اشتركت مع زملائي في قسم اللغة العربية بكلية الآداب ـ جامعة القاهرة ـ في اقامة حفل تكريم لزميلنا الذي ترك رئاسة القسم لبلوغه سن الإحالة إلى المعاش وتكريم زميلنا الذي تولى رئاسة القسم, والذي بقيت له ثلاث سنوات حتى يلحق بزميله الذي ترك الرئاسة. وحرصنا على دعوة كل الأجيال المشتغلة بالتدريس في القسم, تأكيدا للروابط المفترضة بين الأجيال, وتدعيما لآفاقها الواعدة بالعطاء الشاب. وذهبت إلى الحفل الذي كان مناسبة طيبة للقاء الأساتذة الذين لم أرهم منذ وقت طويل, ولقاء الزملاء الذين منعتني مشاغل الحياة من أن ألقاهم بما يشبع مشاعرنا المتبادلة, بل لقاء الطلاب الذين أصبحوا معيدين ومدرسين مساعدين ومدرسين, ولم أعد أذكر صغارهم بسبب التباعد الذي فرضه تعدد الوظائف التي أعمل بها أو فيها. وبدأ الحفل بالكلمات الاحتفالية, وتتابع المتحدثون الذين ينتسبون إلى أجيال متعددة, وكان منهم من جاوز الثمانين من عمره المديد بإذن الله, ومنهم من قارب الثلاثين, ويمثل الأجيال الشابة في القسم. ولم يلتفت المتحدثون إلى القاسم المشترك الذي وصل بينهم جميعا رغم اختلاف مواقفهم الفكرية والنقدية, واختلاف الأجيال التي ينتسبون إليها. هذا القاسم المشترك يرتبط بقسم اللغة العربية الذي هو أقدم أقسام كلية الآداب, بل أقدم أقسام الجامعة المصرية منذ انشائها في الشهر الأخير من سنة 1908, فهو القسم الذي بدأت به الجامعة الأهلية, وهو القسم الذي منح درجة الدكتوراه الأولى لطه حسين الذي كان أول مصري, بل أول عربي, يحصل على هذه الدرجة من جامعة مصرية عربية. وكان ذلك سنة 1914 عندما تقدم طه حسين إلى الجامعة المصرية بأطروحته عن الشاعر العربي القديم أبي العلاء المعري, وهي الأطروحة التي أجازتها لجنة المناقشة, وطبعها طه حسين في العام التالي تحت عنوان (تجديد ذكرى أبي العلاء) . ولم يكن من المصادفة ان القسم نفسه هو الذي منح درجة الدكتوراه الأولى لأولى السيدات اللائي حصلن على درجة الدكتوراه من جامعة مصرية عربية. وكانت هذه السيدة هي أستاذتي الدكتورة سهير القلماوي التي كتبت أطروحتها للدكتوراه عن (ألف ليلة وليلة) تحت اشراف أستاذها طه حسين الذي رعاها, ورعا الرعيل الأول من الجامعيات اللائي شجعهن ووقف وراء مسيرتهن. ويبدو ان طه حسين كان قوة الدفع الجذرية التي دفعت قسم اللغة العربية إلى الاصطدام بالكثير من الجوانب التقليدية الجامدة في الثقافة المصرية العربية منذ العقد الثاني من القرن الماضي (القرن العشرين). وكانت البداية في ذلك أطروحته عن أبي العلاء التي دفعت بعض المتشددين دينيا إلى الاعتراض عليها, وكاد الاعتراض يثمر ثماره الضارة لولا تدخل سعد زغلول ومواجهة المتشددين, فمرت الأزمة بسلام, وذهب طه حسين إلى فرنسا ليحصل منها على درجة دكتوراه أخرى, أهلته لكي يعمل مدرسا للتاريخ, وظل كذلك إلى أن تحولت الجامعة الأهلية إلى جامعة حكومية, وأصبح اسمها جامعة فؤاد الأول, وانتقل طه حسين من قسم التاريخ ليعمل مدرسا للأدب العربي في قسم اللغة العربية سنة 1925. ويبدو ان طه حسين لم يرد أن يكون انتقاله إلى قسم اللغة العربية انتقالا عاديا, فاستهل فيه محاضراته عن الأدب العربي بمنهج جديد يعتمد على الشك, فأصدر كتابه (في الشعر الجاهلي) الذي صدر خلال شهر مارس من سنة 1926, فأقام الدنيا ولم يقعدها, وأدخل الجامعة كلها في أزمة صدام حاد مع الطوائف التقليدية الجامدة في المجتمع, واضطرت الجامعة إلى سحب الكتاب من الأسواق, واضطر طه حسين إلى اصدار طبعة جديدة بعنوان (في الأدب الجاهلي) . وهي الطبعة التي صدرت سنة 1927, وظلت منذ ذلك التاريخ أحد الكتب المعتمدة في تاريخ الأدب العربي. ومنذ ذلك الوقت أصبح قسم اللغة العربية فضاء حرا مفتوحا للاتجاهات الأدبية والفكرية الجديدة التي لم تتوقف عن الصدامات مع المؤسسات التقليدية الجامدة والجماعات المتعصبة في الوقت نفسه, فكان من أوائل الأقسام المنادية بالديمقراطية الفكرية, والداعية إلى حرية البحث العلمي, واحتمل في ذلك الكثير من التضحيات. ولا أدري هل دارت أحداث هذه التضحيات بأذهان الذين تحدثوا في احتفالنا برئيسنا الجديد؟ وهل تذكروا جميعا وقائع تاريخه الطويل؟ لا أعرف. ولكني لاحظت ان كل الذين تحدثوا أشاروا إلى التاريخ المجيد لقسمهم, واعتزازهم بمناخ الحرية الفكرية التي أرسى هذا القسم قواعدها في الجامعة المصرية كلها, كما كان كل المتحدثين يشيرون إلى تعاقب الأجيال التي يسلم فيها السلف الراية إلى الخلف ليبدأ من حيث انتهى, أو التي يشعر فيها اللاحقون ان عليهم الاضافة والبدء من حيث انتهى السابقون. ولم أنتبه إلى انني لم أعد من الأجيال الشابة إلا مع تتابع المتحدثين, فقد لاحظت ان بين هؤلاء المتحدثين تلامذتي الذين أصبحوا أساتذة مساعدين وأساتذة, فأدركت أنني لحقت بجيل الكبار الذين يقتربون من مرحلة الكهولة, وانني مثل زميلي رئيس القسم الجديد لم يبق بيني وسن المعاش سوى ثلاثة أعوام فحسب, يؤكد حضورها رأسي الذي اشتعل شعره شيبا, وكثرة اشاراتي إلى الماضي, وتعجبي من حركة الزمن التي لم ألتفت إليها إلا بعد أن تتابعت الأجيال من بعدي. ولم ينقذني من الاستغراق في المشاعر الشاجية إلا تذكري قصيدة جميلة قرأتها منذ سنوات بعيدة للشاعر الانجليزي أندرو مارفل بعنوان (إلى حبيبته الخجول) . وهي قصيدة تتحدث عن وقع خطى الزمن الذي يطارد البشر, والذي يحيل أعمارهم إلى لحظات عابرة, سريعة الزوال, في تتابع موجاته الممتدة إلى ما لا نهاية. ولا سبيل أمام الإنسان لمقاومة خطى الزمن إلا بأن يترك ما وراءه ما يجاوزه من ابداع يبقى رغم هذه الخطى, مؤكدا حضوره الفاعل في الزمن وبرغم الزمن. ولا شيء جديرا بالفعل الإنساني مع الوعي بهذه الخطى إلا الحياة بعمق, طولا وعرضا, كما وكيفا, والاستمتاع الخلاق بها, لكن بما تبقى آثاره على مدى الزمن. وما أجمل ما يؤكده الشاعر لحبيبته الخجول في نهاية هذه القصيدة, خصوصا حين يدعوها إلى أن يلتهما معا زمنهما على الفور, بدل أن يذبلا في قبضته المتشققة ببطء, وقبل أن نذبل نحن أيضا في هذه القبضة. وتخيلت الشاعر يخاطبني, بدوري, قائلا: دعونا نلم كل قوانا وحلاوتنا في حزمة واحدة, ونشق لذتها بصراع عنيف, خلال أبواب الحياة الحديدية, فما دمنا لا نستطيع أن نسمر الشمس في مكانها, فلنجعلها تركض في داخلنا, حتى لا تغدو حياتنا مزحة يرددها أبله كما يقول أحد أبطال مسرح شكسبير.