كان هيكل برفقة جمال عبدالناصر على ظهر الباخرة (الحرية) في رحلة العودة بعد زيارة شهيرة جرت ليوغسلافيا في شهر يوليو 1958 (كانت الباخرة الحرية تتقدم في جو الهدوء المخيف على أمواج البحر الأدرياتيكي متجهة إلى البحر المتوسط). في ذلك الوقت وقعت ثورة العراق التي قام بها عبدالكريم قاسم.. وأعقبها اندفاع القوات الأمريكية البحرية من الأسطول السادس إلى شواطئ لبنان, ثم اندفاع الطيران البريطاني عبر اسرائيل لانزال آلاف من جنود المظلات البريطانية لحماية عرش الأردن, كان الجو الدولي على حد وصف هيكل (مكفهرا) (1).. وكان العالم العربي واقفا على حافة الحرب. كانت الباخرة في طريقها إلى الاسكندرية, وكانت في تلك اللحظة من بعد ظهر يوم 14 يوليو تتقدم نحو البحر المتوسط الذي يسيطر عليه الأسطول الأمريكي والأسطول البريطاني من بعده. وبعثت القاهرة تطلب ـ لدواعي السلامة ـ أن يتجه الرئيس إلى الشاطئ اليوغسلافي وأن يركب من هناك طائرة مصرية أو يوغسلافية تعود به مباشرة ـ تحت ستار الليل ـ إلى الوطن في ساعات بدلا من ثلاثة أيام معرضة مكشوفة في البحر, وكان ذلك هو الرأي نفسه السائد في يوغسلافيا, حيث بعث المارشال جوزيف تيتو إلى عبدالناصر يرجوه ألا يتقدم في هذه الظروف إلى البحر المتوسط, وفي ذلك الوقت أحست المدمرة اليوغسلافية التي تتولى مرافقة الباخرة الحربية لدى عبورها الأدرياتيكي أن هناك محاولة استطلاع من الجو, ومن ثم أعطت اشارة الانذار وطلبت اطفاء جميع الأنوار في (الحرية) كما أطفأت هذه المدمرة بدورها جميع أنوارها, وساد البحر كله ظلام مخيف. الطريق إلى موسكو لم تمر دقائق حتى دعا عبدالناصر وزير الخارجية في ذلك الوقت الدكتور محمود فوزي إلى الاجتماع به في مكتبه على سطح الباخرة. وقال له: (لقد خطر لي رأي فكرت فيه اليوم طويلا وأريد أن أستشيرك فيه) . واستعرض عبدالناصر الموقف السياسي والعسكري كله ثم خلص بنتيجة وهي ان حركة القومية العربية مقبلة على معركة عنيفة, ثم قال في النهاية: (لقد خطر لي أن نعود إلى الشاطئ اليوغسلافي ولكن لا لنركب طائرة بالليل إلى مصر وإنما أريد أن أذهب لمقابلة خروتشوف في موسكو كي أتحدث إليه وأعرف على وجه التحديد ما هو موقف الاتحاد السوفييتي من احتمالات الحرب في الشرق الأوسط) . واستطرد عبدالناصر وهو يمسك بورقة كان قد كتبها وقال: (إن هناك عوامل تحبذ هذا الرأي وعوامل أخرى تعارضه) . وبدأ يقرأ تقديره للموقف من الناحيتين, التحبيذ والمعارضة, ثم التفت إلى الدكتور فوزي وقال: (والآن أريد رأيك) . طلب الدكتور فوزي مهلة للتفكير, ووافق عبدالناصر على ساعة, وخرج الدكتور فوزي من الغرفة, ولمحه هيكل بعد ذلك يسير على ظهر الباخرة يديه وراء ظهره وعينيه تتطلعان إلى ظلام البحر المخيف.. ومضت نصف ساعة.. وعاد الدكتور فوزي إلى مكتب عبدالناصر وقال له: (لقد فكرت بكل طاقتي واستعرضت كل الأسباب المؤيدة لهذا الرأي والمعارضة له ولم أستطع أن أرجح فيها جانبا على جانب آخر. إن الحساب الدقيق لهذه الخطوة متوازن, وفي رأيي اننا في لحظة من تلك اللحظات التي لا يمكن أن تخضع التصرفات فيها للحساب الدقيق وحده وإنما لابد لها بجانبه من شيء آخر لا يستطيع أن يقرر فيه غيرك) .. وساد الصمت دقائق, ثم قال عبدالناصر: (إذن على بركة الله نذهب إلى موسكو) . ثم بعث رسالة إلى خروتشوف وأصدر أمرا بأن تستدير الباخرة عائدة إلى الأدرياتيكي في اتجاه بولا حيث يركب طائرة إلى موسكو. والتقى هيكل بالدكتور فوزي على ظهر الباخرة بعدها, وراحا يسيران معا حول الباخرة كلها, وكان حديثهما عن دور البطل في حياة أمته. (بل ضرورة البطل في حياة أمته في بعض مراحل التاريخ) على حد صياغة هيكل, الذي يستطرد: (حاجة الأمة إلى رجل غير عادي يرى بالحساب الدقيق كل الاحتمالات في اللحظة الحاسمة من التاريخ ثم يتخذ قراره, لا على أساس من الحساب الدقيق وحده وإنما على شيء آخر معه, شيء غامض مثير, من صلة غير عادية تربطه بضمير أمته وتنقل إليه عن هذا السبيل قدرة على تحدي المستحيل وعلى تحمل مسئوليات ليست لها حدود في مواجهة أهوال ليس لها آخر) . إن هيكل من المتحمسين لدور البطل ـ أو القائد أو الفرد ـ في التاريخ ومن المؤمنين به. ولم يكن حماسا أو إيمانا مؤقتا ارتبط بفترة صعود جمال عبدالناصر وانتهى بفترة شحوبه ثم رحيله, وإنما بقي حماس وإيمان هيكل بدور الفرد من الأفكار التي لم يغيرها, وإن كان قد ناقشها بعمق أكثر فيما بعد. ولا جدال في ان هذه النظرية في تفسير التاريخ يعتبرها البعض (نوعا من الهرطقة السياسية) .. خاصة الماركسيين الذين يؤمنون بالحتمية التاريخية التي تبدأ بسيطرة الاقطاع وتنتهي بسيطرة البروليتاريا عبر صراع طبقي تصادم فيه رأس المال والعمل حول أدوات وعلاقات الانتاج. وفي هذا الاطار (الحديدي) يغيب دور الفرد في التاريخ الذي يصفونه بأنه (اختراع برجوازي) .. ويظن هيكل ان مثل هذا التفسير يتعسف مع التاريخ (وأول شاهد على تعسفه انه يوقع أصحابه في تناقض محرج, ذلك ان مجتمعات هذه النظرية كانت بعينها المجتمعات التي استفحلت فيها عبادة الفرد, ولست أراني في حاجة لأن أشير إلى الهالات المقدسة التي أحاطت برجال مثل كارل ماركس وفلاديمير اليتش لينين) (2). وتختلف قضية (عبادة) الفرد عن قضية (دور) الفرد في التاريخ, ولا تلغي أية نظرية سياسية هذا الدور (فالظاهرة موجودة ومتكررة عبر القرون الممتدة وليس لذلك كله معنى إلا اشارة إلى قانون يحدث أثره كلما توافرت شروطه, لكن أحدا لم يصل بعد إلى صياغة كاملة له.. وهكذا يبقى دور الفرد في التاريخ مفتوحا أمام اجتهادات واسعة تحاول اكتشاف ظروفه وشروطه وتجرب صياغتها) . هكذا تكلم أبو إياد هناك مدرسة قديمة ترى (ان دور الفرد ليس مجرد قانون ولكنه هو القانون) . وهناك مدرسة حديثة ترى ان ظاهرة دور الفرد في التاريخ تتلازم مع التخلف, أما المجتمعات السابقة إلى الرقي فإنها لا تحتاجه, لان حياتها أصبحت ترتكز إلى شرائع دستورية تتجاوز هذا الدور) . ولا تحتاجه إلا في وقت أزمة أو محنة عارضة, ونستون تشرشل في بريطانيا في وقت الحرب العالمية الثانية, شارل ديجول في الوقت نفسه لكن في فرنسا. ويفضل هيكل وهو يناقش هذه القضية أن يعود بالتخصيص إلى عبدالناصر, ويروي ان هذه القضية كانت موضوع حوار ذات يوم بينه وبين الزعيم الفلسطيني صلاح خلف (أبو اياد) بعد رحيل عبدالناصر بحوالي عشر سنوات, كانا يجلسان في شرفة مكتب هيكل يجوبان العالم بالحديث, ثم فجأة ساد صمت شرد فيه كل منهما, ثم إذا أبو اياد يقول وكأنه يحدث نفسه: (هل يعقل أن يغيب رجل واحد من ساحة أمة فتختلف أمورها إلى هذا الحد؟) . وفهم هيكل اشارته, وتركه يستطرد قائلا: (لم يكن في مقدور أحد أن يقنعني أن فردا واحدا يمكن أن يكون له تأثير لولا ان الحقيقة أمامنا: قبله كنا في حال وفي وجوده أصبحنا في حال وبعده ها نحن كما ترى, حالنا يصعب على الكافر) . ويلخص هيكل دور عبدالناصر التاريخي: (رجل أعطته أمته يقينا متجددا بأنها موجودة وأعطى لهذا اليقين المتجدد بالوجود حركته التاريخية وأنجز بهذه الحركة مهام كبيرة على أرضها وحول أرضها وفي العالم) . ويضيف: (ان الاعتراف لأي رجل تاريخي بدوره لا يعطي هذا الرجل ـ جمال عبدالناصر أو غيره ـ أكثر مما يستحق, ثم هو لا ينزع عنه صفته كبشر معرض للصواب والخطأ, وللنصر والهزيمة, لكن معيار الحكم على هذا الرجل لا يكون بحساب مرات الصواب والخطأ ولا مرات النصر والهزيمة وإنما يكون المعيار هو: إلى أي مدى استوعب الرجل حلم أمته وجسد ارادتها وحرك هممها, ليس معنى ذلك ان الصواب والخطأ لا قيمة لهما وان النصر والهزيمة لا حساب عليهما وإنما معناه ان تقييم الدور التاريخي له معادلات مختلفة, والدليل على ذلك ان أي دور عادي ينتهي بانتهاء عمر صاحبه وأما الدور التاريخي فإنه يظل قضية حتى بعد انتهاء عمر صاحبها) . وفي العصر الحديث فإن ونستون تشرشل ما زال قضية وكذلك جوزيف ستالين وشارل ديجول وماوتسي تونج وجمال عبدالناصر. لكن هيكل يرى ان قضية جمال عبدالناصر كانت وما زالت أعقد (ربما لأن الحركة التاريخية التي قادها لا تزال في مفترق طرق حين غاب عنها, ربما لأن الحركة التاريخية التي قادها أثرت في منطقة لها حساسية خاصة بفعل الموقع والموارد, ربما لأن الحركة التاريخية التي قادها تصادمت مع أكبر القوى وأعتى القوى وأغنى القوى في هذا العصر والزمان) . ولوقت طويل بعد رحيله كان كثيرون على طول المنطقة وعرضها يقفون أمام أي حدث وأي تطور وأي طارئ ويسألون أنفسهم: (ترى هل كان عبدالناصر يفعل الشيء نفسه أو كان فعله مختلفا؟.. ترى هل كان مثل ذلك يحدث لو انه كان هناك؟.. ترى كيف كان يمكن أن يفكر؟ كيف كان يمكن أن يقرر؟ كيف كان يمكن أن يتحرك؟). ووجد هيكل تطبيقا عمليا مباشرا على ذلك, كان قد فرغ من القاء محاضرة في جامعة أكسفورد عن مشكلات السلام في الشرق الأوسط ـ وكان قد جرى بين مصر واسرائيل ما جرى في كامب ديفيد وما بعدها ـ وبعد انتهاء المحاضرة وجد نفسه وسط مجموعة من الدارسين الشباب من جنسيات متعددة يحملون هموما ثقيلة, ولم تمض دقائق إلا وكانت الحلقة قد تحولت إلى حصار أسئلة, وكان السؤال البارز المتكرر: لو ان جمال عبدالناصر كان ما زال هناك فهل كان يمكن أن يجري هذا الذي جرى في المنطقة؟ ويقول هيكل: لقد تفرعت المناقشة وتشعبت, ولكن اسم جمال عبدالناصر ظل اللحن الرئيسي في المعزوفة بتنويعات متعددة, تذكره بوضوح أو تشير إليه من طرف قريب أو بعيد, ثم علا سؤال: لماذا يفعلون ذلك به؟ كان السؤال يقصد الحملة الشرسة التي تعرض لها جمال عبدالناصر ضرباً وطعناً وتشهيراً من كافة الجوانب. وقال هيكل: من هم الذين يفعلون؟ الذين يفعلون هم أعداؤه, أعداء دوره أو أعداء ما يمثله فكرة وموقفاً وعملاً, وهذا حقهم, على الأقل طبقا لقوانين الحرب. ولم يقنع صاحب السؤال ويسكت وإنما استطرد: وإلى متى؟ فقال هيكل: لا أعرف إلى متى ولكن الطريق مازالت له بقية.. هل تذكر تاريخ بريطانيا؟ ماذا حدث لكرومويل بعد أن ضربت الثورة الانجليزية الأولى وعادت الأسرة الملكية من المنفى؟ ماذا فعلوا بكرومويل؟ كان كرومويل قد مات قبلها بسنوات ولكن الملوك العائدين لم يقنعوا بالموت وإنما أجروا محاكمة للثوري الانجليزي العظيم, ثم ادانوه في محكمة القرود وأصدروا عليه حكما بالإعدام وقرروا تنفيذه, وهكذا استخرجت عظام كرومويل من القبر وعلق هيكله العظمي في حبل مشنقة واعتقدوا أنهم بلغوا منه ما يريدون, وأين هم هؤلاء الملوك الآن؟ وأين كرومويل؟ لا يذكر تاريخ بريطانيا إلا وذكر اسم كرومويل لأنه كان دوراً تاريخياً. وكان السؤال: ألا نتعلم من التاريخ؟ وأجاب هيكل: (قليلون يتعلمون.. ولذلك فإن الذين لا يتعلمون من التاريخ محكوم عليهم بتكراره) . تحية لعبدالناصر إن إيمان هيكل بعبد الناصر هو الذي دعم ـ أو ربما أوجد ـ إيمانه بدور الفرد أو البطل في التاريخ, لقد كان عبدالناصر بالنسبة له ظاهرة بشرية استثنائية, كانت قادرة على تجاوز الحسابات, واحتملت مالا تحتمل الجبال, وقد عبر هيكل عن ذلك بمقال يستحق ان نتوقف عنده. نشره في يوم 10 يناير 1960 في اليوم التالي لتحويل مجرى نهر النيل تنفيذا لمشروع السد العالي, أي في ذروة التألق الناصري, كان عنوان المقال (تحية له) لجمال عبدالناصر, قال فيه: (فرحت أمس لجمال عبدالناصر, لقد تحققت امامه الرؤى تعبر خياله وكأنها الاحلام البعيدة التي لا تلحق ولا تطال.. لقد التقى وجها لوجه مع الآمال التي طالما بشر بها ومع الأهداف التي طالما دعا اليها ومع الخطط التي رسمها للوصول بوطنه الى حيث يريد له, التقى بها وجها لوجه في أسوان, وكانت الآمال والأهداف والخطط قد أصبحت حقائق كبيرة يراها بعينيه ويراها شعبه معه وتراها الدنيا معه ومع شعبه. (طوال يوم امس ـ في اسوان ـ كانت عيناي عليه, وكانت فرحتي من قلبي, ما كان اصعب طريقه الى هذه الساعات التي عاشها امس في اسوان, ما أصعب الذي واجهه وما أشد الذي قاساه وما أثقل الذي حمله على كتفيه وصمد تحته لم ينوء به ولم يتململ وهو ثقل الجبال! ما اصعب الجهد الذي بذله وهو يحبس اسراره الكبرى في صدره ويربط عليه بأعصابه ويشد الرباط, ما أصعب الانفعالات التي تعرض لها وكيف استطاع ان يملك دقات قلبه خلال اللحظات الحاسمة التي غير بها مجرى التاريخ, كيف كانت دقات قلبه وهو يتخذ في الساعة الحادية عشرة من مساء 23 يوليو قراره الشهير بالمضي في تنفيذ الثورة كما وضع خطتها رغم ان امرها انكشف للذين كانت الثورة عليهم, واستغرق في فكره لحظة ثم قال: لم يعد مجال إلا للمضي في الثورة لقد بدأت العجلة تدور ولا يمكن ايقافها وبدأت الكتائب التي صنعت الثورة تخرج من معسكراتها وانهار النظام الملكي الذي قضى في مصر ما يقرب من قرن ونصف قرن يمكن لنفسه على أرضها ويحكم سيطرته على شعبها بكل طريق. كيف كانت دقات قلبه وهو واقف على بعد بضعة كيلومترات من قاعدة الاحتلال الكبرى في قناة السويس وفيها ثمانون ألفا مدججين بالسلاح ومدرعاتهم من حولهم وطائراتهم على مطاراتهم بالقرب منهم واسطولهم يملك السيطرة فيما يحيط بهم من بحار ثم يقف وهو يقول لشعب ضعيف اعزل: يجب ان يحمل الاستعمار عصاه على كاهله ويرحل او يقاتل حتى الموت دفاعا عن وجوده. كيف كانت دقات قلبه وهو جالس مع جون فوستر دالاس وزير خارجية الولايات المتحدة الامريكية ودالاس يومها صاحب السطوة في معسكر الغرب كله وقائد هذا المعسكر ومحركه واهم من هذا دالاس يومها صاحب فكرة الاحلاف العسكرية حول الاتحاد السوفييتي وصانعها نطاقاً من الفولاذ, ويطلب منه دالاس في ذلك اللقاء الاول والأخير بينهما سنة 1953 في دار السفارة الامريكية في القاهرة ان يقف مع الغرب وينضم لأحلافه ويقول له جمال عبدالناصر: ليس ذلك طريقنا, اننا نؤمن بعدم الانحياز. كيف كانت دقات قلبه وهو جالس مع أنتوني ايدن نائب رئيس وزراء ـ ونستون تشرشل ـ يومها وكان ذلك هو اللقاء الأول والاخير بينهما وكان التاريخ هو مارس 1953 ويطلب منه ايدن ان يمتنع عن مقاومة حلف بغداد ويكون الرد الذي يتلقاه ايدن: إننا سوف نمضي في مقاومة حلف بغداد الى نهاية المدى اننا نراه خطراً على وحدة القومية العربية ونراه دفعا بشعوبنا الى الحرب الباردة. كيف كانت دقات قلبه وهو يكظم الغيظ بعد غارة سنة .1955. ويقف غداة الغارة يخطب في الكلية الحربية ويقول: ان هذه الغارة على غزة نقطة تحول في تاريخ الشرق الاوسط. ثم لا يفصح بعدها, ثم يبدأ مفاوضات عقد صفقة السلاح المشهورة مع الاتحاد السوفييتي ثم يصل الى يوم القرار النهائي ويكتب برقية من كلمتين يسلمها عبدالحكيم عامر لتطير على الفور الى الوفد العسكري الذي كان يقوم بالمفاوضات سرا في براغ, والبرقية تقول: وقعوا الصفقة هذا وهو يعلم انه يعيش في جزيرة بها نفوذ الغرب من جميع نواحيها. كيف كانت دقات قلبه وهو يعطي تعليماته بالاعتراف بالصين الشعبية وكانت الصين تعيش يومها في شبه عزل صحي دفعتها اليه امريكا ولم تجسر على اختراقه دولة كبرى أو صغرى بعد حرب كوريا, ثم لم يكن له من رد على التهديد والوعيد سوى قوله: سياستنا مستقلة ونحن نرسمها في بلدنا ولا نتلقى الاوامر من الخارج. بورك فيك كيف كانت دقات قلبه ساعة أن اتخذ قراره بتأميم شركة قناة السويس ووقف امام حشد الجماهير الكبير في الاسكندرية ولم يكن قد مضى على انتخابه رئيساً للجمهورية سوى شهر واحد ـ يعلن هذا القرار وهو يعلم احتمالات الخطر الكامنة وراء إعلانه ويقول: لقد وقعت الآن هذا القرار.. قرار من رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس مادة واحد: تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية.. مادة اثنين.. وتقوم الدنيا كلها على اصابعها وتحبس انفاسها المبهورة وهو لم يفرغ بعد من باقي مواد القانون. كيف كانت دقات قلبه ليلة مؤامرة انسحاب المرشدين الأجانب من قناة السويس.. كيف كانت دقات قلبه ليلة اتخذ فيها قرار رفض الانذار البريطاني الفرنسي, كيف كانت دقات قلبه وهو يرى بعينيه من سطح منزله أول غارة لطائرات الكانبيرا البريطانية ـ قاذفات القنابل النفاثة ـ على عاصمة وطنه, كيف كانت دقات قلبه لحظة ان اتخذ قرار سحب الجيش من سيناء ليقف في جبهة واحدة مع الشعب لمواجهة العدوان الزاحف من جميع النواحي. كيف كانت دقات قلبه حين وقف على منبر الازهر الشريف ـ وصوته يجرحه الإجهاد والانفعال ـ ليعلن بنفسه للناس قرار الانسحاب ويشرح دوافعه, كيف كانت دقات قلبه وهو يطلب من الجيوش العربية التي ارادت التدخل في المعركة نصرة لشعبه ان تتريث وان تنتظر وألا تعرض نفسها لاحتمالات لا يعلم إلا الله مداها, كيف كانت دقات قلبه وهو يقرأ قوائم ضحايا المعركة وفيهم من ضباطها رفاق الفصل واصدقاء الشباب ورفاق السلاح والكفاح كيف كانت دقات قلبه وهو ساهر وحده ليالي المعركة ـ وما كان اطولها ـ يقود حربا عسكرية وسياسية وقف العالم بسببها على حافة الهاوية وتحركت من اجلها القنابل الذرية من مخازنها ورفعت قاذفات الصواريخ رؤوسها على قواعدها نحو السماء محملة بهول يهدد البشرية كلها بدمار لا يتصوره ولا يحيط به خيال, كيف كانت دقات قلبه بعد المعركة وهم يطلقون على شعبه وحوش الجوع لتحقق ما فشلت وحوش الحرب في تحقيقه كيف كانت دقات قلبه ومحاولات عزل وطنه عن باقي الشعوب العربية تضع الخناجر وراء ظهره في أيدي الذين كان يجب أن يكونوا معه ثم اغراهم العدوان ان يكونوا عليه. (كيف كانت دقات قلبه ساعة الوحدة الكبرى, كيف كانت دقات قلبه لحظة ان اذاع من على المدمرة الناصرة قراره (بأن أي عدوان على ثورة العراق وعلى الجمهورية العراقية الوليدة هو عدوان على الجمهورية العربية المتحدة) وكانت الاساطيل تملأ البحر وشواطئه والطائرات تغطي وجه السماء وتلقي جنودها بالمظلات وهو نفسه بعيد عن الوطن والبحار, والاراضي التي يسيطر عليها العدو تفصل بينه وبين هذا الوطن. (كيف كانت دقات قلبه وهو يحدد خط الوطنية وخط القومية العربية ويكشف مواضع الانحراف ومواطن الزلل ويبدأ في مواجهة معركة عنيفة جديدة ضد الاخطار التي راحت تهدد وحدة العرب وطريقهم ومستقبلهم. وسألت نفسي وعيوني عليه في أسوان امس كيف كانت دقات قلبه الآن في هذه اللحظات وهي يضغط على زر فتنفجر شحنة ضخمة من الديناميت تمزق من قلب الجبل عشرين الف طن من الصخور ايذانا ببدء العمل في بناء السد العالي, ثم وهو يضغط على زر آخر فتنطلق شرارة تشد بعدها طاقة من الكهرباء تصل قوتها الى عشرة مليارات كيلووات من مشروع كهربة خزان اسوان, ثم وهو يقص شريطا من الحرير يدخل بعده مصنع السماد الجديد .. اضخم المشروعات الصناعية وأكبرها, ثم وهو يفتتح المطارات النفاثة في اسوان والشوارع العريضة التي انطلقت وسط الجبال والمدن الجديدة التي قامت وسط الصخور والرمال. (فرحت له من قلبي, لقد أتاحت الاقدار مالم تتحه لغيره من صانعي التاريخ وواتته الفرصة لكي يرى في الواقع ما كان يراه في الرؤى كالأحلام, اي عزاء, اي عزاء للأعصاب التي تحملت ثقل الجبال, اي عزاء للشباب الذي انقضت ايامه ولياليه في السهر والعمل والتفاني. اي عزاء للشعر الذي استحال الى بياض الثلج على القمة الشاهقة.. يا أبا خالد.. يا أبا شعبك.. بورك لك.. وبورك فيك) . الـهـوامـش: (1) هيكل: مقال (بصراحة) المنشور في (الاهرام) في 25 مايو 1962 بعنوان (الامة ودورها في صنع البطل ودور البطل في حياتها) . (2) هيكل: كتاب (السلام المستحيل والديمقراطية الغائبة) ـ مرجع سبق الاشارة اليه وقد كان هذا المرجع هو المصدر الاساسي في تفسير ايمان هيكل بنظرية الفرد التاريخية.