لا أحد يختلف على أن للرئيس أنور السادات مكانه المقدر فى صفحات التاريخ والخلود بإعتباره صاحب قرار العبور من نكسة الخامس من يونيو 1967 الى نصر السادس من أكتوبر المجيد عام ,1973 إنما وجه الخلاف حول اتفاقية كامب ديفيد, كونها تنكبت الحل الشامل والعادل للصراع العربى الاسرائيلى, حين اقتصرت على اعادة سيناء المحتلة الى الوطن الأم فحسب, وإذا كان الكاتب الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل قد أشار مؤخرا الى انه فى سبيله لمراجعة مواقفه السابقة من ادانة السادات وكامب ديفيد, فذلك حقه وليس من حق أحد بالتالى المصادرة على المطلوب قبل أن يخلص الأستاذ هيكل إلى رؤاه وموقفه الجديد بشكل متكامل مبرر وموثق كعادته دوما عند التصدى للقضايا الجادة والمهمات الكبرى, وعندها لكل حادث حديث! وإذا كان نصر أكتوبر على حد الاجماع الغالب للمراقبين السياسيين والمحللين العسكريين آنذاك, يمثل قوة تفاوضية استراتيجية لا يستهان بها لفرض شروط السلام العربى على اسرائيل فى اطار صفقة متكافئة, تعيد للعرب كامل أراضيهم المحتلة وحقوقهم المشروعة, مقابل اعترافهم بإسرائيل وانهاء حالة الحرب والعداء المتبادل, الا أن السادات ضرب بنصائح وتحذيرات مساعديه وثلاثة وزراء للخارجية والشئون الخارجية عرض الحائط, عندما رضخ للإبتزاز الاسرائيلى وللضغوط الأمريكية فى كامب ديفيد, ووقع سلاما منفردا مع اسرائيل, ثم أعلن أن أكتوبر أخر الحروب فى مواجهة اسرائيل, رغم أن اسرائيل لم تتعهد من جانبها بهذا الخيار, والأدهى والأمر كان تسليمه بأن 99% من أوراق حل الصراع بيد أمريكا, بمعنى أنه لم يتبق سوى واحد فى المئة فقط للإدارة العربية فى تحرير بقية الأراضى المحتلة على المسارات الفلسطينية والسورية والأردنية واللبنانية! علينا أن نعترف إذن أن حرب أكتوبر لم تحقق أهدافها كاملة لا فى حينها ولا بعد مضي 27 عاما منذ وضعت أوزارها, وليس سرا أن سيادة مصر منقوصة حتى الآن على سيناء, حيث يمتنع عليها نشر قوات مسلحة اللهم سوى عدد محدد من الشرطة للحفاظ على الأمن, وهاهى الطائرة المصرية التى قادها الكابتن علي مراد إلى غزة تتعرض لمحاولة التفتيش من قبل القوات الاسرائيلية رغم أنها كأى أرض مصرية ذات سيادة, وعلى الصعيد الفلسطينى لا يزال الأمل باهتا فى اعلان الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية بكل ما فيها من مقدسات دينية بإعتبارها أرضا محتلة, وزهاء مليونى لاجئ فلسطينى من المشردين فى أركان المعمورة الاربعة لن تستجيب اسرائيل لمأساتهم بسهولة عبر الاعتراف لهم بحق العودة, والجولان معلقة بقرار أحادي من جانب اسرائيل, إن شاءت انسحبت بشروطها أو ظل الاحتلال على ماهو عليه الى أجل غير معلوم! أذكر وقد كنت مراسلا عسكريا لمجلة روزاليوسف حتى نهاية حرب أكتوبر, أننى سألت المشير عبدالغنى الجمسى فور نهاية الاجتماع الأخير لمباحثات (الكيلو 101): هل حققت مصر عبر المفاوضات مع اسرائيل أهدافها من الخطة الموضوعة لحرب أكتوبر؟, وأشهد أنه حاول احتباس دمعة ترقرقت فى عينيه وقال فى لهجة عسكرية مقتضبة أن القوات المسلحة نهضت بمهامها القتالية كاملة وفقا للخطة العسكرية, ويبقى للتاريخ حكمه على النتائج السياسية, ويبدو أن المشير الجمسى قد انتحى منذ قليل وزرف دمعة ساخنة على نحو ماأكده بعدئذ فى مذكراته, من باب الاحتجاج الذاتى على ماصدر له من أوامر أو توجيهات السادات خلال تفاوضه مع الإسرائيليين, رأى أنها مجحفة بالنصر الذى حققته القوات المصرية, ومن هنا يمكن الجزم بأن نصر أكتوبر بالمعيار العسكرى فاق مردوده السياسى المحدود, صحيح أن سيناء تحررت وهو انجاز عظيم, لكن مصر دخلت الحرب ضد اسرائيل عام 1948 ولم تكن سيناء محتلة ولا مهددة بالعدوان, انما لقناعتها بأن المخطط الصهيونى لا يستهدف فلسطين فقط, وانما التوسع والاستيطان والهيمنة على مقدرات الأمة العربية, بينما الصحيح كذلك أن حرب أكتوبر لعبت دورها فى الحد من تمادي المشروع الصهيونى التوراتي ووقفه عند حده, حين أكد العرب لأول مرة قناعتهم بالتخطيط العلمى فى مواجهة اسرائيل, وتبنيهم لأسلوب الهجوم بعد خسارتهم مرارا عبر تبنى أسلوب الدفاع, وقدرتهم على الحشد والتعبئة والتمويه ووحدة الصف والقيادة الموحدة وساعة صفر المعركة, ثم لا ننسى شهادة القادة الاسرائيليين وغيرهم من المحللين العسكريين بأن لكل حرب مفاجأتها, ومفاجأة حرب أكتوبر كانت الجندى العربى بكفاءته القتالية العالية, وروحه المعنوية المتأججة, واستيعابه المتميز للأسلحة الالكترونية الحديثة التى تعتمد فى ادارتها على التدريبات الشاقة والذهنية العلمية التى توافرت مع الحاق الخريجين بالخدمة العسكرية, ولعلنا فى مسيس الحاجة الآن لاستدعاء الدروس المستفادة من حرب أكتوبر, ونحسب أنها ترسي معالم الطريق المستقيم لا على صعيد إحلال السلام الشامل والعادل فحسب إن حربا أو سلما, وانما على صعيد النهوض الحضارى الشامل لأمتنا العربية كذلك, الأمر الذى يفسر ماوراء الماكينة الاعلامية والنفسية والثقافية المشبوهة التى لا هم لها ولا دور سوى ازهاق روح أكتوبر, والكفران بأهم مقومات السياسة الكامنة فى القومية العربية والتضامن العربى, ولا مانع من تحول الاحتفال بذكراها العطرة الى مجرد أغان وشعارات جوفاء أشبه بالرثاء على مافاتنا من فرص سانحة لاستثمار انتصارها المؤزر!