وكم ذا بمصر من المضحكات, ولكنه ضحك كالبكا معلوم ان الشعر يكون أوقع أثرا إذا جاء ناقدا من النثر ومن سواه لسبب بسيط وهو ان الشعر لما فيه من موسيقى ظاهرة وباطنة يجعله أكثر التصاقا بالنفوس وأسرع حفظا وأطول بقاء لانه لا يحتاج للمحافظة عليه وطرحه لا إلى كتاب ولا إلى حبر وورق ولا إلى لوحة ولا إلى مسرح فالشعر مسرحه الأرواح وحبره المشاعر والأحاسيس ومادته القول المحفوظ ووسيلة حفظه موسيقاه. والدليل على ذلك ان شعر العرب الذي يحمل احتجاجا ونقدا بل وثورة على المجتمع أو السلطة المتمثلة في ملك أو سلطان أو أمير, باقٍ لا ينسى ومحفوظ على مر القرون ويكفيك من ذلك بيت أبي الطيب الذي وضعته على مفرق هذه المقالة فهو لا شك بيت خالد مَرَّ على ساعة قوله ما يزيد على عشرة قرون وهو لا شك في رأيي من أقدم (كاريكاتيرات) القول عندنا التي تدلل على ان العرب القدماء سبقوا سواهم في فن الكاريكاتير بمعناه لا بصورته وهيأته, وان المتأمل لحقيقة بيت الشعر ذاك والحقيقة المبتغاة من وراء كاريكاتير اليوم يجدها واحدة وهي السخرية بمرارة أو المرارة في وجه ضاحك, ثم يبقى الفضل للمتقدم في معنى ذلك الفن وهو أبو الطيب وقد أدرك أبو الطيب سبقه ذلك وفضله فقال عن نفسه: أنا السابق الهادي إلى ما أقوله إذ القول قبل القائلين مقولُ والحقيقة ان هذا الفن الساخر الباكي فن الكاريكاتير فن يختصر المأساة في خطوط ووجوه تثير الضحك من الأشياء ولكنه ضحك يشبه البكا كما يقول أبو الطيب. ولقد برع في ذلك كثيرون أشهرهم الكاريكاتيري الفرنسي هونورا دومير الذي رسم في أوائل القرن التاسع عشر الملك لويس فيليب الذي كان بدينا كما لو كان ثمرة كمثرى عملاقة فأمر الملك بحبسه. كما اشتهر في الولايات المتحدة فن الكاريكاتير كرسوم كاريكاتيرية سياسية في الصحف وكان أشهر رساميه توماس ناست وكان لرسومه التي هاجمت الفساد السياسي أثر كبير فيما بين سنتي 1869 و1872. وفن الكاريكاتير فن غربي الأصل وهو مشتق في تسميته من كلمة ايطالية تعني (يحمل ما لا يطيق أو يبالغ) ولقد ظهرت أول رسوم كاريكاتيرية في أوروبا خلال القرن السادس عشر الميلادي وكان معظمها يهاجم البروتستانتيين أو الرومان الكاثوليك خلال الثورة الدينية التي عرفت بحركة الاصلاح الديني, وقد أنجبت بريطانيا عددا من المشاهير في هذا الفن خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر منهم وليم هوجارث وجورج كروك. ولقد أخذ العالم العربي ذلك الفن من الغرب كما أخذ سواهم من بلدان العالم حتى أصبح فن الكاريكاتير لغة عالمية يكفي أن تعلم بعضا من ملابسات وأزمات العالم حتى تفهم الكاريكاتير المرسوم دون حاجة إلى كتابة فالكاريكاتير رسم يقرأ. ولقد برع من الكاريكاتيريين العرب مجموعة كبيرة لعل أشهرهم ناجي العلي والمصري جورج البهجوري ومصطفى حسين والسوري علي فرزات والعراقي علي المندلاوي والبحريني عبدالله المحرقي. وان آخر الرسامين الكاريكاتيريين في الامارات هذه الأيام الرسام المبدع حيدر محمد الذي تتولى رسومه المختصرة لطويل الكلام والضاحك الباكي كل يوم في بيان اليوم والتي كان من أبرزها كاريكاتير يوم أمس الذي يصور فيه الجندي الاسرائيلي واقفا يهزأ بصواريخ العرب الورقية بأنواع من استنكار وشجب. ولقد كان لذلك الكاريكاتير فعل السحر, فقلت في مقتل الطفل الفلسطيني محمد درة: ذبحتك الرصاصة البربرية وكوتك المواقف العربية أيها (الدرة) الذي مات موتا حسدته عليه نفس أبية أيها الفارس الصغير ستبقى رغم موت طواك روحا فتية وسنبقى حناجر تتباكى ثم ننسى المشاهد الهمجية أيها الواقف رغم موتك فينا تتحدى الغرور والعنجهيّة تتحدى ونحن قوم رضينا بتحدي اللواحظ السمهريّة ثم ماذا لقد شربنا خزايا كأسنا مرة فأين الحميّة فإلام التصبر المرُّ هذا وإلام اليهود والبربرية أوليست دماءنا عربية أوليست فتوحنا عمريّة كيف غادت نجومنا فرضينا بسماء من النجوم خلية كيف غاضت عيوننا فشربنا أكؤس الذل وارتضينا الدنية كيف كيف اعتذارنا عن غياب قد تمادى وردة يعربية قد مللنا الحياة غض السلام وحمام وحكمةٍ وروية وأطلنا السكوت حتى سمعنا من ينادي على الوجوه الحيية؟ وأطلنا الرقاد حتى سمعنا من ينادي أرقدة أبدية وأطلنا الكلام في كل شيءٍ ليس يجدي حتى أضعنا القضيّة ولبسنا وقد بقينا عرايا لا تواري الثياب سوء الطويّة