هكذا يضع صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان امام الامة العربية هذا التساؤل النبيل إزاء الفوران الشعبي الفلسطيني والقمع الاسرائيلي الوحشي بالرصاص الحي وقذائف الدبابات وصواريخ المروحيات. ولكن لما تزل اصداء هذا التساؤل العظيم تتردد في الآفاق العربية مع تفاقم المشهد في الارض المحتلة واتساع نطاق المظاهرات في العواصم والمدن العربية نسمع اصواتا عربية رسمية تتحدث عن عقد قمة ليس خلال ساعات أو ايام او حتى اسابيع.. وانما بعد ثلاثة شهور بالتمام والكمال.. أي بعد ان ينقضي اكتوبر الجاري الذي لم يكتمل اسبوعه الاول والانقضاء الكامل لشهر نوفمبر فيأتي رمضان الكريم شهر الصوم.. ثم بعد ذلك يلتئم شمل القمة المقترحة بعد عيد الفطر. وهذا التسويف الغريب لا يمكن ان يكون بغير سبب وغير غرض. واذا كانت الانتفاضة الدامية في الارض الفلسطينية قد فجرت شلالا من تراكمات الغضب فإنها نسفت ايضا تلك المساحة الرمادية بين الحق والباطل التي كانت بعض الزعامات تفضل الوقوف عليها بذريعة الحرص على ابقاء مناخ السلام. فالظرف الاستثنائي بالغ الدقة والحرج الذي افرزته الانتفاضة الآن على الصعيد الرسمي العربي يتمثل في سؤال حاسم: هل المطلوب عربيا تصعيد الانتفاضة أم اجهاضها؟ ان من المنطق ان يسارع المسئولون الاسرائيليون ومعهم المسئولون الامريكيون الى اخماد الانتفاضة نهائيا وضمان عدم تكرارها, لأن المناخ السياسي الذي يفرزه استمرار الانتفاضة وتصاعد المشاعر العربية من شأنه ان يؤدي الى تضييق هامش المناورة الاسرائيلية الامريكية في اطار لعبة ما يسمى بعملية سلام الشرق الاوسط. هذا مفهوم وطبيعي. لكن السؤال يبقى: لماذا بالقدر نفسه تسعى جهات عربية الى اجهاض الانتفاضة؟ ان تبطيء عقد اجتماع قمة عربية في هذا الظرف العصيب احد ادوات الاجهاض. فمن شأن تأخير عقد القمة, أولا حرمان الجماهير الفلسطينية المنخرطة في معركة المواجهة مع القوات الاسرائيلية من اي دعم عربي رسمي محتمل حتى لو كان معنويا, وثانيا شراء الوقت بأمل تنفيس سخونة الوضع الراهن حتى اذا ما عقدت القمة بعد شهور يكون الحضور غير معرضين لضغط شعبي عربي لاتخاذ موقف حاد. ان اجهاض الانتفاضة يخدم الاستراتيجية الاسرائيلية الامريكية المشتركة لأنه يؤدي لاعادة المبادرة من الشارع الفلسطيني الى ايدي العصابة الاسرائيلية الامريكية, حيث ينفرد المفاوض الاسرائيلي و(الوسيط) الامريكي بمفاوض فلسطيني صار مجردا من ورقته التفاوضية الوحيدة: ورقة العنف الشعبي الوطني.. وبالتالي تنقل القضية (من الخنادق الى الفنادق) على حد تعبير صحفي اردني. ولمدى السنوات السبع الاخيرة منذ أوسلو انفضحت معالم هذه الاستراتيجية الاسرائيلية الامريكية. والمعلم الرئيسي هو نصرة الاجندة الاسرائيلية على حساب الحقوق الفلسطينية عن طريق انتزاع تنازلات متصلة من الجانب الفلسطيني أو توجيه المسار التفاوضي على طريق بلا نهاية اذا تعذر في مرحلة ما تحقيق الهدف الاول. والدور العربي المرسوم امريكيا في اطار هذه الاستراتيجية هو مساعدة واشنطن وتل أبيب للايقاع بالطرف الفلسطيني وحثه على المضي (على طريق السلام) كلما تباطأ الفلسطينيون في بذل المزيد من التنازلات. وخطورة الانتفاضة الفلسطينية من منظور عربي رسمي هو ان استمرارها قد يؤدي الى فضح هذا الدور.