القدس ملء السمع والبصر, وفتية الأقصى رموز رجولة وتضحية في زمن عزَّ فيه وجود الرجال! حتى كدنا نيأس, واندثرت فينا أساطير التضحية حتى أصابنا القحط, لكنهم أقمار الليل أبدا, وشموس النهار الجميلة, وطيور الشهادة الخضراء, إنهم أملنا الأخير. ولأن الزمن في هذه الأيام زمنهم, ولأنه زمن مفتوح للأقصى على هواء العالم مباشرة, ولان الأخبار الرئيسية تقتات من دمائهم وصور جنازاتهم, لانهم وحدهم الحكاية والأسطورة والمجد, والهوية, وماء الطهارة من نجاسة الخذلان, ومن هذا الانحناء الذي طال أكثر من اللازم, لكل هذا نسأل: أما آن لسلطة أبي عمار أن تفهم ان التفاوض مع اسرائيل برعاية وكيلها المعتمد الولايات المتحدة ليس سوى زرع في قلب العاصفة وحرث في عمق البحر.. طالما ان التفاوض لم يعتمد الركائز التي لأجلها يتدفق هذا النجيع الطاهر في جنبات الأرض المحتلة. يا أبا عمار.. أيها المناضل القديم الذي نسف ميثاقه ورش الماء على حبر التاريخ بجرة توقيع, وارتاح إلى مظاهر الرئاسة الكاذبة والطائرات المحلقة والسيارات المرسيدس الفخمة.. يا أبا عمار أما زلت تفاوض على ركائز القرار 242 بالانسحاب من كافة أراضي الضفة الغربية وغزة بما فيها القدس؟ أما زلت تتذكر ان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس خط أحمر لا يمكن المساومة عليه, أم أن صرخات أولبرايت اليهودية قد أرعبتك حد فقدان الذاكرة؟! إذا كنت وطاقمك ومناضلوك القدامى, ومستشاروك وحرسك الخاص قد نسيتم, فإن للقضية فتية ـ رجال يحمونها بدمائهم, ويرفعون علم دولتهم على قبة الصخرة وسط أكثر الاجراءات الأمنية تشددا وارهابا, كان بودهم لو لم تذهب يا أبا عمار لتجلس مع رجال العصابات ووكيلهم المعتمد لتتفاوض ولتساوم على الدماء وقوافل الشهداء, فلا يعني باراك وشعبه مليون شهيد فلسطيني, ولا يهم باراك والحكومة الأمريكية كل هذه الزهور النضرة التي يحصدها السلاح الأمريكي بدم بارد, لكنك أنت يا أبا عمار يعنيك كثيرا, شئت ذلك أم أبيت, فما أنت سوى متحدث باسم شعب وقضية وحرمات أمة, ولن تكون يوما ملكا قديما صاحب تفويض إلهي, أو وكيلا تجاريا لماركة دماء مجانية. شعبك يا أبا عمار لا يقتات سوى الموت, نساؤه ينمن على صور الراحلين إلى الخلود, ورجاله يقضمون القهر واغتصاب الحقوق, لكنهم صامدون كجبال فلسطين, فلماذا لا تصمد؟ لماذا لا تجرب أن تقول (لا) ولو لمرة واحدة؟ لماذا تضحك على طاولات المفاوضات وتشد على أيدي باراك وأولبرايت الملطخة بدماء شعبك, بينما يجب أن تصرخ منتصرا لشعبك: (أناديكم ... أشد على أياديكم وأبوس الأرض تحت نعالكم.. وأقول أفديكم) ؟ على ماذا تفاوض يا أبا عمار, ملايين المسلمين يسألونك؟ على ماذا يتفاوض قاتل ومقتول, وسارق ومسروق, ومغتصب وضحية؟ شباب شعبك, أطفاله, نساؤه, شيوخه, وقعوا في هوى الشهادة منذ طفولة المهد, وجيل (محمد الدرة) الذي يقتل أمام عيون الإدارة الأمريكية حارسة حقوق الإنسان في العالم هم الذين أغلقوا السفارات الأمريكية في كل مكان, أفلا تغلق أنت يا أبا عمار صنبور هذا الكرم الحاتمي للتنازلات؟ ومتى سنقتنع جميعا ان أوامر ضخ السلاح الأمريكي لاسرائيل مفتوحة ليل نهار تحصد أرواح الشهداء بينما يصدق الساسة ان أمريكا راع وشريك محايد في عملية السلام؟!