الانتفاضة الفلسطينية التي تفجرت في الاسبوع الماضي هي بحق انتفاضة القدس. اذ تأتي هذه الانتفاضة في وقت حساس يتم خلاله محاولة فرض حلول حول القدس لا تلبي الحقوق الاساسية العربية والفلسطينية والاسلامية. وقد يسجل التاريخ ان هذه الانتفاضة مفصل رئيسي في تقدم الفلسطينيين خطوات للأمام لصالح بناء دولتهم المستقلة.. وقد حركت الانتفاضة الراهنة الاجواء العربية لصالح الموقف الفلسطيني, ولكنها اخذت الموقف الامريكي على حين غرة. فوسط الاهتمام الامريكي بالحملة الانتخابية الامريكية ووسط حالة من الجمود سيطرت على الوضع منذ فشل كامب ديفيد تواجه الولايات المتحدة صعوبة في استعادة المبادرة وايقاف التدهور. وفي هذه الانتفاضة دليل كبير على موقع القدس في عملية السلام وعلى اهمية القدس للشعب الفلسطيني وأيضا دليل على حالة الفراغ التي تسيطر على الموقف الامريكي في المراحل الاخيرة من الانتخابات الرئاسية الامريكية. وقد شاءت الصدف ان يكون رئيس حزب الليكود ارييل شارون مفجرا لانتفاضة تطرح قضية القدس على الطاولة الدولية وتساهم في تقوية الموقف الفلسطيني حول القدس كما انها تربط فلسطينيي 1948 ببقية فلسطين. فشارون, وهو احد منظمي وموجهي الاجتياح الاسرائيلي للبنان في العام 1982 وهو ايضا احد المدانين بمجازر صبرا وشاتيلا التي وقعت عقب ذلك الاجتياح, كثيرا ما يقوم بأعمال تؤدي الى عكس النتائج التي يسعى اليها. اذ لم يساهم حدث في اثارة الاجواء العالمية ضد الاحتلال الاسرائيلي كما ساهم التقاط الكاميرات لذلك المنظر الذي لا يوصف في تعابيره ومضامينه لطفل فلسطيني يحتمي بأبيه قبل ان تصيبه الرصاصات بمقتل. في هذه الصورة صورة لمأساة عمرها قرن وهي صورة تكررت على مدى العقود الماضية وقلما عرف عنها العالم. ونرى اليوم مرة ثانية وثالثة انه في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي لابد للذاكرة من ان تلعب دورها, وانه في الصراع لابد من ان تكون التجربة التاريخية اساسية في تحريك المجتمع. في كل ما وقع في فلسطين على مدى الايام القليلة الماضية تبرز ردة فعل مجتمع يسعى للتحرر من ما تبقى من احتلال قاس. فالانتفاضة التي فجرتها زيارة شارون الاستفزازية الخميس قبل الماضي تعكس حاجة المجتمع الفلسطيني للحياة الحرة الكريمة. فبالرغم من ظروف الفلسطينيين الصعبة وظروف التراجع التي نتجت عن تفكك الوضع العربي العام, الا ان مقدرتهم على تدعيم موقفهم من خلال هذا النمط من التضحية يؤكد ان السلام غير ممكن بلا تحقيق شامل للحقوق الوطنية الفلسطينية. وتعكس هذه الانتفاضة بالوقت نفسه حالة من حالات خيبة الامل الفلسطينية بما آلت اليه المفاوضات. فالفلسطينيون توقعوا خيرا من جراء السلام وساروا في طريقه عاما بعد عام وبحثوا عن حلول وسط تساعد على تجنب الصدام المباشر. وقد تحملوا حكم نتانياهو بتطرفه بأكثر مما يستطيعون وقاوموه بوسائل عديدة دون ان تصل الامور الى حد الانفجار الا في حالات محددة. وقد تفاءل الفلسطينيون خيرا بحكومة باراك وبتصوراتها السلمية, اذ ساد الرأي بأن المستقبل يمكن الاتفاق عليه مع حكومة العمل, وان السلام ممكن من خلال التفاوض المجرد. من هنا جاءت خيبة الامل في حكومة باراك التي لم تتفهم المطالب الفلسطينية حول القدس, والتي سعت في مفاوضات كامب ديفيد لوضع الضغوط على الفلسطينيين لتحقيق تنازل تاريخي يسجل ضدهم وضد طموحاتهم الوطنية في الوقت نفسه ويساهم في اضعاف السلام المراد تقويته. وبعد تراكمات تشير الى صعوبة تحقيق تغير في الموقف الاسرائيلي توصل المجتمع الفلسطيني الى نتيجة مفادها ان وسيلة المواجهة قد تكون الافضل لتحقيق التغير المطلوب في موازين القوى وبالتالي في العقلية الاسرائيلية وفي مجرى المفاوضات لصالح الحقوق الفلسطينية, لقد قام الفلسطينيون بثورة على محاولات وضعهم في حكم ذاتي مفرغ المحتوى ومفرغ من المعاني الحضارية والدينية والثقافية والحقوقية. في نهاية اليوم المطلوب النجاح في ترجمة هذه الثورة الى خطوات عملية لصالح دولة فلسطينية (ديمقراطية المحتوى) وعاصمتها القدس. استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت