احداث جسيمة تحدث هذه الأيام في ارجاء متباعدة من الارض تبدو كأن لا رابط بينها وهي في الواقع ذات صلة وثيقة ببعضها البعض. علينا ان أردنا فهمها ان نقرأها قراءة البصيرة السياسية ونستشف ما يصل بينها من جسور هذا العصر, هذه الاحداث هي في مجملها مظاهرات مدينة براغ عاصمة الجمهورية التشيكية ضد اجتماع مؤتمر صندوق النقد الدولي والبنك العالمي للانشاء والتعمير وهبوط الطائرات الالمانية والفرنسية والروسية والعربية في بغداد ثم النتائج التي اسفرت عنها قمة كراكاس التي عقدتها منظمة الاوبك. هذه احداث كبرى ثلاثة تمس العالم بأسره وتحور الخارطة السياسية لكثير من مناطقه واقاليمه الساخنة وتبدو كأنها متفرقة او متباعدة الاهتمامات لكنها تنطلق في الواقع من اصول واحدة.. بل وتصب في مصب واحد, لأن قراءة متأنية لهذه الاحداث الثلاثة تؤكد ان مرجعيتها الحضارية واحدة وهي رفض الجانب السلبي للعولمة المتمثل في الاملاءات وحيدة القطب اي الامريكية تحديدا مهما لبست لبوس العولمة وعمامة الامم المتحدة وثوب القانون الدولي. فالذي جرى في مدينة براغ من مظاهرات صاخبة وعنيفة احيانا ضد الليبرالية المتوحشة التي يدعو اليها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي هو حلقة جديدة وغير مسبوقة في سلسلة الغضب العالمي المعلن ضد العولمة بشكلها المهيمن والتي تفسح المجال امام الشركات العملاقة لتحكم العالم وتفرض سيطرتها على موارد الارض ورقاب الناس وتقفز بالطبع على قرارات الحكومات, بل انكس وادهى, تجعل الحكومات مجرد ادوات طيعة لخدمة اغراض الاحتكارات الدولية وتكريس منطق ما يسمى بطبقة الواحد في المئة. فقد بدأت حركة الاحتجاج على منطق صندوق النقد الدولي والبنك العالمي في دوائر مفكرين اقتصاديين وسياسيين ومثقفين امثال رجاء جارودي والمرشح للرئاسة الامريكية ليندن لاروش وعبدالحي زلوم في كتابه (نذر العولمة) ثم تحولت هذه الحركة الاحتجاجية في فرنسا منذ عام الى الشوارع حيث برز الزعيم الزراعي جوزي بوفي كمدافع صامد عن الخصوصيات الغذائية والثقافية وعدو لدود لتوحيد الغذاء والكساء والغناء على طريقة الماك ـ ماكدونالدز للبطون وماكنتوش للعقول. وجاءت مظاهرات براغ عاصفة عنيفة ضد اضطهاد الشعوب الفقيرة وقتل التجارة والصناعة التقليديتين واستعباد المستضعفين بالديون الثقيلة وفتح بلدانهم لتكون مجرد اسواق للاستهلاك.. ومجرد مصدر للمواد الاولية الاساسية. اما الحدث الثاني اللصيق بهذا الحدث الاول, فهو تواتر هبوط الطائرات من مختلف الجنسيات بمطار بغداد, وهي حركة جاءت من دول نددت بالغزو العراقي الجائر للكويت في حينه عام 1990 بل وبعضها شارك في دول الحلفاء لتحرير الكويت, لكنها تعتقد اليوم وبعد عشرة اعوام بان الحصار المضروب على شعب العراق لم يعد عملا اخلاقيا ولا سياسيا ذا مردود رادع ولا يساهم في تحقيق الامن ولا السلام ولا يصيب هدفا محددا مثل تغيير نظام العراق بل يزيد من تعميق جراح العرب وهي دامية ونازفة ويزيد من حفر الخنادق بين الاخوة والاشقاء, وهي خنادق قائمة وسحيقة, وسيقع للحصار على العراق مثلما وقع في نوفمبر 1989 لجدار برلين, سوف يهوي بارادة الجميع ضد ارادة واشنطن ولندن, مع الامل في ان تراجع بغداد تلك السياسات الخرقاء التي صنعت الكارثة عام 1990, وان تعود إلى صف الدول المتحضرة الواعية بالتحولات. اما الحدث الثالث فهو كذلك تحول حضاري ذو وزن, وقد تمثل في اجتماع قادة الدول المنتجة للبترول في غمرة عاصفة الاسعار وامام تحديات المخزون الاستراتيجي الامريكي وقد اكدوا تضامنهم فيما بينهم وتضامنهم مع الدول الضعيفة المستهلكة, بان حددوا الجهات المستفيدة ألا وهي الشركات الاحتكارية والسياسات الضريبية للدول الغربية, وابدوا رغبة صادقة في اسعار متوازنة لا تضر باقتصاداتها ولا باقتصادات الدول الصناعية, وهكذا فنحن بازاء ثلاثة احداث عالمية كبرى كان منطلقها واحدا وهو رفض الزيف والهيمنة والاسهام في انشاء عولمة اخرى مختلفة لا تكون وبالا علينا ولا سيفا امريكيا مسلطا على رقاب خلق الله جميعا. أستاذ بقسم الاعلام ـ جامعة قطر