يرى جوزيف ليبرمان, نائب المرشح الديمقراطي للرئاسة الأمريكية, أن الوقت غير ملائم لنقل سفارة واشنطن الى القدس. وهو يقترح أن تقترن هذه الخطوة بانتهاء المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية, والتوصل الى اتفاق بشأن مستقبل المدينة. ولأن الرجل يهودي, معروف بالتزامه الديني وإنحيازه التلقائي لإسرائيل ومساندته لتطوير الدعم الأمريكي لها, فإن موقفه يبدو لافتا اكثر مما تتوقع الدوائر الإسرائيلية منه في مرحلة حساسة من مسار قضية القدس. والواقع أن رؤية ليبرمان تكاد تجافي الحماس المحموم الذي تتسم به مواقف رئيسه الحالي بيل كلينتون, فهذا الأخير يهدد بأن يكون نقل السفارة أخر ما يقوم به قبل مغادرة البيت الأبيض الى الأبد في يناير المقبل. مثل هذه الحيثيات, تجعلنا نتشكك في أن ليبرمان ينطلق في مقارنته المميزة عن عقلانية فائضة أو عن خصال أخلاقية وقانونية يستهدي بها, بمعزل عن قيادة الحزب الديمقراطي والاتجاه العام الغالب في حملة الانتخابات الأمريكية عموما وهذا يستدعي الاجتهاد في تحري ما وراء هذه المقاربة. على أنه قبل ذلك, تنبغي الإشارة الى أن ليبرمان لم يصدر في موقفه عن موضوعية وحيادية إزاء قضية القدس, كما ذهبت بعض التحليلات العربية, فهو يقر خطوة نقل السفارة من حيث المبدأ, لكنه فقط يبحث (التوقيت المناسب) أي أنه يأخذ جانب الاستراتيجية الأمريكية, التي أهدرت القانون الدولي المحدد لمصير المدينة المقدسة بشطريها المحتلين منذ عامي 1948و..1967 ويبدي حذرا أكثر في التكتيكات على طريق تنفيذ هذه الاستراتيجية. ولكي يوصف ليبرمان بالموضوعية عن جدارة, كان الأولى به وبغيره من المسؤولين الأمريكيين الاتساق مع الشرعية الدولية التي لا تقر سياسة الأمر الواقع المفروضة بقوة الاحتلال الصهيوني في المدينة لأكثر من خمسين عاما. تقديرنا أن لبيرمان يعالج قضية القدس بتدبر وتدبير يليقان بأي صهيوني ضليع. إنه يدرك, من جهة, ضرورة إبعاد شبهة الانحياز الصريح الى الجانب الإسرائيلي, التي يمكن أن تنشأ عن خلفيته اليهودية. وبذلك, يريد أن يظهر كحريص على ولائه الأمريكي, مخاطبا بذلك سواد الناخبين الأمريكيين. فالناخب اليهودي يبدو مضمونا في حالته. كيف لا وقد بلغ موقعا فريدا في تاريخ اليهودية الأمريكية, يصعب على هذا الناخب تجاوزه. ولكن ما المصلحة الأمريكية الأبرز في عدم التعجيل بنقل السفارة قبل نهاية المفاوضات, طبقا لرؤية ليبرمان؟.. من الواضح أن ليبرمان يعي من جهة أخرى, أن هذه الخطوة ستفضي الى القضاء على النذر اليسير من الثقة العربية الإسلامية في الوسيط الأمريكي. بصيغة أخرى, يفهم ليبرمان, وكثير من خبثاء السياسة الأمريكية (والإسرائيلية أيضا) أن تنفيذ قرار الكونجرس الأمريكي بنقل السفارة الصادر عام ,1995 المحجوب بقوة الرئيس الأمريكي الدستورية, سوف يفاقم التعقيدات المتوفرة أصلا أمام الرعاية الأمريكية للمفاوضات. وهناك احتمال قوى لإقحام المفاوضين الفلسطينيين الحاليين في مشكلات داخلية قد لا يمكنهم التصدي لها. وكلا من هذين الاحتماليين لا يتفق والمصلحة الأمريكية أو الإسرائيلية. والواقع أن هذا التحليل المبسط هو المسؤول عن القرار الرئاسي الأمريكي, الذي يتجدد كل ستة أشهر منذ أكتوبر ,1995 بإرجاء خطوة نقل السفارة الى الرئاسة خلال السنوات الماضية وتكييفها للمصلحة الأمريكية قبل اشتداد حمأة الحملة الانتخابية الجارية. إن ديمومة الدور الأمريكي وبنية التسوية على ما هما عليه خلال العقد الأخير, أثمن بنظر ليبرمان الداهية من نقل السفارة في المرحلة الحالية. فالتداعيات التي ستترتب على هذه الخطوة قد تذهب بريح هاتين السمتين, فيما ستؤدي ديمومتهما, الى تأمين عملية النقل في أجواء من التراضي العامة بعد إحلال التسوية التي لن تكون إلا في صالح إسرائيل. مواقف ليبرمان وصحبة من محازبيه الديمقراطيين ومنافسيه الجمهوريين, تمنحنا مؤشرا معتبرا حول المدى الذي أصبحت عليه قضية القدس في غمرة السياسة الأمريكية. فهذا الاهتمام الظاهر بالقدس, بوضعها على رأس أجندة خطابات المرشحين والناخبين, يؤكد أن مصير المدينة المقدسة يقع في منطقة التقاطع بين ما هو شأن داخلي أمريكي صرف وما هو شأن خارجي. وهذه ظاهرة تفشت أكثر غداة افتتاح عملية التسوية العربية الإسرائيلية في مدريد, وتعمقت بعد توقيع اتفاق أوسلو وتوابعه, واستفحلت في الوقت الراهن في مناخ ما يسمى بمفاوضات المرحلة النهائية على المسار الفلسطيني. ورب قائل في هذا الإطار, بأنه لا خطورة من ظاهرة كهذه طالما أنها تحاور في دائرة المزايدات والمناقصات الانتخابية, وأنه قد ثبت عبر السوابق أن اتجاه التريث والعقلانية هو الذي ينتصر في قضية نقل السفارة الأمريكية بعد انفضاض الموسم الانتخابي, لكن هذا الطرح يتجاهل ما أستجد مؤخرا بفعل مخرجات عملية التسوية. ففي معمعة قمة كامب ديفيد الثانية, أضحى المطلب الفلسطيني (العربي العام) محصورا بالسيادة على شرقي القدس في الحد الأقصى, وبدا القسم المحتل من المدينة منذ عام 1948 وكأنه مستبعد تماما من البحث والتفاوض, وفي هذا إيحاء كاف بالتسليم بالسيادة الإسرائيلية على غربي القدس (أكثر من 85 في المئة من القدس التاريخية). الأسئلة والحال كذلك كثيرة. منها, ما الذي يحول دون السياسة الأمريكية والتصرف بنقل السفارة الى هذا الشطر الأخير نزولا عن الواقع الجديد؟. بمعنى أنه إذا كان المفاوض العربي ذاته قد تخلى عن القدس الغربية, فما وجه المنطق في معارضته لانتقال السفارة الأمريكية الى هذا المكان؟ ثم ألا يعتبر موضوع النقل من عدمه قضية داخلية أمريكية بالفعل وربما يخص العلاقات الإسرائيلية الأمريكية فقط إن أراد البعض؟ من الواضح أن استبعاد غربي القدس من التفاوض يضر بالخطاب العربي إزاء قضية نقل السفارة الأمريكية إليها, ويسمح لليبرمان وبقية المرشحين للتعاطي مع القضية وهم بمأمن من شبهة التحيز المسبق القانوني والسياسي في قضية مصير القدس. ومازالت هناك فرصة لإستدراك هذا الخطأ. كاتب فلسطين - القاهرة