القانون, ثم كان هناك تخوفي من احتمال تأثير الظروف الجديدة على مشروعنا لتطوير (الأهرام) وقد قلت للجميع أننا أمام معركة جديدة ويجب أن نقاتل فيها) . ويواصل هيكل روايته: (وعند الظهر اتصل بي جمال عبدالناصر تليفونيا معاتبا: (ان تقريرا وصل إليه عما قلته في اجتماع محرري (الأهرام) ومع تقديره لكل الظروف فهو يرى انني أضعف موقفي بهذه المسافة التي أريد أن أضعها بيني وبين القانون الجديد. وانه سمع تحفظاتي من ناحية المبدأ وحاول بكل جهده أن يريحني في التفاصيل, وبذلك فإنه لم يعد هناك داع لأن أعود فأتخذ موقفا سلبيا من القانون, خصوصا وان هناك من قد ينتهزون هذه الفرصة ضدي) . ثم قال جمال عبدالناصر: (إنهم حاولوا أن يصوروا لي قولك: بأننا يجب أن نقاتل) على أساس انها معركة ضد القانون, وقد قلت لهم ان هذا التعبير يجري على لسانك كثيرا في صدد مواجهة أية عقبة, وان ذلك لا يعني انك في معركة ضد القانون وإنما انكم في معركة لاثبات أنفسكم في (الأهرام) في ظل القانون) . وحين انتهت المكالمة كنت أشعر بعرفان شديد لصبره وأظنني أيضا كنت أراجع نفسي وأسألها ما إذا كانت وساوسي وهواجسي قد تجاوزت بي الحد المعقول) . وكتب هيكل عدة مقالات عن القانون الجديد. السلطة الرابعة ولا يمكن أن ننكر ان وجهة النظر التي روج لها هيكل هي وجهة نظر مناسبة لمجتمع يتحول إلى الاشتراكية, وحيث تكون أدوات الانتاج وأدوات التأثير والتغيير والتعبير في يد قوة واحدة, وحيث تكون وسائل التعبير مرآة عاكسة لقوة التأثير, ولكن ما جرى فيما بعد وضع قانون تأميم الصحافة في مأزق.. لقد ذهبت الاشتراكية واقتصاديات الدولة المركزية إلى غير رجعة, وعاد القطاع الخاص ليسترد مواقعه الاقتصادية, وفي الوقت نفسه ظلت السلطة محتفظة بأدوات التأثير والتغيير والتعبير في يدها, وهو صورة صارخة من عدم التجانس, أن تكون حرية في السوق ومركزية في الاعلام, أن يحدث اصلاح اقتصادي وموات سياسي. ورغم ذلك فإنني لم استسغ وصف هيكل للصحافة وباقي وسائل الاعلام بوسائل التوجيه, فالتوجيه يعني فرض رأي واحد أو وجهة نظر واحدة, وهو ما يتنافى مع حرية الصحافة التي لا تكون إلا بالتنوع والاختلاف وتعدد الآراء. وقد خيبت التجربة العملية كل التوقعات المتفائلة, فالتنظيم السياسي ـ الاتحاد القومي ـ الذي كان مالكا معنويا للصحافة اختفى بين يوم وليلة بقرار من السلطة التنفيذية التي أخرجت على أنقاضه تنظيماً سياسياً جديداً هو الاتحاد الاشتراكي العربي, كذلك فإن الصحافة أصبحت خاضعة للسلطة السياسية, تنقل وترفت وتعين ما تشاء دون أن تعود للمالك المعنوي, أصبحت الصحافة أداة في يد الرئيس وتابعة له مباشرة, أضيفت إليه مع باقي السلطات والصلاحيات, ولو كان هناك مبررات صاغها الحلم الناصري وراء ذلك فإن ما جرى فيما بعد أجهض الصحافة وتركها كائنا مشوها, ولا يزال. وهو ما جعل هيكل فيما بعد يسخر من عبارة (السلطة الرابعة) التي تطلق عادة على الصحافة(5) بل انه يقول بصريح العبارة: (ان الصحافة لا يمكن أن تكون سلطة رابعة لان الفقه الدستوري في الدنيا لا يعرف غير سلطات ثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية, إن السلطات لا تخترع من الهواء وإنما هي وليدة تطورات تاريخية واجتماعية وسياسية مشهودة ومؤكدة) . ويتساءل هيكل: (كيف يمكن أن تكون الصحافة سلطة رابعة إذا كانت مملوكة لجهاز تعينه السلطة التنفيذية, ثم إذا كانت هذه السلطة التنفيذية تمارس رقابة ظاهرة أو مستترة على أقدار ومصائر العاملين في هذه الصحافة؟) . (كيف يمكن أن تكون الصحافة سلطة رابعة في أي بلد من بلدان العالم الثالث كله وهذه البلدان ـ باستثناءات قليلة ـ لا تعرف غير سلطة فعلية واحدة.. سلطة أولى واحدة) .. (وإذا كان موضع شك أن تكون هناك ـ بعد السلطة الواحدة الأولى ـ سلطة ثانية وثالثة فكيف يكون هناك مجال لسلطة رابعة؟) . والسؤال الأخير وجيه, لكن هيكل على ما يبدو لا يميل إلى طرحه بأثر رجعي, يرفض تطبيقه على ما يبدو أيضا على ما جرى للصحافة في صيف حار ملتهب, بدأ في مايو عام 1960. الـهـوامـش: (1) ناصر الدين النشاشيبي: (قصتي مع الصحافة) ـ مرجع سابق ـ ص 445. (2) هيكل: (بين الصحافة والسياسة) ـ مرجع سابق ـ ص 75. (3) المرجع السابق ـ ص 75. (4) استغلت عبارة مثل (عندما كنا ندرس في كلية الحقوق) من خصوم هيكل في تصور انه كان معقدا لأنه لم يدخل الجامعة .. راجع مذكرات موسى صبري.. وأتصور ان هيكل يقصد ضمير القارئ لا يقصد ضميره هو في مثل هذه العبارات. (5) هيكل: السلام المستحيل والديمقراطية الغائبة ـ مرجع سابق ـ ص 207.