كشفت موجة الغضب العربي العارم من المحيط الى الخليج عن استعادة جسد امتنا لعافيته. وحل عقدة لساننا الذي أسكته العجز عن الرد على صفاقة وغطرسة المتربصين بشعبنا العربي, فقد ترددت اصداء الهتافات في مختلف العواصم العربية, وكأن الجميع يتحركون بقلب واحد أنهكه طول الصمت, وتفجر الغضب لكرامة أمة أهينت في شخص كل فلسطيني اعزل تعرض لاعتداء الجنود الصهاينة ولم يجد من يغيثه أو يحميه, أو يردع المعتدي عن عدوانه. وحرك مشهد الطفل الفلسطيني الشهيد محمد الدرة مشاعر الملايين من العرب, وكشف عورة العجز المتخفي خلف غلالة سلام وهمي, فاستنفرت الطاقات الكامنة وأخرجت الجميع الى الشوارع في مشهد نادر لم نعتده منذ سنين. على الرغم من الاحداث الدامية في الاراضي المحتلة فإن مما يبعث على الامل انبعاث الروح العربية وتجدد الامل في امكانية ان يلتئم الشمل, ويستعيد الجسد العربي وحدة اعضائه, بعد أن تفرقت واصاب الوهن عموده الفقري تحت ضغط ثقل عبء الخلافات والاسافين التي دقها المتربصون بنا وبترحيب من بعضنا للاسف. فالمشهد العربي الحالي اوضح لنا قبل الآخرين, اننا فعلا امة واحدة وسنظل الى يوم القيامة, رغم عنف التحديات والمؤامرات التي نجح بعضها في تقسيمنا واقامة الحواجز بيننا, فما يجري الان يعيد تأكيد عمق الرابطة العربية ويجدد مصداقية الهوية, التي تحولت في الاعوام الأخيرة الى موضع للتساؤل والتشكيك. ويتزامن المشهد الشعبي العربي مع الذكرى الـ 27 لانتصار اكتوبر 1973, الذي اعاد للعرب ثقتهم بأنفسهم, واظهر قوة سلاح التضامن الكفيل دائما بانتزاع النصر. وأيا ما تكون تطورات الاحداث في الايام المقبلة, فيجب ألا ننسى مشهد الشهيد الطفل الفلسطيني محمد الدرة, الذي اذهلنا باندهاشه من خوف والده من رصاص الاحتلال, وفاضت روحه, لتحوم في أجواء وطننا توقظ الغافلين, وتشحذ همم المتقاعسين, الذين استراحوا للأمر الواقع, وفقدوا الامل في غد عربي أفضل. ولا يخفى على أحد ان التعجيل بعقد القمة العربية, التي كان انعقادها أمراً مستبعداً, وكأنها تحولت الى احد المستحيلات في دنيانا كالخل الوفي أو العنقاء ما كان ممكنا لولا دماء الشهداء التي روت شجرة الحلم العربي واشعلت جذوة الغضب وحركت الجميع بإتجاه واحد لفعل شيء من أجل مستقبلنا جميعاً.