في مثل هذا اليوم من عام 1973 انتصر العرب في حرب أكتوبر على إسرائيل وأثبتوا ان الإنسان العربي ليس كما اعتقدت إسرائيل طيلة ثلاثين عاما لن ينهض ثانية. في السادس من أكتوبر عام 1973 كنت فتى يافعا عندما أخبرنا مدرس اللغة العربية في مدرستنا الريفية البعيدة ان الدروس معلقة والمدارس مغلقة حتى اشعار آخر, وعلينا العودة إلى بيوتنا والالتزام بها وعدم التجمع أو التجمهر في مكان عام وعدم التقاط أي جسم غريب نراه على الأرض, وخاصة الألعاب الجذابة لانها قد تكون قنبلة رماها العدو أو زرعها في الطرقات. يومها انخرط أخي الأكبر في صفوف الجيش الشعبي وارتدى ثيابا عسكرية جديدة ووضع والدي مذياعنا الكبير على رفٍ عالٍ في الحوش وأخذ يتوافد على بيتنا نسوة يدلفن إلى غرفة جانبية, ورجال يجلسون على أرائك المصطبة, بينما كنت أستقبل صبية الحارة والحارات المجاورة وأسرد لهم أمام منزلنا ما سمعته من أخبار الحرب التي نقلها مذياعنا الكبير. يومها كان الحماس يملأ قلوبنا, وكم كنا نريد أن نفعل شيئا بطوليا نفخر به أمام أهلنا, شيئا يجعلنا نرفع رؤوسنا شامخين إلى الأبد. وإذ كرت مسبحة الأيام بعد ذلك الحدث الكبير, فقد جاءت عشرات الأحداث لتسحب الحماس من أرواحنا وتتركنا عراة أمام عدو لا يتورع عن قتل الرضع بوحشية لم يعرف لها التاريخ مثيلا. كرت مسبحة الأيام والطفولة التي ابتعدت منذ حوالي ربع قرن ونام حلم البطولة آنذاك. ولم يوقظه من سباته سوى أطفال الحجارة حينما تحولت الانتفاضة منتصف الثمانينيات الى تجسيد حي لطفل يريد الحياة, حرة, أبية, كريمة. تحولت الانتفاضة الى قوة اجتماعية لها مآثرها التي لا ينساها المرء مهما امتد به العمر, يسردها الناس في مجالسهم ويملأون بها ليلهم الطويل. من احدى تلك القصص ان قوات العدو الاسرائيلي اعتقلت طفلاً خلال الانتفاضة كان يرشق آلاتهم الحربية بالحجارة فسألوه وهو ابن التاسعة عمن حرضه ومن دفعه إلى رشق سياراتهم بالحجارة, فقال لهم: أخي محمد. فسارع الجنود الاسرائىليون إلى منزل الطفل لاعتقال شقيقه محمد الذي دفعه وحرضه فوجدوا ان محمدا طفل آخر ولكنه يبلغ الرابعة من عمره! من تلك القصص التي لن ينساها التاريخ مشهد جنديين اسرائيليين يقتدان طفلاً الى حقل قرب الطريق حيث بدآ بتكسير عظام ذراعه دون علمهما ان مصوراً تلفزيونياً التقط المشهد كاملاً والذي صدم مخيلة العالم آنذاك. ولعل لا مشهد آخر يوازي تحطيم عظام ذراع طفل الانتفاضة سوى استشهاد الطفل محمد الدرة بين ذراعي والده برصاص جنود الاحتلال الاسرائيلي. ان حلم البطولة في مشهد الطفولة البعيد في ايام حرب اكتوبر الغابرة لن يكون بقوة البطولة التي يبديها اطفال فلسطين اليوم, ليس لأنهم اكثر اندفاعاً وحماساً, بل لان العالم كله في طريقه إلى الخسارة, وحدهم فقط اطفال اليوم اثبتوا ثانية ان الانسان العربي لا يقهر مهما حاولت اسرائىل.. والدرة ورفاقه يشهدون على ذلك.