لقد كان هناك.. يرمقني من بعيد.. النظرات حادة جدا.. فيها الكثير من القسوة.. لكنها تحمل كذلك اوجاع الذات المهزومة وحرائق الذكريات الخانقة.. ظل يرمقني صامتا هادئا.. تملؤه السكينة ولكن الخيالات المرسومة في العينين جحيم كبير لا يطيقه احد.. الكلمات المرسومة في المقل واضحة رغم رغبته في قتلها بالداخل.. لقد كان هناك.. عيناه تقولان اشياء لا يقوى ان يعرّيها امامي.. ولا يقوى ان ينثرها امامي وانا اراقبهما.. اجول في بحريهما.. بلا ميناء.. بلا شاطئ.. ذلك السواد الذي تضاعف كثيرا واصبحت المحه كبيرا بحجم غرابة الاشياء.. بحجم تساؤلاتي.. بحجم هذا الواقع الحارق الذي ظل يتبعني الى اخر الدنيا. لم نلتق منذ مدة طويلة.. غربة ورحيل.. واشياء كثيرة موسوعة في غياهب تلك العينين.. كاد يقول في صمته بأنه ها هناك راحل.. كاد يقولها.. شفتان ممتعضتان.. القسوة التي قرأتها.. كانت غربة.. لم افسرها بالشكل الذي يجب.. شكلا صحيحا.. صائبا.. يمكن ان افهمه. ها انت ذهبت بعيدا.. بلا نهاية ممكنة.. بلا حاجة لقول الوداع الذي احرقك كثيرا وجعلني اصمت كي اظل على شفة الفرح اؤجل ضحكاتي لزمن قد يأتي. ها انت رحلت بعيدا.. لا حاجة الآن لكل ذلك الصمت.. (الصمت يقول احيانا ما تعجز الكلمات عن نقله).. ها انت رحلت.. تحمل في الحقائب قلبي.. عمري الماضي.. والحاضر.. ضحكاتي.. ركضي.. احلامي.. الجميلة والمستحيلة.. كلامي الطويل عن الغد الجميل الذي رسمته واياك. ها انت رحلت بعيدا خيل لك انك تركتني ها هنا.. اني هناك ايضا في جميع خطاك.. في الهواء.. والماء.. والارض.. والسماء.. اني هناك في الانفاس بصدرك.. في نبضات القلب في خطوات القدم.. في الحكايا.. في الهمسات في الاحاديث المسائية.. فلا تحزن.