فى هذه اللحظة شعرت أن مساحة الآلام أكبر من مساحة الكلام, وأن كل ما يصل إلى سن القلم هو ذروة العدم, لا ينفع بعده الندم, أحسست أن كل ما نكتبه فى هذا الزمن الشحيح هو كلمات جوفاء من صفيح, وأن كل ما يقال عن السلام هو حطام فى حطام, فهو فى النهاية شئنا أم أبينا قبر من رخام. فى هذه اللحظة كان رامي الدرة ينكمش فى حضن أبيه وقد اتسعت عيناه من الرعب والفزع, طارت من عينيه كل عصافير الحنان, والأمان, مرت عليه هذه اللحظة وكأنها دهر من الزمان, لكن, كان رصاص جنود الاحتلال الاسرائيلى المنهمر كالمطر يطارده من جميع الجهات, فلم تسعفه ذاكرته الصغيرة بآية واحدة من الآيات, فكان أن قتل قبل أن تصل إليه لإنقاذه معجزة من المعجزات, فى أرض عاشت على النبؤات والمعجزات, وإن سيطرت عليها فى النهاية أجهزة المخابرات. تخشبت أصابعه على ثياب أبيه المتواضعة, قميص من القطن, وبنطلون جينز, وحذاء كاوتش, أما هو فقد طارت مريلة المدرسة التى كان يرتديها بعد أن فقدها وهو يجرى فى زحام يوم الحشر هو وأبيه بحثا عن جدار يحميهما, وطارت مع المريلة حقيبة الكتب والكراريس المدرسية, داستها أحذية الإسرائيليين الثقيلة, الغليظة, وفى السماء التى صعد إليها رامي الدرة وجد كراسة الرسم وقد سبقته الى هناك, كانت مفتوحة على الصفحة الوحيدة المستعملة وكان على هذه الصفحة صورة حمامة بيضاء مشنوقة على جدار المسجد الأقصى, وتسيل منها دماء اختلطت بآبار الماء, وراح الجميع يشرب منها. كان آخر ما قالته المعلمة له فى الفصل قبل أن تشتعل النيران فى الأرض المقدسة أن الحب يذيب كراهية الحرب, وأن على كل أطفال الدنيا أن يصلوا قبل النوم لينتقل السلام من فوق فوهات المدافع ليستقر فوق سنابل القمح, وأن على كل أطفال الدنيا أن يرسموا بطاقات معايدة ملونة عليها شموع وأجراس وكرات ثلج وزهور وملائكة, ولم يتخيل رامي الدرة صورة الملائكة فلم يرسمها, لكن, لم تمر سوى ساعات قليلة على هذا الدرس حتى وجد نفسه فى السماء مع الملائكة, تعرف عليها وجها لوجه, وراحت تعلمه حروف جديدة للهجاء, وخطوطا مختلفة للرسم, وطرقا لم يطرقها من قبل للتعبير. على أن ما كان يحيره فى هذه اللحظة هو أنه لا يعرف ما الذى يجري من حوله؟, ما الذى أشعل كل هذا الغضب؟, لماذا يفتح الاسرائيليون النار عشوائيا على كل ما يصادفهم؟, ما الذى فعله ليعاقب عليه بالموت؟, لماذا لم يكن حضن أبيه الذى لجأ إليه فى هذه الشدة قادرا على حمايته من الرصاص الذى اخترق جسده وتسلل الى قلبه وفجر الدماء فى عروقه فكومه قتيلا فى حجر أبيه وقد غطى وجهه بيديه حتى لا يغادر الدنيا على هذه البشاعة؟ لم يعرف رامي الدرة أن كل ما جرى كان سببه تهور جنرال فقد احدى خصيتيه فى حرب عام 1948 فأصبح عدوانيا على طريقة فرويد, هو أرييل شارون, لم يعرف أن أرييل شارون انتهك حرمة المسجد الأقصى, ولم يفرق بينه وبين ديسكوتيك (ذى أندر جروند) الذى يتفجر بموسيقى (الهيب هوب) الصاخبة فى القدس الغربية حيث يعيش الإسرائيليون, وانه داس على لغم من البارود المشحون بالصلوات والآيات, وقدم دليلا لكل الذين أرادوا انتزاع القدس من العرب أن من يلمس حجرا من أحجارها سيغرق المنطقة بسيول من دماء, وجسور من جثث المؤمنين والشهداء, وسيفجر زلزالا يهدد بالفناء. لم يعرف رامي الدرة أن مساحة هذا اللغم تمتد فى دائرة قطرها نصف كيلو مترا, تقع فيها أماكن مقدسة للأديان السماوية الثلاثة, المسجد الأقصى ثالث الحرمين للمسلمين, حيث عرج النبى محمد عليه الصلاة والسلام منه الى السماء, وكنيسة القيامة للمسيحيين, حيث صعد منها المسيح الى السماء, وحائطي المبكى لليهود, أو الجدار الغربى للمسجد الأقصى, حيث يصلون وهم يبكون بحرقة, ويخبطون جباههم فى الحجارة, ويدسون بعض الأدعية فى شقوقه. لم يعرف أن اليهود يريدون هدم المسجد الأقصى لأنهم يعتقدون أنه بنى على أنقاض هيكل سليمان الذى هدمه الرومان قبل 13 قرنا فى العام 70 بعد ميلاد المسيح,وهى خرافة تاريخية تحولت بفعل الإلحاح والتزوير الى حقيقة وثنية, فالمسجد الأقصى بنى على أنقاض قصر الملك هيرود الذى رقصت له ابنة زوجته سالومى عارية, فأتى لها برأس يوحنا المعمدان على طبق من فضة مقابل ذلك. لم يعرف رامي الدرة ذلك كله وغيره, لم يتعلمه فى المدرسة, فكيف يدفع حياته ثمنا لشئ لا يعرفه ولم يتعلمه؟, إنه قتل بالمجان, قتل بلا ثمن, بلا مقابل, جريمة من النوع الثقيل, لا يركتبها سوى أشد الناس همجية, ووحشية, فموت طفل صغير هو موت لكل الأشياء الجميلة, العصافير الخضراء, الزهور الصفراء, البحار الزرقاء, أوراق القص واللزق الملونة على طريقة قوس قزح, هو موت للبراءة, والدهشة, وشموع الليل, وسنابل القمح الحبلى بالخير والحياة, هو سقوط سقف معبد أو كنيسة أو مسجد فوق رؤوس المصليين. إن كل ما عرفه رامي الدرة كان يؤهله للحياة, ولا يضعه فريسة تحت أقدام المماليك, أو بين أسنان الصعاليك, كان قد عرف من مدرسة اللغة العربية أن القدس كانت تسمى فى قديم الزمان, قرية السلام, أو أور سالم, فأور تعنى قرية, وسالم تعنى سلام, وقد حرفت الكلمة إلى (أورساليم) ثم أصبحت (أورشاليم), ثم تغيرت التسمية بعد أن فتحها المسلمون لتصبح بيت المقدس, أى بيت التطهر, أو البيت المطهر من الذنوب, وبمرور الوقت استقر الاسم عند كلمة القدس. لكن المدينة التى يحمل اسمها السلام لم تعرف أبدا السلام, لم تعرف سوى القتل والدمار والخراب, وكان كل الذين فعلوا ذلك بها يرفعون السيف فى يد, وكتاب الله فى يد أخرى, فليس هناك مؤمن واحد على ظهر الأرض لا يعتقد أن القدس هى مركز الكون وقلب الدنيا وعاصمة الوجود, فهناك من يقول أن القدس كانت النقطة التى جمع منها الله التراب الذى صاغ به آدم, وهناك من يعتقد أنها الموقع الذى قتل فيه قابيل شقيقه هابيل وسالت عليه أول دماء البشرية, وهنال من يعتقد أنها المكان الذى وافق فيه ابراهيم على التضحية بابنه اسحق تنفيذا لمشيئة الرب, وفى الكتاب المقدس, (هذه أورشاليم أقمتها فى وسط الشعوب ومن حولها الأرض, وفى الكتاب المقدس, (إذا نسيتك ياأورشاليم تنسانى يمينى ليلتصق لساني بحلقى إذا لم أتذكرك إن لم أفضل أورشاليم على أعظم أفراخى), وأمام حائط المبكى يقول اليهود فى صلواتهم: (من أجل الهيكل العظيم نقف بذلة وننوح) من أجل أسوار هذه المدينة نقف بذلة وننوح من أجل مملكتنا التى بادت نقف بذلة وننوح), لكن, الشريعة اليهودية (أو الهلاخا) تصر على أن البشر ليسوا مطهرين بما فيه الكفاية كى يطأوا جبل الهيكل, ومن ثم لا يمكن لليهود أن يدخلوا القدس الا بعد أن يأتى المسيح المخلص, وليس قبل ذلك, بل ويصر المتدينون اليهود على أن الصلاة أمام حائط المبكى المسمى الحائط الصغير (أو كوتيل هاكتان) هو شرك بالله ووثنية وخطيئة لا يمكن غفرانها, يصر المتدينون اليهود على أن هذه الصلاة هى نوعا من الرقص (الحرام) لا يختلف كثيرا عن الرقص فى الملاهى وعلب الليل وأوكار الشيطان. وعرف رامي الدرة من معلمة التاريخ التى ولدت فى القدس وتنتمى الى عائلة نسيبه العريقة أن عمر بن الخطاب عندما فتح القدس فى عام 386 ميلادية حافظ على الكنائس والمعابد, (لكم دينكم ولى دينى), وأنه سلم جدها الأكبر مفاتيح كنيسة القيامة لتتولى عائلته وعائلة جودة فتح أبواب الكنيسة وإغلاقها, وهو تقليد لا يزال ساريا حتى الآن, ولم ينقطع الا فى زمن الحروب الصليبية, ولا تقبل الطوائف المسيحية بديلا عن ذلك, وترفض أن تكون المفاتيح فى يد طائفة منها, كانت المعلمة تعطى للصغار درسا فى التسامح الدينى, لكنها لم تكن تدرك أن هذا الدرس سيكون أحد ضحاياه أحد تلاميذها. ولابد أن المعلمة التى شاهدت دموعها تختلط بكلماتها على شاشة قناة الفضائية بعد مصرع رامي الدرة لم تتوقف عن وصف القدس التى عاشت فيها طفولتها حتى وجدت نفسها (بقرار من رئيس البلدية أيهود بالمرات) مبعدة عنها, لابد أنها وصفت البوابات العشر لسور المدينة الذى تهدم, لابد أنها دخلت معهم بوصفها الساحر الى المسجد الأقصى من بوابة المغاربة, لابد أنها طلبت منهم أن يركزوا عقولهم معها وهى تقول لهم أن المسجد الأقصى طوله 1000 ذراع وعرضه 36 ذراعا, وقبته مزينة بالفصوص الملونة, وكان له 8 بوابات, وفيه 45 عمودا من الرخام و11 عمودا من الحجر. وفيه ما يزيد عن 100 نافذة من الزجاج الملون, وأرضية المسجد مفروشة ببسط يدوية فاخرة نزعت من مكانها عندما استولى الصليبيون على القدس, ونصبوا بدلا منها مقاعد, وحولوا المكان الى مقر لقيادة فرسان المعبد, وخارج المسجد على بعد أمتار يوجد مكان للوضوء تتدفق منه المياه باستمرار من خزانات تحت الأرض, وبالقرب منه تقع قبة الصخرة, وهى عبارة عن حجر كبير مرتفع, غير مستو, يصل ارتفاعها الى 51 ذراعا, وهى موضوعة على 12 عمودا من الرخام, انها تحفة ثمانية الشكل مزينة بالقيشانى الأزرق والأخضر الذى يبرق فى الشمس الساطعة بريقا متناسقا يخطف العقول, ويعتقد كل سكان القدس أن هذه الصخرة هى حجر الأساس الذى بنى عليه الكون, وهى سابقة على كل الأديان وإن تحولت الى مسجد فى عهد الخليفة الأموى عبدالملك بن مروان فى عام 685 ميلادية, وليس صحيحا كما هو شائع أن الذى بناه عمر بن الخطاب. لكن, القدس بالنسبة لرامي وزملائه فى الفصل كانت على قول المعلمة تعنى شيئا آخر مختلف تماما, كانوا يحلمون بدخول القدس القديمة عبر بوابة الخليل الصغيرة والمهملة (والذى يعتقد المسلمون أنها ستكون ممرا الى السماء يوم القيامة). ثم يسيرون فى الطرقات والأزقة والأسواق المغطاة المسقفة التى تبيع زيت الزيتون والصابون والفاكهة المجففة والمشغولات الذهبية والمنسوجات الحريرية, ليشموا رائحة البخور والعطور. وليستسلموا لقطعة حلوى شرقية مصنوعة من خيوط الكنافة الهشة والمبطنة بالجبن والغارقة فى العسل, لم يكن رامي الدرة ورفاقه فى السن التى يهتمون فيها بأكثر من مداعبة بائعى المسابح والتحف القديمة, وربما توقفوا قليلا ليستمعوا لأغانى أم كلثوم التى تذاع عبر مكبرات الصوت ناشرة الحب المفقود فى المكان, مضيفة عليه هويته العربية العريقة. أو ربما استوقفهم صوت فيروز وهى تغنى للقدس, الأغنية التى ساهمت فى الحفاظ على الهوية العربية للمدينة, (عيوننا إليك ترحل كل يوم, تدور فى أورقة المعابد, تعانق المساجد القديمة, وتمسح الحزن عن المساجد), (ياليلة الاسراء, يادرب من مروا الى السماء, عيوننا إليك ترحل كل يوم, واننى أصلى), (الطفل فى المغارة, وأمه مريم وجهان يبكيان, يبكيان). لم يكن هؤلاء التلاميذ الصغار فى السن يهتمون فيها بمعرفة التاريخ الدامي الذى يمشون فى طرقاته, ويرونه على الجدران, ويشمونه فى الهواء الثقيل بالقلق والتوتر, فمنذ أن احتلت اسرائيل القدس بعد حرب يونيو 1967 جرت عشرات المحاولات اليهودية المتعصبة للتخلص من المسجد الأقصى, فى عام 1968 أحرقت اسرائيل جزءا منه, وبداية من عام 1970 حفرت حوله وتحته بحجة البحث عن آثار يهودية, وفى عام 1982 أطلق مجند فى الجيش الإسرائيلى النار على المصلين فيه, لم يهتم هؤلاء الصغار بهذا التاريخ القريب, فنصيبهم من الأحزان قادم, ونصيبهم من القنابل المسيلة للدموع لا مفر منه, ونصيبهم من الموت أيضا, وقد قتل واحد منهم, قبل أن يحقق حلمه البسيط المتواضع, أن يلعب (الاستغماية) فى أزقة القدس المتعرجة, وأن يأكل الكنافة بالقشدة, فهل نخرج إلى قبره ونحن نحمل له قطعة مما كان يحلم؟, ولو أن ذلك أسعده فكيف نحقق له حلمه الآخر, لعبة الاستغماية فى شوارع القدس العتيقة؟ على أن الحلم الكبير لرامي الدرة كان التلفزيون, كان يجلس أمامه مشدودا, مشدوها, مسحورا, كان على حد قول زملائه فى الحي لنفس القناة الفضائية التى تحدثت من خلالها معلمته يهوى التصوير, لكنه لم يكن يملك كاميرا. كان قد حصل على وعد من والده بشراء كاميرا له فى الصيف الماضى لو نجح فى الامتحان بتفوق, ونجح فى الامتحان بتفوق, لكن ظروف المعيشة الصعبة أجلت شراء الكاميرا: إلى أن يأتى فرج السماء, فكان أن صنع كاميرا من الورق وراح وهو يلعب بها يتقمص شخصية المصور التلفزيونى المحترف, دون أن يدرى أنه فى الحقيقة لن يملك كاميرا تصوير تلفزيونية, ولن يضغط على زر تشغيلها, وإن كان سيكون هدفا لها, وصورة متحركة على شريط فيديو من شرائطها, فقد نجح مصور لاحدى الوكالات هو طلال أبورامة أن يصور فيلما مفزعا لرامي وأبيه جمال وهما منكمشين لمدة ساعة الا ربع الساعة خلف الكتلة الأسمنتية يحاولا الاحتماء بها من نيران وصواريخ القوات الإسرائيلية بالقرب من مستوطنة نتساريم اليهودية فى قطاع غزة, ولم يستطع أحد التدخل لشدة كثافة النيران لانقاذهما, وقد كان مصير سائق سيارة الاسعاف الذى تجرأ واقتحم المكان الاستشهاد قبل أن يصل إليهما. كان رامي الدرة يحلم بأن يكون مصورا, لكن, قسوة الاحتلال الإسرائيلى, وضعف الارادة العربية جعلاه فى النهاية مجرد صورة صحفية وتلفزيونية, صحيح أنها صورة مثيرة, وصحيح أنها نشرت وبثت فى كل صحف وتلفزيونات الدنيا, وصحيح أنها حرقت القلوب وحركت الضمائر, لكنها فى النهاية مجرد صورة, خالية من الحياة, وخالية من نبض وحركة وشقاوة وبراءة وأحلام بطلها الصغير, رامي جمال الدرة, ويا أطفال العالم اتحدوا, اتحدوا لتواجهوا كل أعداء الحياة الذين لا يكتفون بخطف علب الحليب وإنما يسرقون الدماء من الشرايين ويمصونها قبل الصلاة وبعدها.