دقق في الصورة البانورامية العامة وسوف تلتقط ذلك النوع من التفاصيل ذات الدلالة الخاصة.. لترتسم بعد ذلك في ذهنك الخطوط العامة لصورة الغد البانورامية. من هذه التفاصيل أنقل اليك لقطتين: * شابان فلسطينيان يلتحمان في مفترق طرق مع مستوطن يهودي قرب مستوطنته في الضفة الغربية. يخرج المستوطن مسدسه.. لكنه مضطرب الاعصاب. ينتزع الشابان المسدس ويقتلان اليهودي. * شاب يهودي في الضفة ايضا يلقى مصرعه بصورة غامضة. فلا الامن الاسرائيلي ولا الامن الفلسطيني يعرفان كيف قتل. في بيروت يتلقى مكتب وكالة الانباء الفرنسية رسالة فاكس تتبنى عملية القتل كثأر لمقتل الطفل الفلسطيني محمد الدرة الذي أثارت صور مصرعه بالرصاص الاسرائيلي ضجة استنكارية عالمية. الرسالة مذيلة باسم منظمة سرية تطلق على نفسها (قوات الشهيد القائد عمر المختار) . المغزى المشترك لهاتين اللقطتين الحيتين هو ان الصراع الفلسطيني الاسرائيلي بدأ يتخذ الآن بعد اكثر من نصف قرن شكلا مستحدثا: شكل المبادرات الشعبية على المستويين الجماعي والفردي التي تتجاوز التنظيمات التقليدية الراسخة سواء على صعيد السلطة او المنظمات المعارضة. نحن هنا بإزاء أفراد ومنظمات ذات اسماء غير مألوفة ضاقت ذرعا بتراكمات الغضب فقررت الاندفاع في العمل باستقلال كامل وتجاهل للمؤسسات القائمة على جانبي السلطة والمعارضة المنظمة. هاتان صورتان بليغتان تخلوان من اي اثر لقوات السلطة الفلسطينية من ناحية وعناصر منظمات معلومة مثل (حماس) و(الجهاد الاسلامي) .. وما سبقهما زمانيا من منظمات مثل (فتح) و(الجبهة الشعبية) و(الجبهة الديمقراطية) . ويبدو ان العمل الوطني الفلسطيني في حالة مخاض الآن بحيث تظهر بوادر صورة جديدة للمستقبل المرئي.. صورة التمرد الشعبي الشرس على عقم الواقع. لمدى سبع سنين منذ اوسلو ظلت (عملية السلام) تمثل الاطار السياسي للصورة الداخلية الفلسطينية.. لكن هذا الاطار يتداعى الآن ليفسح المجال للاطار الاصيل المجلل بشعار (معركة وجود لا حدود) . ومن المفارقات ان الشعار ذاته يمثل عقيدة الخصم على الطرف الآخر من الصراع. فاليهود ينظرون الى الصراع مع الفلسطينيين اولا والعرب اجمعين ثانيا من منظور مقولة هاملت: (اكون او لا اكون) المستندة الى اسطورة (شعب الله المختار) . ومن هذا المنظور تعتبر (عملية سلام الشرق الاوسط) يهوديا وسيلة اخرى للتمكين الصهيوني على الارض (التوراتية) . هذه هي صورة الواقع اليهودي الحي.. تلك الصورة التي تتجاهلها الزعامات العربية عمدا من اجل تسويق السلام الزائف الى جماهيرها العربية. وأخطر عنصر يجري تجاهله هو ان الجيش الاسرائيلي منخرط على خط مواز لمسلسل التفاوض الوهمي في برامج حثيثة واسعة النطاق لتدريب جموع المستوطنين اليهود في مستوطنات الضفة وغزة على استخدام البنادق القناصة استعدادا للمستقبل. لكن يبدو الآن ان ساعة الحقيقة قد حلت.. بانفضاح مغزى وهدف عملية السلام, وبالتالي ارتداد جوهر الصراع الى جذوره. (نحن او هم) : هذه هي خلاصة القراءة للانفلات الشعبي الفلسطيني العارم الذي شهدناه في الايام القلائل الاخيرة. هذه هي المرحلة التي يصل فيها الافراد والجماعات الى قناعة حاسمة بأخذ المبادرة دون استئذان من احد.