ايا كان الرأي في امريكا وسياستها.. لايستطيع المحلل او المراقب السياسي ان يعزل نفسه عن متابعة وتحليل مجريات الحملة الانتخابية الرئاسية الراهنة المقرر ان تصل الى نهايتها بعد اسابيع قليلة, وبعدها, في غضون نوفمبر المقبل تتحدد الاجابة عن السؤال المهم: ـ من الذي سيحكم امريكا خلال السنوات الاربع وربما السنوات الثماني المقبلة؟ * هل هو جورج بوش الابن وحزبه الجمهوري الذي بدأ في اول الامر مرشحا غريرا بغير خبرة يعتد بها في عيون الناخبين ثم اسلم نفسه الى ماكينة تشذيب وتدريب السياسيين وهي آلة تجمع بين تروس الخبرة السياسية والدعاية الاعلامية الى ان اصبح شخصية سياسية تؤخذ على الاقل على محمل الجد في مضمار العمل العام. * ام سيكون آل جور الذي طرح نفسه منذ البداية في اعين الناخبين بوضع المرشح المجرب الخبير الذي اقام في جناح النائب الرئاسي بالبيت الابيض 8 اعوام كاملة دون ان يصيبه, كما يصوره مؤيدوه رذاذ كثير من جراء الفضائح السلوكية التي لطخت سمعة البيت الرئاسي المذكور واذا كان جور, كما هو معروف قد بدأ في اول الامر شخصا جامد الشخصية, مفتقرا الى الجاذبية الجماهيرية في عيون الناخبين, فهو لم يكذب, كما يقولون خبرا من جهته ومن ثم لم يتورع بدوره عن ان يسلم نفسه, كما فعل خصمه الجمهوري, الى نفس الماكينة اياها, وكان ان افلحت تروس البروباجاندا في (اعادة اختراع) آل جور اذا استخدمنا تعبير جور شخصيا وقد سبق هو الى استخدامه عندما عهد اليه رئيسه كلينتون منذ سنوات قلائل برئاسة لجنة مسئولة عن تبسيط واصلاح الاجراءات البيروقراطية وصدر التقرير يومها بعنوانه الشهير (اعادة اختراع.. الحكومة) , وهكذا خرج السيد آل جور من (العملية) في اهاب شخصية جديدة, ـ كما يطمحون ـ شخصية السياسي الذي يجمع بين حنكة التجربة ومناقبية الاخلاق, ويصل بين خبرة العمل العام وبين جاذبية التواصل مع نبض الجماهير (من الطريف ان جور وعى درس البروباجاندا اكثر من اللازم, قال له خبراؤها انه ما يعيبه هو بطء الايقاع في الخطب التي يلقيها على مسامع الناس ومن ثم فالمطلوب هو تسريع وتيرة هذا الايقاع وما كان من آل جور في خطابه المحوري بقبول الترشيح في اغسطس الماضي الا ان القى خطابه بسرعة شديدة تكاد تكون لاهثة حتى يتصور الناس انه رجل السرعة والانجاز والبت الحاسم ولكن بلغت السرعة اللاهثه حدا سخر منه المحللون حتى ان سام مندلسون في قناة اي.بي.سي الشهيرة الذي قال معلقا على الفور ـ مابال السيد جور يلقي خطابه مثل رجل يريد ان ينهي كلامه لكي يلحق بطائرة حان موعد اقلاعها؟ عالم القطب الواحد وفي كل حال فالمحللون السياسيون في ارجاء العالم يشغلون انفسهم بما تسفر عنه انتخابات البيت الابيض الوشيكة.. لا حبا في سواد, او زرقة عيون الفائز اي كان ولكن بالاحرى, لان شخصية ومن ثم طروحات واجتهادات وسلوكيات الرئيس الامريكي, أي رئيس امريكي, اصبحت بحكم الامر الواقع امرا في غاية الاهمية وتتوقف عليه مجريات ومصائر امور شتى في العالم الذي نعيش فيه. ويرجع ذلك اولا الى اننا في عالم القطب الواحد (الامريكي) وقد يظل الامر هكذا الى سنوات مقبلة ذلك وضع لايحقق مصالح الشعوب الاخرى وخاصة في العالم الثالث التي طالما وجدت قياداتها متنفسا سياسيا ومساحة للحركة او فلنقل للمناورة واحيانا للمراهنة السياسية ضمن الهامش الذي كان يفصل طوال عقد الخمسينيات الى الثمانينات بين قطبي العالم آنذاك: الروسي (السوفييتي) والامريكي, صحيح ان هذا الهامش كان يضيق او يتسع حسب تطور الاحوال وانه وصل الى مساحة ضئيلة للغاية بعد ظاهرة الوفاق ـ الانفراج بين المعسكرين في اواخر عهد بريجينيف في الكرملين, الا انه كان هامشا في كل حال ويرجع ذلك الى ان الرئيس الامريكي لايأتي كفرد ـ مطلق فرد ـ في السلطة العليا في كبرى دول العالم المعاصر, انه يأتي كمنفذ سياسة اوسع من شخصيته ومنفذ اجندة داخلية وخارجية يمسك ببداية خيوطها بحكم موقعه القيادي, ولكن نهايات هذه الخيوط تمتد, عبر تلافيف شبكة المصالح القومية داخل امريكا, وربما تعبر الحدود الى حيث دول المحالفة الغربية وهي تتماشى في هذا كله, مع المصالح القومية لدول العالم الاخرى في الجنوب وفي الشرق من الكرة الارضية وهي تفعل ذلك بالسلب وبالايجاب وان كان السلب هو السائد في اغلب الاحوال (تأمل مثلا موقف امريكا في ازاء المجازر التي ارتكبتها مؤخرا الآلة العسكرية الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني الذي يدافع عن اقدس مقدساته الدينية والوطنية, حيث لايتورع (الصديق) الامريكي عن مطالبة الجانبين الجاني الصهيوني, والضحية, المناضل الفلسطيني, بضبط النفس! اليسار واليمين الى الوسط وفي ضوء هذه العوامل ينشغل المراقبون بالتساؤل عمن سيفوز في الانتخابات الامريكية: هل هو الحزب الجمهوري او الحزب الديمقراطي. ورغم اهمية مثل هذا السؤال فالامر العجيب هو ان الحزبين لم يعد بينهما, كما يوضح محللو السياسة الامريكية ذاتهم, فرق جوهري يميز بينهما بوضوح قاطع, جامع مانع كما يقول المناطقة. في مجلس النواب الامريكي ـ مثلا بلغ التقارب بين الحزبين الى حد ان نسبة عضوية المجلس لصالح الجمهوريين لاتبلغ سوى 50.5 في المئة في مقابل 49.5 في المئة للديمقراطيين وهي نسبة لايؤبه بها احصائيا وهي الاقرب من حيث التداخل بين الجانبين منذ عام 1958. ولعل السبب في هذا التداخل ان كلا من الجانبين يسرق, او فلنقل يقتبس من (الاخر) جانبا من افكاره ويعمد الى تطويعها وتكييفها على قد طروحاته ومن ثم يعيد انتاجها وطرحها على جماهير المؤيدين. من مواقع اليسار (النسبي طبعا حسب الصيغة الامريكية) يتحرك الديمقراطيون الى اليمين فيشرعوا في الحديث عن الدين والاخلاق بل ويختارون يهوديا متدينا لترشيحه نائبا للرئيس ومن ثم لاحتمال ان يكون يوما حسب اعراف الدستور رئيسا للولايات المتحدة ناهيك عن تقرب الديمقراطيين الى خصومهم التقليديين من اهل الاحتكارات الرأسمالية العاتية حيتان الاقتصاد, البج بيزنس كما يسمونهم والسبب هنا بديهي ويتمثل في طلب التبرعات المليونية السخية لصالح حملة انتخابية فادحة التكاليف. ومن الجانب الاخر يتحرك الحزب الجمهوري من موقع اليمين (مرة اخرى حسب الصيغة النسبية الامريكية) فاذا به يفارق مواقعه التقليدية من التحيز الى اهل الثراء والنفوذ والممتلكات والمصالح الضخمة في المجتمع الامريكي وكان هذا يتمثل في دعواته المتواصلة الى خفض معدلات الضرائب مما يقيد هذه الفئات المقتدرة من المالكين والمتنفذين, وهكذا رأينا الحزب الجمهوري وقد اضفى تغييرات وتعديلات اساسية على خطابه السياسي العام وبدأت طروحاته تتحدث عن ابناء الطبقة الوسطى بل وعن صغار العاملين دع عنك محاولاته في ان يضم لصفوفه مجددا عناصر تنتمي الى القطاعات الاجتماعية المعروفة بولائها التقليدي للحزب الديمقراطي ومنها مثلا السود (الافرو ـ امريكيين) والسكان من اصل اسباني (الاسبانيون المهاجرون من امريكا الوسطى وامريكا الجنوبية) ومن في حكمهم من الشرائح والطبقات التي يصدق عليها اسم التهميش داخل المجتمع. ومع هذه الحركة الجمهورية يسارا والحركة الديمقراطية يمينا كان كل من الحزبين يلتقي عند نقطة الوسط السياسي بحيث انها حد الحدود التي كانت فارقة او فاصلة في الايديولوجية السياسية الاجتماعية التي كان يتبناها كل من الحزبين. عامل الرخاء الاقتصادي وعليه لايتوقع المراقبون مفاجآت تنفجر على الطريق الواصلة من الآن وحتى ايام الانتخابات الحاسمة في نوفمبر زد على هذا ان الاقتصاد الامريكي يعيش حاليا, كما هو معروف حالة من اليسر والازدهار ورغم ان هذا الانتعاش الاقتصادي الذي بلغ مرحلة الفائض في الميزانية يرجع الفضل فيه الى قيادة كلينتون الديمقراطي الا ان الامر سيفيد وياللغرابة ـ النواب والشيوخ ـ اعضاء الكونجرس من كلا الحزبين لماذا؟ لان من الامور المجربة في علم السياسة ان الناس, الناخبين اذ يشعرون بقدر نعموا به من البحبوحة الاقتصادية فهم لايميلون بل يعزفون عن اجراء اي تغييرات في البنى والهياكل السياسية التي يتعايشون منها ومعنى ذلك انه لن يحدث تغييرات ملموسة تطيح بالنواب والشيوخ من دوائرهم الانتخابية التي يحتلونها حاليا, يجنح الناخبون الى بقاء كل شيء على حالة لايميزون في هذا بين نائب ديمقراطي وآخر جمهوري بل الافضل في نظرهم ان يظل عضو مجلس النواب او السناتور عضو مجلس الشيوخ باقيا في منصبه المنتخب مادام الاقتصاد بخير وما برحت الاحوال في امان ـ كما يقولون ـ وطمان. نفس التوازن المتوقع بين الحزبين مازال يطرح نفسه ايضا حتى في حالة الفردين المرشحين لرئاسة الدولة. رأي الخبير الاعلامي يقول الاستاذ (تشارلس كوك) وهو خبير في امور استطلاعات الرأي العام ان كلا من بوش ـ الابن وجور ـ النائب بدأ حملته وهو يستحق درجة 6 من 10 من حيث القبول والمصداقية ومع آفاق التحسين في كلا المعسكرين يظل التوازن قائما حتى بالنسبة لمن يتوقع ان يغيروا اراءهم من جموع الناخبين, وهذا النوع هو الاهم في موازين الحملة الانتخابية في الدول الديمقراطية هو الناخب الواعي الذي يختار لاسباب تنبع من قناعته, والذي يشكل قناعاته من منطلق رصده ومتابعته لمجريات الامور وعن هذه النوعية من الناخبين يقول الاستاذ كوك (في دراسة نشرها في احدث الاعداد الصادرة من فصلية واشنطن كوارترلى المخصصة). ـ (هذا الناخب الواعي).. يرى ان جور هو الاذكى وهو الاعمق معرفة واحاطة بالامور وهو الاكثر خبرة وتمرسا ـ على الاقل فيما يتصل بأمور رئاسة الدولة ـ ولكنه يرى جور من ناحية اخرى غارقا في احابيل لعبة السياسة وممعنا في التحيز الحزبي بل وانتهازيا في التحليل الاخير وهذه النوعية من الناخبين تميل الى ان ناحية بوش (الابن) وتثق فيه ولكنها ستظل تسائل نفسها: هل هو ذكي بما يكفي وهل معارفه والمامه كاف لاداء المسئولية وهل يتمتع بالقدر الصحيح المطلوب من الخبرة والتمرس, هذه النوعية قد لاتفضل التصويت لصالح آل جور ولكنهم يعرفون كم انه محنك ومؤهل وقد تفضل التصويت لصالح جورج دبليو بوش ولكنهم ليسوا متأكدين مما قد يتمتع به من حنكة او تأهيل. وهنا قد نسأل الخبير الاعلامي, السياسي الامريكي فالذي يمكن ان يحسم هذه الحيرة وهذا التقارب الشديد الى حد التماس بين موازين كل من المرشحين والاجابة يوردها تشارلس كوك في عبارة موجزة يقول فيها: ـ في نهاية المطاف فالذي يحسم امر هذا الاختلاف هو المناظرات المتلفزة التي سوف تعقد بين كلا المرشحين. سوابق المناظرات المتلفزة والذي لم يضفه خبير استطلاعات الرأي العام هو ان مسار العملية السياسية في امريكا شهد اكثر من سابقة في هذا المضمار حسمت فيه المناظرة المتلفزة امر الناخب وانتشلته من حيرة الاختيار. ففي عام 1960 كانت النقاط متقاربة ربما الى حد التماس كما هو حاصل الآن, بين المرشح الديمقراطي جون فيتزجيرالد كينيدي والمرشح الجمهوري ريتشارد نيكسون طرح كينيدي نفسه على الناس بوصفه دما جديدا وشابا واعدا مبشرا بالتغيير بعد 8 سنوات من حكم الرئيس ايزنهاور الجمهوري (وهو هنا يقترب من طروحات بوش الابن الراهنة) وطرح المرشح الجمهوري نيكسون نفسه على اساس تجربته وحنكته ومرانه الطويل خلال السنوات الثماني السابقة التي عمل فيها نائبا لرئيس الجمهورية (نفس مؤهلات آل جور الحالية). ومن عجب ان تتماثل المعارضة في حالة كل من كيندي وبوش ـ الابن اذ رفعوا ويرفعون في وجه كل منهما حكاية عدم خبرته واستناده الى جاه اسرته وثرائها العريض. ومن عجب ايضا ان تتماثل المعارضة في حالة خصميهما نيكسون وجور اذ رفعوا ويرفعون في وجه كل منهما مقولة برود الشخصية والعجز عن وفاء التواصل مع الجماهير, بل كان لكل من مرشح منهما ملف اسود هو في حالة جور مشاركته او تورطه في قبول اموال مشبوهة من التبرعات لصالح حزبه, وكان في حالة نيكسون ضلوعه في انشطة المكارثية التي لاحقت بالاضطهاد والتشهير مجمل مثقفي امريكا وصفوة مبدعيها متهمة اياهم بخيانة الوطن لصالح الشيوعية (وكان نيكسون ايامها ـ فاتح الخمسينيات مساعدا للسناتور الامريكي البغيض ايو جين مكارثي). واذ تساوث الموازين او كادت فقد حسم الامرين كينيدي ونيكسون في المناظرة التلفزيونية الشهيرة التي عقدت بينهما. اطل كينيدي موفور الصحة والشباب يحسبه الناس صديقا الاسرة او ابن الجيرة وتتجسد في حركاته وسكناته وافكاره كلمة (الوعد) فيما لم تخدم العدسة غريمه نيكسون الذي رآه الناس بسحنة باردة وتقاطيع غير مريحة وطروحات قد تنبىء عن سياسي واعر.. محنك ولكن لاتستريح اليه النفس ولا يؤمن له جانب. وهكذا فاز كينيدي وبفارق ضئيل للغاية اخيرا يقول تشارلس كوك. صحيح ان استطلاعات الرأي الجماهيرية تكاد ترجح فوز بوش, في حين ان النماذج السياسية التي يصممها علماء السياسة تكاد ترجح فوز جور ـ لكن على المحلل والمراقب السياسي ألا يظل حبيسا اسيرا لهذه الاستطلاعات (بولز) ولا تلك النماذج (موديلز) فهناك احداث وتحولات يمكن ان تقع وهناك ظروف وملابسات يمكن ان تتغير ولو كانت الحملات الانتخابية على مايتصوره البعض من التأكد او الرسوخ لما صرفت فيها تلك المبالغ الطائلة بل الهائلة من الاموال. كاتب سياسي من مصر