منذ كامب ديفيد الثانية تدور معركة في دائرة التفاوض الخلفية لانجاز اتفاق اسرائيلي ـ فلسطيني بشأن القدس, ويريد كل من رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك ورئيس سلطة الحكم الذاتي ياسر عرفات, ان يكون بطلا لهذا الاتفاق من خلال تحقيق (انجاز تاريخي) ومع الاصطدام بحاجز القضايا المصيرية التي تتعلق بالمقدسات ومكانتها الدينية والتاريخية كان واضحا ان معركة القدس هي معركة السيادة على اكبر قدر ممكن من الاراضي والمقدسات, ومن أجل تسجيل خطوة في هذا الاتجاه تجرأ باراك واقترح جعل القدس عاصمتين لدولتين اسرائيلية وفلسطينية, (اورشاليم) الاسرائيلية على كامل القدس الحقيقية, والقدس الفلسطينية الاسمية فوق مناطق مدينة حديثة في شرقي القدس مع طرح سيناريوهات عديدة غير محددة بشأن السيادة او الاشراف على الحرم القدسي الشريف بزعم وجود (جبل الهيكل) . من الواضح ان معركة القدس تتجاوز حدود المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية الى محاولة اسرائىل نزع اعتراف فلسطيني وعربي ودولي بالسيادة الاسرائيلية على القدس الحقيقية وعدها عاصمة ابدية لدولة اسرائيل مقابل اعتراف الاخيرة بالدولة الفلسطينية العتيدة ذات العاصمة الشكلية التي تحمل اسم القدس على مناطق واقعة خارج القدس الحقيقية التاريخية, فباراك اكد مرارا (انه لن تكون هناك سيادة فلسطينية او اسلامية على المسجد الاقصى) ومع ان معركة القدس هي معركة للمزايدات السياسية والاسلامية الا انها في الجانب الاسرائيلي تحولت الى معركة للمزايدات السياسية في معركة الحكم بين العمل المتأرجح والليكود المتطرف, لذا ما ان طرح باراك امكانية الاعتراف بالقدس الاسمية عاصمة للدولة الفلسطينية حتى قام بطل المجازر والمذابح ارييل شارون زعيم الليكود بزيارة استفزازية الى الحرم القدسي الشريف وفي وقت يجري الحديث فيه عن امكانية عودة بنيامين نتانياهو الى زعامة الليكود بعد ان برأته المحكمة الاسرائيلي من التهم الموجهة الي, وفي وقت يسعى الليكود الى العودة الى الحكم من خلال اسقاط حكومة باراك بزعم تقديم التنازلات للفلسطينيين, وهكذا تحولت معركة القدس الى مضاربة سياسية اسرائيلية بين العمل والليكود في تسجيل النقاط والاستحواذ على الاراضي والمقدسات الاسلامية وفي وقت لم يبق لدى الفلسطينيين ما يقدمونه للشهوة الاسرائيلية المفتوحة تجاه هضم الحقوق والمقدسات الا ارواحهم ودماءهم بصدور مفتوحة في قضية القدس التي هي قضية مقدسة متجذرة في صميم الشعب الفلسطيني خاصة والشعوب المسلمة كافة, فهي قضية تاريخية ودينية وسياسية تتعلق بالمصير والهوية والانتماء والعقيدة, وعليه اشتعلت فلسطين بكاملها, فلسطين ما قبل 1948 وما بعده في وجه النازي المتطرف شارون, واعاد الفلسطينيون الصورة المشرقة الباسلة للنضال في مواجهة الاحتلال وغطرسته, في تمسكه بالاقصى وسائر المقدسات, وهكذا تجاوزت قضية الاقصى حدود المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية الى قضية الامة والعقيدة, لذا على الامة ان تقف وقفة عز وشرف في الموقف من القدس في دفع الثمن المطلوب لاستعادتها مدينة عربية اسلامية مفتوحة للعبادات, في عقد قمة عربية واخرى اسلامية للاتفاق على موقف واحد والتحرك في كل الاتجاهات وتقديم الدعم الفعلي والعملي والميداني في معركة الدم الفلسطيني الذي سفك على جنبات الاقصى ومدن فلسطين وبلدانها وقراها في وجه شارون وعصابته, وفي وجه باراك الذي دفع بشارون للقيام بزيارته الاستفزازية للأقصى, نعم باراك الذي دفع بشارون الى القيام بهذه الزيارة والا لماذا دخل شارون الحرم القدسي برفقة ثلاثة آلاف شرطي للحماية؟ الا يعني هذا وجود مخطط مدروس لهذه الزيارة ونتائجها؟ الا يعني هذا البحث عن ايجاد تحرك دولي وربما عربي واسلامي للمشاركة في ايجاد مخرج لقضية القدس حتى لو كان هذا المخرج عبر الدم الفلسطيني؟ انه مخطط باراك المراوغ الذي يريد قلب طاولة المفاوضات على الجميع من اجل الفوز بالقدس العظمى بعد ضم مجموعة من المستوطنات المحيطة بالمدينة الى حدودها البلدية والادارية, ومن المؤسف هناك اعتقاد خاطىء وشائع بين الامريكيين والاوروبيين وحتى بعض العرب بأن وجود باراك على رأس السلطة فرصة لانجاز اتفاق نهائي بشأن الصراع باعتبار ان احدا غير باراك من الاسرائيليين لم يذهب الى حد الاعتراف بشرقي القدس عاصمة للدولة الفلسطينية, لذا تدعو واشنطن الفلسطينيين والعرب الى عدم تفويت وجود فرصة باراك في السلطة لأن عدم ذلك يعني عودة نتانياهو او من شاكلته الى الحكم وعليه حسب الامريكيين ينبغي للفلسطينيين والعرب مراعاة الظروف الداخلية للحكومة الاسرائيلية, وتعني هذه المراعاة حسب المفهوم الامريكي التنازل عن الحقوق والمقدسات كي تتحقق على ارض الواقع الاساطير والخرافات اليهودية والصهيوني بعدما كشفت الحفريات حول الاقصى وتحته عن آثار اسلامية وليست يهودية كما تزعم اسرائيل التي لجأت الى اقامة بعض الادراج ذات التصميم اليهودي وبنت جدارا عليه بعض الرموز اليهودية لايهام السياح والعالم بأن منطقة الاقصى يهودية, وفي المحصلة الاستيلاء على جميع الاراضي, وعليه فإن زيارة الارهابي شارون الى المسجد الاقصى جاءت في سياق الاعتقاد الاسرائيلي بالسيادة الكاملة على الحرم القدسي وقطع الطريق على اي تفكير يقر للفلسطينيين السيادة على الحرم, الا ان الدم الفلسطيني اعاد الألق للشرعية التاريخية والدينية والشعبية للسيادة الفلسطينية على القدس والحرم القدسي الشريف, وكشف في الوقت نفسه للعالم حقيقة الاحتلال الاسرائيلي للمدينة المقدسة, وهكذا بدأ الدم الفلسطيني يشق طريقه بقوة الى طاولة المفاوضات وسقف التسوية من اجل سيادة وطنية فلسطينية على القدس عاصمة الدولة الفلسطينية, وفي هذه المسيرة المحفوفة بالمخاطر يبحث الدم الفلسطيني عن قمة عربية تدعم قيام دولة فلسطينية دون دفع ثمن اعلانها الاعتراف بالقدس, عاصمة ابدية لدولة اسرائيل, ان قضية القدس هي قضية الامة واي اتفاق لا يضمن حقوق الفلسطينيين والعرب والمسلمين والمسيحيين مصيره الفشل.