في السياسة لكل أزمة (شماعة) يمكن تعليق الأسباب عليها, ويمكن ممارسة كل الحيل والأكاذيب من أجل اختلاق تلك الشماعة وإلقاء اللوم عليها, وهذا يوجد في جميع الأنظمة السياسية سواء كانت ديمقراطية أو غير ديمقراطية, لأن الجالس على السلطة لا يعترف عادة بتقصيره في القيام بمسئولياته التي يلقيها كرسي السلطة على عاتقه, فالنجاح له وحده دائما, أما الفشل فهو مسئولية الآخرين. كثيرا ما ينجح المسئولون في إقناع جماهير الشعب بعدم مسئوليتهم عن الأزمات التي تحدث, وبشكل خاص إذا كانت وسائل الإعلام تحت أيديهم وتعمل وفق هواهم, وفي هذا لا فارق أيضا بين النظم الديمقراطية عن النظم غير الديمقراطية, لأنه حتى الأنظمة الديمقراطية تجد عادة من يهلل لها في وسائل الإعلام الخاصة أو المخصخصة, وإلا فإنها تلجأ إلى البرلمان الذي تستخدم فيه (أغلبيتها) لإسكات الأصوات المعارضة, وبالتالي إخفاء الحقيقة عن الجماهير. لكن يحدث أحيانا أن تبحث الأنظمة عن شماعة فلا تجدها, وتحاول استخدام وسائل الإعلام فتفشل في الإقناع, وربما ليس بسبب ضعف حجتها بقدر وجود أسباب أخرى تراكمت فتفتح (قماقم الجن والعفاريت) الشعبية ضدها, لأن هناك أزمات أخرى متوارية ساكنة كانت تنتظر فقط الفرصة وعندما تحين تلك الفرصة أمامها تنتهزها فتنطلق الجماهير غاضبة إلى الشوارع, لأنها الطريقة الوحيدة التي تعرفها وتجيدها للتعبير عن رأيها بحرية, لتحصل في النهاية على بغيتها, أو على الأقل الإعلان عن مطالبها. هذه الأسباب (الأخرى) للغضب الجماهيري توافرت في أوروبا الغربية خلال السنوات العشر الأخيرة, والتي كانت أزمة البترول الأخيرة مجرد القطرة التي أدت إلى امتلاء الكوب عن آخره حتى (تطرطشت) على حوافه الأزمات, وهذه المرة لم تستطع الأنظمة الديمقراطية المختلفة الألوان والأشكال, من يسارها إلى يمينها, الحاكمة في أوروبا العثور على شماعة تعلق عليها فشلها في الوفاء بما وعدت به من رفاهية في برامجها الانتخابية, بل فشلت حتى في أن توجه هذا الغضب نحو (الدول المنتجة لخام البترول) , وبشكل خاص الدول العربية منها, كما كانت تفعل في كل الأزمات المماثلة منذ أزمة عام 1973 الناتجة عن الموقف العربي الموحد في حرب أكتوبر. فقد استغلت الشعوب الأوروبية أزمة ارتفاع أسعار البترول هذه المرة والخروج في تظاهرات عمت جميع الأنشطة الاقتصادية تقريبا للتعبير عن غضبها ضد حكوماتها, فعلى الرغم من اختلاف طريقة ونوع الاحتجاج من بلد أوروبي إلى آخر, فان الغضب كان متشابها حتى لو اختلف انتماء الحزب الحاكم, فقد عمت المظاهرات دول يحكمها اليسار كما هو الحال في فرنسا وألمانيا وبريطانيا, تماما كما عمت الاحتجاجات حتى جمدت الحركة الاقتصادية في بلاد يحكمها اليمين, كما هو الحال في إسبانيا, التي كانت حكومتها اليمينية تتباهى حتى أسابيع قليلة ماضية بأنها حققت المعجزة الاقتصادية التي عجز عن تحقيقها الإنس والجن معا, لا في إسبانيا فقط بل في أوروبا والعالم اجمع (!). تجمعت أسباب الغضب في أوروبا معا, وكان ارتفاع سعر البترول الخام وما نتج عنه من ارتفاع أسعار مشتقاته النهائية في أوروبا الغربية الشرارة التي أشعلت برميل البارود. ربما كان من أهم أسباب الاحتجاج الشعبي ضد الحكومات في أوروبا الغربية ذلك الخداع الذي مارسته جميع الأحزاب الحاكمة يمينها ويسارها, عندما باعت لشعوبها (تخفيض الضرائب) على أنها جنة الرفاهية, وذلك بتخفيض الضرائب المباشرة على دخل الأفراد, مع زيادة الضرائب غير المباشرة على السلع الاستهلاكية الأساسية, ومن بينها الضرائب على المشتقات البترولية, وأهمها البنزين في مجتمعات أصبحت فيها السيارة التي تستهلك هذه المنتجات ضرورة وليست رفاهية, فكانت النتيجة أن الزيادة على الضرائب غير المباشرة أكلت اكثر من ضعف التخفيض على الضرائب المباشرة. بل إن نتيجة تخفيض الضرائب المباشرة جاءت عكسية تماما لما أعلنت عنه تلك الحكومات, فقد انخفضت القدرة الشرائية للعامة في الوقت الذي زادت فيه أرباح الشركات التي استفادت من تخفيض الضرائب المباشرة, لأنها لا تنفق شيئا يمكن أن يجعلها تفقد ما تكسبه من خلال الضرائب غير المباشرة, كما هو الحال بالنسبة للفرد العادي الذي لا يستطيع أن يمارس حياته دون أن يستخدم السلع الاستهلاكية, فكانت النتيجة النهائية تراكم الثروة بين أيدي الشركات ورؤوس الأموال, في الوقت الذي فقد فيه الأفراد جزءا من قدرتهم الشرائية. من ناحية أخرى, جاءت أزمة أسعار خام البترول الأخيرة, التي انعكست على منتجاته التي تباع للجماهير لتكشف اختلاف نظرة كل حزب حاكم عن الآخر, حيث قررت بعض الحكومات الأوروبية تخفيض جزء من الضرائب على مشتقات البترول في محاولة لامتصاص الغضب الجماهيري فيما رفضت حكومات أوروبية أخرى هذه الطريقة في تخفيض أسعار مشتقات البترول, وفي كلتا الحالتين خلق موقف تلك الحكومات تناقضا بينها وبين معظم طبقات الشعب المتأثرة بهذه الأزمة. الحكومات التي قررت تخفيض الضرائب المباشرة على مشتقات البترول وجدت نفسها في مواجهة مع شركات البترول الوطنية, التي تمثل قوة اقتصادية لها تأثيرها على أصحاب القرار, والدول التي رفضت هذا الخفض اتخذت طرقا ملتوية لتخفيف حدة الغضب الجماهيري, فقررت تقديم تنازلات لقطاعات تستخدم مشتقات البترول في أنشطتها الاقتصادية كقطاعات النقل والصيد والزراعة, وهي القطاعات الأكثر قدرة في التعبير عن غضبها من خلال الإضرابات, مما خلق تناقضا بين تلك الحكومات وقطاعات أخرى تأثرت بزيادة أسعارمشتقات البترول من خلال تحمل فارق السعر في المنتج النهائي, ولا تملك القوة نفسها للتعبير عن غضبها. هذه الأوضاع المتناقضة بين موقف حكومة وأخرى, أدى إلى نوع من الفوضى في معالجة الأمور مما خلق نوعا من الإحساس بفقد مصداقية السياسيين في الشارع الأوروبي, ولم يعد يثق رجل الشارع الأوروبي في الساسة الذين يتولون الحكم, أو يقفون على سلم المعارضة في انتظار الوثوب على السلطة, لأن أي منهما لم يقدم حلولا حقيقية لأزمة عارضة لكنها مؤثرة في حياة الجماهير. جاء هذا الإحساس بعد مصداقية الساسة ليضاف إلى إحساس شعبي متجذر في النفوس بأن أوروبا لم تعد توجد فيها قوة سياسية مستقلة, تتحرك باستقلالية بعيدا عن (غطرسة) الهيمنة الأمريكية, خاصة بعد اتخاذ الولايات المتحدة قرارها بطرح جزء من مخزونها الاستراتيجي في الأسواق للحد من زيادة سعر برميل البترول الخام إلى ما نهاية, في الوقت الذي تناطح وزراء الاقتصاد في أوروبا, ما بين مؤيد ومعارض حول مدى فاعلية الخطوة الامريكية, واتباعها أو البحث عن حل آخر, خلال هذا التردد كانت الأزمة تزداد حدة, وتعقدت الأمور بخروج قطاعات النقل والزراعة بناقلاتهم وجراراتهم إلى الشوارع, مما أدى إلى تفاقم أزمة المرور التي أصابت مدن البلاد الكبرى بالشلل التام. لقد اصبح الفصام ما بين الطبقة السياسية ورجل الشارع في أوروبا واضحا وضوح الشمس بعد أزمة البترول الأخيرة, وربما كانت (لا) التي أطلقها الشعب الدنماركي ضد الانضمام إلى العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) اكبر دليل على ذلك, فقد رفضت الجماهير الدنماركية توجيهات السياسيين, وكأنها تعلن عن رفضها لهم ولتوجهاتهم, لأن معظم قادة الأحزاب السياسية في الدنمارك ـ عدا المتطرفين- كانوا يؤيدون الانضمام إلى العملة الأوروبية الموحدة التي يستفيدون منها في النهاية كسياسيين. أزمة أسعار خام البترول الأخيرة كشفت أيضا عن عمق الانقسام داخل المعسكر السياسي الأوروبي, وأصبح من الواضح أن أوروبا تفتقد بالفعل لوحدة سياسية تجعلها تلعب دورا يساوي حجمها كقوة اقتصادية. بل كشفت تلك الأزمة استمرار الأزمة السياسية التي تعيشها منذ استقالة اللجنة الأوروبية الأخيرة وانتخاب (روماني برودي) , مما يكشف عن افتقاد أوروبا لزعامة يمكنها أن تقودها في دهاليز السياسة الدولية المتشابكة, فاللجنة الأوروبية الحالية تعتبر في حكم (الميتة) سياسيا, ولا البريطاني انطوني بلير يمكنه أن يدعي انه قادر على أن يجلس على كرسي الزعامة الأوروبية, لأنه لا يزال محسوبا على الرافضين للاستقلال الأوروبي عن الهيمنة الأمريكية, ولا المستشار الألماني شرويدر يمكنه أن يدعي ذلك في الوقت الذي يطلق فيه التصريحات التي تغوص بالعملة الموحدة في أعماق أزمة خانقة تكاد تقضي عليه نهائيا, رغم انه الرمز الوحيد الدال على تلك الوحدة الاوربية. لا شيراك ولا جوسبان يمكنهما أن يلعبا هذا الدور في وقت تحيط الشكوك بمستقبلهما السياسي بعد الفضائح المالية الأخيرة, ولا حتى الإسباني خوسيه ماريا أزنار الذي يتحدث بلغتين متناقضتين, فهو في العلن من اكبر المتحمسين للتوسع الأوروبي شرقا, وفي الوقت نفسه يضع العراقيل أمام هذا التوسع, حتى لا تفقد بلاده جزءا مما تحصل عليه من دعم مالي سنوي يساعد حكومته على تنفيذ سياستها في مواجهة المعارضة الاشتراكية الداخلية. أزمة أسعار خام البترول كشفت عن عجز حكومات الأحزاب السياسية الأوروبية بمختلف ألوانها عن تبني رؤية سياسية واضحة لحل الأزمات التي يمكن أن تعصف بشعوبها, خاصة بعد الفصام الواضح مع رجل الشارع الذي لم يعد يقبل أن تتحمل الدول المنتجة لخام البترول مسئولية أزماته الأخرى, لذلك لم يعد ينظر إلى منتجي البترول باعتبارهم شياطين شرهة لا تقبل أقل من امتصاص دمه. كاتب مصري مقيم في أسبانيا