قد لا ينقضي اكتوبر الجاري دون ان تتشكل (حكومة وحدة وطنية) لتجسيد تضامن الشعب الاسرائيلي بمختلف توجهات احزابه, يمينا ويسارا, في مواجهة الفوران الفلسطيني. فهل نأمل ان يبادر الرئيس عرفات الى الرد بالمثل بتوحيد الفصائل الوطنية الفلسطينية؟ ان مشكلة الرئيس عرفات هي ان نشاطه السياسي الخارجي يطغى على ادائه الداخلي سواء كحاكم او كزعيم شعبي وكأنه يثق في قوى خارجية اكثر مما يثق في القوى الوطنية الداخلية التي يفترض ان يكون رمزا سياسيا لها. لقد بدأ بالفعل الاتصالات والمشاورات بين القادة في الساحة السياسية الاسرائيلية حول فكرة الحكومة القومية الائتلافية.. وهي اتصالات ومشاورات ابتدرها ايهود باراك بصفته رئيس (حزب العمل) الحاكم مع قادة (الليكود) الحزب الكبير الآخر الذي يتزعم المعارضة. وهنا نصادف مفارقة جدير بالقيادة الفلسطينية ان تتوقف عندها لتتأمل مغزاها العميق. فرئيس الحكومة الاسرائىلية الذي يدعو الآن حزب (الليكود) للمشاركة في الحكم هو نفسه الذي اتهم ذلك الحزب بأنه المتسبب في اشعال الغضب الفلسطيني العارم الذي تطور الى مستوى انتفاضة التحمت فيها قوات الشرطة الفلسطينية مع جماهير الشارع. فالمعلوم ان باراك انتقد تلك الزيارة الاستفزازية التي قام بها الزعيم الليكودي ارييل شارون الى الحرم القدسي الشريف. فالزيارة كانت الشرارة التي اشعلت الانتفاضة.. وبدا وكأن باراك يحمل قادة الليكود مسئولية تفجير الغضب الجماهيري الفلسطيني. والمغزى الذي يجب ان تتأمله القيادة الفلسطينية هو ان القادة الاسرائيليين يتوافر لديهم الاستعداد لتناسي الخصومات الحزبية عند حلول ظرف خارجي خطير فيتداعون الى توحيد الصف في مواجهة الخطر الخارجي. وها هو (العمالي) باراك يتشاور مع الليكود لتشكيل جبهة حكم موحدة ضد الانتفاضة الفلسطينية وتداعياتها. لقد كان سر نجاح الانتفاضة الاولى التي اشتعلت عند اواخر عقد الثمانينيات هو انه كان لها قيادة موحدة تتمثل فيها كل الفصائل الوطنية على اختلاف توجهاتها السياسية. حينئذ كانت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة عرفات خارج الارض المحتلة. ومن مقرها الخارجي في تونس كان قادة المنظمة ينظرون الى القيادة الموحدة في الداخل بعين الارتياب تخوفا من انها قد تكون قيادة منافسة. الآن, وبعد انتقال عرفات وقيادة المنظمة الى الداخل كسلطة حكم ذاتي فإن المفترض نظريا انه لم يعد هناك مبرر للشك في تنظيمات الداخل. لكن ارتكان الرئيس عرفات الى النشاط الخارجي مع تجاهل الساحة الداخلية يوحي وكأن الرئيس الفلسطيني لا يزال يفقد الثقة في القوى السياسية داخل الارض المحتلة. ان المناخ السياسي الجديد الذي افرزته الانتفاضة الحالية يتطلب نظرة جديدة اذا كان المراد للانتفاضة ان تتواصل الى ان تفرض نفوذها على التفكير السياسي الاسرائيلي. وتتطلب النظرة الجديدة اول ما تتطلب مبادرة من القيادة الفلسطينية الرسمية صوب كافة الفصائل الوطنية الداخلية تهدف الى توحيد الصف الوطني في مواجهة الجبهة الاسرائيلية المرتقبة.. وإلا فإن القيادة الفلسطينية الراهنة قد تجد نفسها معرضة لمخاطرة جسيمة لا يمكن التنبؤ بنتائجها.