في صيف ,1978 وعلى مدى 30 ساعة من (التحقيق السياسي) واجه هيكل اسئلة المدعي العام الاشتراكي المستشار أنور حبيب في مبناه المطل على ميدان (لاظوغلي), كان التحقيق بين سؤال وجواب لا يتناول وقائع أو أحداثا وإنما يتناول آراء وافكارا, كان الخلاف بينه وبين الرئيس أنور السادات قد وصل الى (حائط سد) ولم يكن امام السياسة الا أن تحاكم الصحافة ـ بعد أن تقطعت الاوصال بينهما ـ بأثر رجعي, وكانت مقالات هيكل التي كتبها في (الاهرام) تحت عنوان (بصراحة) هي عريضة الاتهام, أو هي عريضة محاكمة من نوع انقرض, كان يعرف في العصور الوسطى بمحاكم التفتيش. وكان المدعي العام الاشتراكي قد حاول ان يبني تحقيقه السياسي من خلال التفتيش في الاحاديث الصحافية والتلفزيونية ـ العربية والاجنبية ـ التي أدلى بها, لكن هيكل قال له: إن من الصعب أن اتذكر الاحاديث, خصوصاً في التلفزيون, فما يعرض فيه قد لا يكون مسجلا في الارشيف (ومع ذلك فإن أي كاتب له مواقف واضحة ثابتة وخطوط مستمرة, وما يقوله في أحاديثه لا يمكن أن يقول نقيضه في مقالاته, انني كتبت حتى الآن أكثر من 1500 مقال تحت عنوان (بصراحة) وهذا في اعتقادي كافٍ لأي مناقشة أو حساب) . كان مقال (بصراحة) الذي كان يكتبه هيكل هو أشهر مقال صحافي ظهر في النصف الأخير من القرن العشرين في الصحافة المصرية, فقد كانت الإذاعة المصرية تقرأه كاملاً في يوم صدوره, وكان الرأي العام في الداخل والخارج يؤمن بأن ما في المقال هو ترجمة جذابة لما في عقل جمال عبدالناصر من أفكار وبرامج في كثير من الأحيان. الظلال والبريق كتب هيكل في منتصف الاربعينيات في (آخر ساعة) تحت عنوان (البحث عن المتاعب) وعندما تولى رئاسة تحريرها في بداية الخمسينيات كان يكتب تحت عنوان (احداث الساعة) . وبعد أيام من توليه رئاسة تحرير (الاهرام) وبالتحديد في 15 اغسطس 1957 بدأ في كتابة أول مقال له تحت عنوان (بصراحة) وكان المقال بعنوان (السر الحقيقي في مشكلة عمان) . اما آخر مقال كتبه (بصراحة) فكان بعنوان (الظلال والبريق) عن السياسة الامريكية في الشرق الاوسط بعد حرب اكتوبر. لم يكن مقال (بصراحة) في البداية بالصورة نفسها التي استقر عليها قبل أن يختفي, لقد اختفى المقال وهو يشغل مساحة عمودين من الصفحة الأولى ليستكمل في الصفحة الثالثة (من ألفين إلى ألفين وخمسائة كلمة) وبالتصميم نفسه نشر رؤساء تحرير (الاهرام) بعد هيكل مقالاتهم, ولكن بدون كلمة (بصراحة) , فالكلمة التي يكتب تحتها ابراهيم نافع مثلاً هي (بهدوء) . ايضا لم يكن مقال (بصراحة) في البداية بالمساحة نفسها التي استقر عليها فيما بعد, كانت مساحة المقال في البداية لا تزيد على مساحة عمود في الجريدة, وربما اقل, اي من نحو 400 الى 700 كلمة, واحيانا كان المقال يكتب في نصف هذه المساحة, لكن فيما بعد كذلك كان ما يريد ان يقوله هيكل لا يكفي مقالا واحدا, كان يحتاج الى سلسلة مقالات ومن ثم كان نشر (بصراحة) في كثير من الاحيان يكون كل يومين او ثلاثة أيام وليس فقط كل (جمعة) كما اعتاد القراء, وكانت أول سلسلة مقالات نشرها هيكل هي (العقد النفسية التي تحكم الشرق الاوسط) وقد استمرت 7 حلقات, ابتداء من 11 يناير ,1958 اما اشهر هذه السلاسل فهي (رأيت الدنيا على حافة الهاوية) خمس حلقات ابتداء من 22 يوليو 1958 عن رحلة رافق فيها جمال عبدالناصر على ظهر اليخت (الحرية) الى يوغسلافيا و(البحث عن نهاية الفصل الاول) 7 حلقات ابتداء من 7 ديسمبر 1958 عن الصراع بين القومية العربية والغرب, و(أسرار من مذكرات ايدن) 7 حلقات ابتداء من 21 يناير ,1960 و4 حلقات غير متصلة عن (ازمة المثقفين) ابتداء من 2 فبراير ,1961 و9 حلقات عن حقيقة الانفصال السوري عن مصر بعنوان (حديث صريح عن التجربة الاولى للوحدة) ابتداء من 13 اكتوبر .1961. وأكبر مسلسل نشره هيكل تحت عنوان (بصراحة) كان المحاضر الرسمية لجلسات محادثات الوحدة الثلاثية وكان 26 حلقة. وتحت العنوان نفسه نشر هيكل الرحلة التي قام بها الى افريقيا على 7 حلقات ابتداء من 5 نوفمبر ,1965 والرحلة التي قام بها إلى آسيا على 6 حلقات ابتداء من 18 فبراير 1966 والرحلة التي صحب فيها الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف من موسكو الى القاهرة على 4 حلقات ابتداء من 8 مايو 1964. نحن وأمريكا اما اطول مسلسل سياسي كتبه هيكل فكان (نحن وأمريكا) على 11 حلقة ابتداء من 24 فبراير حتى 12 مايو ,1967 وكان يمهد للصراع المكتوم بين مصر واسرائيل والذي انفجر في صباح 5 يونيو ,1967 وقد انتهت هذه الحلقات بمقال كتبه هيكل قبل الحرب بثلاثة ايام بعنوان (الصراع الذي يدور في التفكير الإسرائيلي الآن) قال فيه: انه (لا مفر من صدام مسلح بين الجمهورية العربية المتحدة وبين العدو الاسرائيلي, اذا لم تستطع اسرائيل ان توجه ضربة تكسر بها الحصار العربي الذي يضيق من حولها الآن فإنها هي نفسها مهددة بأن تتكسر من الداخل) (مهما يكن وبدون استباق الحوادث فإن اسرائيل مقبلة على عملية انكسار تكاد تكون محققة سواء من الداخل أو من الخارج ان اسرائيل لم تكن ولن تكون كيانا طبيعياً يستطيع أن يتأقلم بسرعة ويواجه نفسه بسهولة ويسير مع الأجواء المتغيرة, لقد كانت ولاتزال في وجودها كدولة تقليدا للطبيعة صنع من مادة ليست أصيلة وليست صلبة أقرب ما تكون إلى تشكيل من الجبس لا يستطيع أن يتغير إلا إذا انكسر) . ومن اغسطس 1957 والى يونيو 1967 يمكن أن نلخص مقالات هيكل في الموضوعات التالية: ـ مواجهة ساخنة ضد النظم العربية المحافظة أو الرجعية ـ على حد الوصف الذي شاع وقتها ـ في الخليج والأردن والسعودية. ـ مواجهة بالسخونة نفسها للنظم العربية الثورية المعادية للناصرية مثل العراق أيام عبدالكريم قاسم, والجزائر في بداية انقلاب هواري بومدين على أحمد بن بيلا. ـ نقد حاد للسياسة الغربية, الامريكية واعتبارها القوة الدافعة الوحيدة لدول العالم الثالث ناحية الاتحاد السوفييتي. ـ دفاع عن سياسة عدم الانحياز وترويج لها باعتبارها الفرصة الوحيدة لدول العالم الثالث لكي تجد لها مكانا دافئا آمنا تحت الشمس, تتنافس عليها الدول الكبرى, بدلاً من أن تجد نفسها في ركبها وأسيرة لها. ـ كشف طبيعة المجتمع والنظام السياسي والعسكري في اسرائيل ومتابعة تطوراته بما في ذلك توصله للقنبلة الذرية. ـ متابعة دقيقة لما يجري في دول عربية كانت تراهن عليها مصر في ذلك الوقت, مثل سوريا ولبنان, ثم ليبيا بعد ثورة العقيد معمر القذافي.. واليمن بعد ثورة العقيد عبدالله السلال. ـ التعرض بدرجة أقل وحسب الظروف الملحة لقضايا العمل الداخلي مثل دور المثقفين في ظل النظام الثوري, ومشكلات القطاع العام, وطبيعة الديمقراطية في ظل التحولات الاشتراكية.. ودور الصحافة في ظل هذه التحولات أيضاً, وضرورات تقديم الميثاق الوطني, وضرورات إعادة تشكيل الاتحاد الاشتراكي, التنظيم السياسي الوحيد. ـ دور الفرد أو دور البطل في التاريخ مع تطبيق مباشر على جمال عبدالناصر. وقبل أن نتوقف عند القضايا المصيرية التي تناولها هيكل (خاصة قضايا الحريات والصحافة والديمقراطية والمثقفين ودور الفرد في التاريخ وهي القضايا التي كان حسابه عليها فيما بعد) نتوقف عند لحظات الحرج التي تعرض لها عندما فرضت عليه الظروف أن يوجد وجها لوجه أمام الحكام العرب الذين جلد سياساتهم وأشخاصهم بقلمه. قصة بوليسية مثيرة في 27 سبتمبر 1963 روى هيكل هذه القصة التي وصفها بأنها (كقصة بوليسية مثيرة جرت مشاهدها في باريس) . ويستطرد: وقع المشهد الأول في نفس اللحظة التي وصلت فيها إلى فندق (الكريون) الواقع على نقطة التقاء (الشانزليزيه) بميدان (الكونكورد) في قلب العاصمة الفرنسية. (ووجدتني أوقع باسمي في سجلات الفندق محاطا بجو غريب, نظرات فاحصة وأسئلة لا مبرر لها, ثم تدقيق في جواز السفر كأنما الذين أمسكوا به يقلبون صفحاته ويعيدون تقليبها يريدون أن يحفظوا كل حرف فيه, وبعد دقائق نزلت إلى صالون الفندق على لقاء مع الصديق صلاح بسيوني (فيما بعد اختلف معه هيكل بعد أن أصبح مسئولا عن جمعية السلام بين مصر واسرائيل) سكرتير السفارة المصرية في باريس) . (وفجأة أحسست للمرة الثانية بنفس الجو الغريب يحيط بي, وقلت لصلاح بسيوني: هل تعرف هذا الرجل الغريب الواقف هناك لا يرفع بصره عني أو يحوله؟ ونظر صلاح بسيوني إلى الرجل وبدت على ملامحه امارات عجب, وقال: هذا مسئول البوليس السري الفرنسي المكلف بالقسم العربي, وهو فعلا فيما يبدو ينظر إليك,, ولم تكد العبارة تنتهي حتى وقع شيء أغرب, أقبل ستة رجال طوال عراض ووقفوا صفا واحدا أمام باب الصالون الذي كنت أجلس فيه وأغلقوه تماما بأجسادهم وكانت ظهورهم جميعا نحونا إلا واحدا في نهاية الصف كان وجهه إلينا وإحدى يديه في جيبه يمسك فيها بشيء لا نراه لكن تصوره ميسور من الشكل العام للمشهد الذي نجده أمامنا, مسدس أغلب الظن) . ووضعت ما كان بيدي من أوراق على منضدة أمامي وقلت: زادت المسألة ولم تعد مفهومة. وقال زميلي: بيدك الحق, لم أر من قبل ما أراه الآن, على أي حال من الخير ألا تتحرك وأن ننتظر بعض الوقت لعل الغامض ينجلي, وتناهت إلى أسماعنا حركة في البهو أمام الصالون الذي كنا نجلس فيه وبعدها بقليل تفرق الرجال الستة الذين كانوا يسدون الباب علينا وبدا وكأن الحصار المضروب علينا قد توقف. ونهض صلاح بسيوني يقول لي: دعني أسأل ما الذي يجري هنا؟ وعاد بعد دقائق ضاحكا, وقال وهو يتخذ مقعده: يبدو انهم يعتبرونك ارهابيا خطرا أتى إلى هنا ليدبر جريمة اغتيال سياسي. قلت بدهشة: اغتيال سياسي لمن؟ قال: للملك حسين, ملك الأردن. يظهر انه ينزل هنا في نفس الفندق معك, وقد وصل قبلك بساعة واحدة. لقد كان أحد أفراد حاشيته أول من رآك وأنت تنزل من التاكسي الذي وصلت به إلى الفندق فأسرع وأبلغ مسئول البوليس الفرنسي المرافق للملك انك من أعدائه وان وصولك إلى الفندق الذي ينزل فيه وبعد وصوله بساعة ينذر بشر مستطير, ويظهر ان مسئول البوليس الفرنسي ذهب إلى أحد الوزراء المرافقين للملك وسأله عما إذا كنت فعلا من أعدائه الخطرين فإذا الذعر يركب الوزير الأردني إلى الدرجة التي حملت مسئول البوليس السري الفرنسي على ألا يترك شيئا للصدفة في سبيل حماية الملك منك. وعدت في الليل إلى غرفتي وأقنعتني النظرة الأولى إليها ـ وتجارب كثيرة سابقة ـ ان الغرفة جرى تفتيشها بدقة وحرص في الوقت نفسه, وقلت لنفسي: في الصباح أترك الفندق كله إلى غيره تجنبا للمشاكل, على ان محاولة البحث في الصباح أقنعتني ان الزحام في باريس أقوى من شكوك مرافقي الملك حسين ووزرائه في نواياي الارهابية, وقلت لنفسي: على أي حال لن يرونني في الفندق كثيرا, ان عملي كله خارجه وسوف تقنعهم التجربة ان ملكهم ليس هدفا من أهدافي في باريس.. لكن مساء ذلك اليوم وضعتني الظروف وجها لوجه مع الملك حسين. فقد كان يجلس في صدر صالون دخلت إليه مع اريك رولو رئيس قسم الشرق الأوسط في صحيفة الموند الشهيرة.. ولقد حاولت ألا أنظر إلى اتجاه الملك ثم جلست مع أريك رولو على مقعد يتجه بظهره ناحية الملك, لا رغبة في اساءة ولكن تحاشيا لأي لبس, وقال رولو هامسا: لقد كان الملك يبتسم لك ساعة دخلت. قلت: خير من بعض رجاله الذين يظنون اني قدمت إلى هنا في مؤامرة عليه, لقد لمحته بطرف عين يبتسم لكنني أدرت ظهري وجلست بهدوء, ولحقت بنا بعد قليل روزي زوجة رولو وخرجنا إلى عشاء في مطعم صغير أقيم في قبو من أقبية جزيرة (لويس) بني في القرن الخامس عشر وما زال على حاله من يومها. أنت تظلمه يا أستاذ! وفي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل دق التليفون في غرفتي وكنت قد دخلتها قبلها بدقيقة أو على الأكثر دقيقتين ورفعت السماعة لأتلقى سؤالا باللغة العربية عني قلت: نعم, هو. كان المتكلم هو الكولونيل عمر المدني الملحق العسكري الأردني في سوريا ولبنان. وطلب أن يقابلني, وأصر على أن يكون اللقاء في غرفتي في التاسعة صباحا على ألا يأخذ مني سوى عشر دقائق, وجاء في موعده تماما, ودخل وهو يرتدي ملابس مدنية قاتمة وقلت مجيبا: أهلا وسهلا, يؤسفني أن أستقبلك في غرفة نوم لكن هكذا أردت أنت, قال: لا بأس, نحن اخوة وان فرقتنا السياسة, وأحس انني أنظر إليه مترقبا فقال على الفور: سوف أدخل في الموضوع مباشرة, انني أعتبر نفسي ـ وأفخر بذلك ـ خادما للملك حسين, هل تراني مخطئا في شعوري نحو الملك؟ قلت له: ليس ذلك شأني, مهما يكن فأنا أحترم الناس في آرائهم قدر احترامي لحقي في رأيي.. قال: قرأت كل ما كتبته عنه في (صراحتك) لكنك ـ أستاذ ـ تظلمه, قلت: ربما, لكنني مخلصا ـ أصوره كما أراه ـ وقد يكون ما أراه هو الصواب, وقد يكون هو الخطأ.. لست أملك الحقيقة المطلقة, لكنني أملك ما أراه منها, أو هكذا أحاول جهدي. قال: لماذا لا تقابله؟ قلت: قابلته كثيرا من قبل لأحاديث طويلة وأنا هنا الآن في باريس في رحلة لا علاقة لها بالعالم العربي ومشكلاته, قال: هل تريد أن تقول ان وجودك في باريس في نفس الفندق مع الملك مجرد صدفة؟ قلت على الفور: أقسم لك انني عندما اكتشفت وجوده هنا فكرت في تغيير الفندق وإذا كنت لم أفعل ذلك فبسبب الزحام في باريس, قال: هي على كل حال إذن صدفة سعيدة ولا يجب أن نتركها تمر دون فائدة, إن الملك رآك أمس وابتسم لك لكنك أدرت وجهك, قلت: لم يكن ذلك سوى سلوك ولكن تفاديا لأي لبس. قال: هب ان الملك هو الذي يريد أن يقابلك. قلت: ان الملك مهما كان خلافي معه رئيس دولة عربية وأنا مواطن عربي, وحين يطلبني ـ خصوصا إذا كنا نحن الاثنين في الخارج ـ فأنا رهن اشارته) . وفي الساعة التاسعة والنصف جرى اللقاء بين هيكل وحسين, وكان هيكل حريصا على أن يأخذ من الملك اعترافا بأن اللقاء جاء بناء على رغبة منه, وانه لن تكون فيه ألقاب ملكية انتهت من مصر بعد الثورة, ومع السجائر والشاي اللذين قدمهما الملك لهيكل جرى الحوار الذي كان أهم ما قال فيه الملك ان السعوديين ليسوا أصدقاءه وانه يختلف معهم كثيرا, وان حزب البعث هو سبب الوقيعة بين مصر والأردن, وان بترول العرب لا يذهب خيره إلى العرب, وفي النهاية قال الملك: هل ضايقتك باصراري على الاجتماع بك؟ وقال هيكل: أبدا, أنت تعرف شعبنا, اننا نختلف مع الناس ولكن بغير حقد عليهم, بل قد نحارب سياستهم ولكن بغير كراهية لهم وبغير غل. قال باسما: لقد عشت في مصر سنوات حلوة (يقصد سنوات دراسته في كلية فيكتوريا بالاسكندرية) وأنهى هيكل الحوار قائلا: (وصافحت يده الممتدة ... ومشيت) . الطريق إلى جدة في عام 1965 عندما بدأت بوادر الصلح بين القاهرة والرياض بعد أن وصل الخلاف بينهما إلى حد الحرب المسلحة في اليمن كان على هيكل أن يرافق جمال عبدالناصر إلى جدة, ان السياسة تتخاصم وتتصالح, وفي النهاية تبقى الكتابة والصحافة هي التي تقف في الحلق والزور, تبقى الكتابة والصحافة وقد أحاطت بهما هواجس الجميع وانتقاداتهم, وهو ما يعني حرجا على الكاتب أن يخرج منه وإلا اتهم بأنه أداة في يد السياسة تستخدمه هراوة في الخصام وتستخدمه غصن زيتون في الوئام. في 27 أغسطس في ذلك العام كتب هيكل مقاله (بصراحة) بعنوان (كنت في جدة) قال فيه: (ذهبت هذا الاسبوع إلى جدة مع عشرات الصحفيين العرب والأجانب أتابع عن قرب أنباء مسعى السلام الذي آثر جمال عبدالناصر أن يقوم به قبل أن تصل الأمور إلى الحافة, وإلى الخطر, ولقد تعودت دائما أن أكون على استعداد للرحيل في أي وقت وإلى أي مكان وراء الحوادث ـ أو قبلها إذا استطعت ـ ومع ذلك أعترف ان في هذه الرحلة إلى جدة بالذات ساورني تردد لم أواجهه من قبل) . (إن لي مواقف إزاء أشخاص وتصرفات في السعودية, وأنا أعرف سلفاً أن هذه المواقف قد أغضبت البعض هناك, ومن هنا فلقد يبدو ذهابي الى المملكة أمر غير مرغوب فيه خصوصا وأن النظرة الذاتية في الشرق العربي مازالت ـ قبل النظرة الموضوعية ـ تلون الرؤية كما يشاء الهوى, ولقد رجحت في النهاية أن اذهب وفي ذهني اعتباران, الأول: انني ذاهب وراء الحوادث ومن أجلها والحوادث هذه المرة كبيرة ومضاعفاتها المحتملة خطيرة ولا يملك أي صحفي مهما كانت اسباب الحرج ان يبقى بعيدا يبني احكامه على السمع وينقل روايته عن الأطراف البعيدة عن مسرح التاريخ, والثاني: ان الالتزام الاصيل للصحفي ليس أمام الذين يكتب عنهم وإنما الذين يكتب لهم مهما كانت اسباب الحرج مرة أخرى, هكذا, آثرت الذهاب إلى جدة, مع إني ـ كما قلت ـ لي مواقف إزاء اشخاص وتصرفات في السعودية إلا أنني ـ وبغير تحفظ ـ على أتم استعداد لأن اتحمس من قلبي لعودة العلاقات طبيعية بين الجمهورية العربية المتحدة والسعودية, والعودة للطبيعة لا تنفي وجود الخلاف بل ان اسباب الخلاف في الطبيعة ذاتها) . اكثر من ذلك كان اختفاء مقال (بصراحة) فرصة للقيل والقال, للقول والتقول لخصومه, يفتحون اجتهادات تختلط فيها الشائعات بالامنيات.. لقد اضطرت ظروف هيكل ان يسافر الى لندن لمدة ثلاثة اسابيع لإجراء جراحة في عين طفله (علي) عندما كان صغيراً في يوليو 1965 وقد فتحت هذه الإجازة الإجبارية الضاغطة من الكتابة الابواب على مصارعها للإيحاء بأن هيكل قد وقع في خلاف مع جمال عبدالناصر وأنه حرم ومنع من الكتابة, بل ووصل الامر الى حد تصور انه قد اعتقل. عشاق الأسرار وعندما عاد هيكل الى الكتابة كان لابد أن يشرح ما جرى لوقف نزيف التكهنات والاستنتاجات, قال في مقال نشره في 6 اغسطس 1965 بعنوان (بعد زيارة لندن) : (لابد ان اقدم شكري غاليا وعزيزا للذين شغلوا انفسهم بأمري خلال ثلاثة اسابيع لم أكتب فيها هذا الحديث (يقصد (بصراحة) ) اكثرهم رعاهم الله قبلوا عذري بأني كنت في لندن لزيارة خاصة وأكاد أقول شخصية, واقلهم خصوصا في صحف دمشق وفي بعض صحف بيروت وفي اذاعات اسرائيل تمنعوا في قبول هذا العذر واصروا على أن هناك اسرارا اخرى وعلى ان وراء الاكمة ما وراءها, ومع انني لم اترك سرا يبقى عن سبب زيارتي للندن, فإن عشاق الاسرار اصروا على وجودها, واذا لم تكن في اغراضي فلابد ان تكون في اغراضهم. (وخلال ثلاثة اسابيع فإنني اتوقف لأنفي كل ما راحوا يتصورونه أو يصورونه عن مهمتي في لندن وعن اسبابها.. ولا أستطيع ان انكر على كل حال انني استمتعت إلى أقصى حد بكل الضجة التي أثاروها من حولي.. شيء ما فيها كان مرضياً لشيء ما في .. لعله الغرور.. اعترف واستغفر) . وهكذا.. كان نشر (بصراحة) يثير الجدل, وعدم نشرها ايضا, ولعل هذا ما جعل هيكل يقول فيما بعد: خير للكاتب ان يسأل الناس لماذا لا يكتب عن ان يسألوا لماذا يكتب؟ والافضل أن يكون الكاتب مثاراً للتساؤل دائما سواء كتب أم احتجب.