غالبا ما نلوذ بالظواهر الصوتية التي تطلقها هذه المحطة الاعلامية او تلك, دون ان ننتظر برهة عن خلفية ما يقال, وعن الفعل او ردة الفعل المقابلة حيادا عن الطرف الذي يقوم بها, عدوا كان ام صديقا. فمنذ ان عقد مؤتمر مدريد, رغم ما يقال عن الوضوح كالذي عقد ذاك المؤتمر على اساسه, فقد اسقطت الكثير من الخيارات, وهنا لا اقصد خيار القوة وحسب, بل اقصد الخيارات السياسية عامة وما يقع على جنباتها. ولعل السبب من وراء ذلك اوضح من ان يعرف, فقد ظنت القوى المشاركة, ان ثمة عدالة وقوانين واعرافا دولية قادرة على إلزام طرفي الصراع المهزوم والرابح, بحرفيتها وبروح نصوصها التي تم التوافق عليها عبر المؤسسات الدولية المتعارف عليها, مثل مجلس الامن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة. والغريب بالأمر ان الطرف العربي والفلسطيني على حد سواء, قد ظنا انه في ظل انهيار التوازن الدولي واختلال المعايير وحالة الانكسار العربي اثر حرب الخليج الثانية, بأن ثمة امكانات للحصول على تسوية متوازنة قد ترجع لهم جزءا كبيرا من حقوقهم المغتصبة, وأنه رغم التجربة المريرة والتسويف الذي لا يزال يزفهم من حافة خطرة الى حافة اخطر من سابقتها, ولا تزال هذه القوى موغلة بالتفاؤل وبتقديم الوعود الوردية لشعوبها في امكانية تقديم تسوية تنهي الصراع العربي ـ الصهيوني, ليحل الرخاء والامن والاستقرار في ربوع منطقتنا العربية. فالمسألة ليست امنية تقودنا الى تحقيق هذا الحلم او ذاك, بقدر ما هي تعبير عن ارادة خارجية منحازة لا تقيم للحق شأنا, وعامل ذاتي مهلهل يئن من حالة المرض المزمن, الذي يتطلب بعض حالات استئصال لبعض البؤر الانتانية التي تبقي على ديمومة هذه الامراض, والتي لسنا بمعرض التطرق لها في هذا المقام بالذات, لمجموعة من الاسباب التي لن تسعفنا في ان نرى النور من خلاله. وبعيدا عن روح الخطابة او الشعر المقفى والكلام المعسول, فقد دخلنا نحن العرب جميعا في مراهنات خاسرة على التسوية المرسمة بمنطوق امريكي ـ اسرائيلي, تتكىء في حقيقتها الى وحدة الخلفيات والاهداف دون ان نعي للحظة ان الرابط الذي يقوم عليه هذا التحالف قد يتجاوز الرابط العربي ـ العربي الراهن, رغم قوته واصالته. فبداية رضي الطرف الفلسطيني ان يذهب الى مدريد ضمن الوفد الاردني, وهذا كان مقصودا ومخططا له من قبل الولايات المتحدة واسرائيل, من اجل نقل الحالة الصراعية الى داخل الصف الواحد, واحداث حالة من السجال الذي بالضرورة سيؤدي الى حالة من الفرقة بوحدة الموقف المنشود. واذا اخفقوا في تحقيق ذلك الامر فسيصبح من جهة ثانية, البحث عن الهوية والخصوصية الوطنية في التسوية التي اطلقت شعلتها مدريد, هدفا بل ومطلبا يجب الذود عنه بكل الامكانيات المتاحة, بما في ذلك فتح الحروب الكلامية التي اذا ما بدأت لن تنتهي. المهم بالأمر ان الطرف الامريكي ـ الاسرائيلي نجح في فض العلاقة التي ظهرت في صيغة الوفد المشترك الاردني ـ الفلسطيني, وجر الفلسطينيين الى طاولة تفاوض اوسلو والتي اقل ما يقال عنها انها طاولة هجينه, لا ترقى الى مستوى ما وصلت اليه الانتفاضة الفلسطينية التي استمرت على مدار ما يقارب من سبع سنوات وتجاوزت في أدائها وفعلها وحجم تضحياتها القرارات التي عقدت التسوية على اساسها واستغل امكانيات الطرف التفاوضي الفلسطيني, الذي لم يجرب يوما الجلوس على طاولة التفاوض, وأرسى اسسا جديدة للتفاوض, بحيث ما خرجت به الجلسات الماراثونية التفاوضية, لم تحسم بندا او نقطة مما هو مطروح بل ابقت كل الخيارات مفتوحة لصالح الطرف الاقوى في المعادلة المختلفة اصلا, للتحوير والتسويف والتحريف الذي طال بدوره مفهوم قراري مجلس الامن الدولي 242 و338 وغيب جملة القرارات التي اتخذتها الهيئات الدولية المتعلقة بالصراع العربي ـ الصهيوني, والتي تصب في مصلحة الشعب الفلسطيني, مثل القرار 181 الخاص بالدولة الفلسطينية والقرار 194 الخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم التي طردوا منها. ولعلنا ننطلق من هذا الامر لمجرد تبيان الحقائق, ففي البند المتعلق بقضية القدس والمدرج باتفاقيات اوسلو, لم تطرح القضية على اساس من الانسحاب الاسرائىلي من القدس, وانها عاصمة للدولة الفلسطينية, بل الذي طرح ان تتولى السلطة الفلسطينية, الاشراف على ما يعادل 200000 فلسطيني يقيمون في القدس الشرقية وتسيير شئونهم على المستوى الاداري ـ الخدماتي, ومكتب داخل الحرم القدسي لرئيس السلطة اشبه بمكتب حجيج يفتقد الى الصفة السياسية, مع بقاء بيت الشرق على حاله, ودون ان يأخذ صيغة سياسية فلسطينية هو الآخر. وهذه القضية نجح الجانب الاسرائيلي في ايقاع الجانب الفلسطيني غير المتمرس, في هذه الخطيئة الكبرى, وجرى تمريرها من خلال ان اتفاقيات اوسلو, كاتفاقية مرحلية تؤسس لاتفاقية اطار واتفاقية نهائية, دون ان يدرك الطرف الفلسطيني ان كل ما يمكن ان يصاغ لاحقا ضرورة وجوب ارتكازه على الاتفاقية التي وقعت وان بنودها ملزمة للطرفين, وبعد ان تكشف للطرف الفلسطيني وهذا كلام بين الكواليس للقيادات الفلسطينية, مدى الغبن الذي اوقع نفسه فيه المفاوض الفلسطيني, جاءت وثيقة أبو مازن ـ بيلين, الذي يحاول أبو مازن التملص منها على شاشات التلفزة العربية, علها تنقذ الموقف شيئا ما, فقد حددت هذه المرة العاصمة الفلسطينية, والتي وقع الخيار على ابو ديس القرية التي كانت مشمولة بإعادة الانتشار قبل توقيع هذه الوثيقة والتي تعتبر جزءا من قرى الضفة الغربية وليست جزءا من احياء القدس الشرقية, كما جرى تسويقها وبالخطأ نفسه وقع السيد أبو مازن, فلم يطرح في وثيقته الا حرية زيارة القدس والحجيج, وأكد على الاشراف الفلسطيني مرة ثانية على الاحياء العربية في القدس, واسقط هو الآخر قضية الحق السيادي على القدس الشرقية. كما تجاهلت هذه الوثيقة الاستيطان واللاجئين ومن الملفت انه بعد توقيع زعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات ورئيس حكومة اسرائىل اسحق رابين عام 1993 اتفاق اوسلو, عقد ممثلون لهما كان ابرزهم (أبو مازن) الرجل الثاني في السلطة الفلسطينية ويوسي بيلين احد كبار مساعدي شيمون بيريز ورابين, واجتماعات غير رسمية عدة في اوروبا حضرها امريكيون ونروجيون وربما فرنسيون حاولوا خلالها التوصل الى حل نهائي للأراضي الفلسطينية المحتلة وتحديدا الضفة الغربية وللمشكلة الفلسطينية برمتها معتبرين ان اتفاق اوسلو سائر نحو التنفيذ وان مصلحة الفريقين تقتضي الاعداد للمفاوضات الرسمية حول الحل النهائي بحيث تكون مثمرة ولا توقف الزخم السلمي الذي اطلقه اوسلو, وقد اسفرت الاجتماعات المذكورة عن وثيقة ـ مسودة اذا جازت تسميتها على هذا النحو, سميت اتفاق أبو مازن ـ بيلين وحازت موافقة غير رسمية, او بالأحرى مبدئية من الرئيس ياسر عرفات لاعتباره اياها اساسا حاسما لبدء مفاوضات الحل النهائي. كما حازت موافقة اسحاق رابين رئيس الحكومة الاسرائيلية آنذاك للاعتبار نفسه وربما لاعتبارات اخرى اهمها انها راعت كثيرا المطالب الاسرائيلية الفعلية وكيفت المواقف الفلسطينية بحيث تتلاءم معها. اي ان عامل الحسم والمبادرة بشأن اية خطوة تفاوضية, انتقلت الى الطرف الاسرائيلي من خلال وثائق موقعة, وبدأ بعدها الطرف الفلسطيني يتلمس الفاجعة الكبرى التي ألمت به, خاصة عندما بدأ يفكر باتفاقية الاطار والاتفاقية النهائية التي تنهي الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي, واشكالية الاتفاقيات المبدئية التي ضيعت عليه روح النصوص والقوانين الدولية واخذت الامور منحى جديدا غير الذي تصوره المفاوض الفلسطيني. وقد ظهرت المفارقات الكبرى في كامب ديفيد 2000 عندما وجد ان كل الصياغات الامريكية زاوجت بين اتفاقية اوسلو وبين وثيقة أبو مازن ـ بيلين. ولعل هذا الكلام ليس اتهاما للسلطة الفلسطينية بقدر ما هي معلومات ومصادر من اصحاب القرار وانه عندما حاول الرئيس عرفات التمسك بالقرار 242 والقرار 194 القاضي بعودة اللاجئين, اعتبر الجانب الاسرائيلي ان هذه المطالب خروج عن كل الاتفاقيات والتفاهمات الموقعة, حتى وصل الطرف الفلسطيني الى حالة من الضعف والوهن. لكن ومن حسن الحظ ان محاولات الجانب الاسرائيلي في تخفيض المطالب الفلسطينية التي ادرجت حتى في اتفاقية اوسلو ووثيقة او مازن بيلين قد اججت الصراع على الارض واخرجت الجانب الفلسطيني من المحنة الكبرى التي لن يقوى على تجاوزها لولا زيارة شارون الى الاقصى. واعادت الاعتبار الى القدس هذه المرة ومن خلال الدم الفلسطيني النازف لقضية القدس وما تمثل في ضمائر العرب والمسلمين حتى على المستوى الدولي. لكن السؤال هل سيتعظ الطرف الفلسطيني, في خطواته التفاوضية المقبلة ان كتب لها ان تعود بأن يستجلب متخصصين وقانونيين خاصين لهم علاقة مباشرة بالقانون الدولي؟ وهل سيتعظ ايضا في ان الصفة القانونية غالبا ما تكون اقوى من السياسة التمثيلية؟ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق