عندما قرر جمال عبدالناصر إصدار جريدة (الجمهورية) كان أول من فكر فيه ليتولى مسئولية تحريرها هو هيكل, لكن هيكل سارع بالاعتذار, وكانت وجهة نظره (إنه متمسك بـ (أخبار اليوم), ومتمسك بعمله فيها وبصداقته مع أصحابها) ثم (ان الفارق بين الثورة والحكومة ضائع, وفي النهاية فليست هناك صحيفة ستصدر عن الثورة وإنما عن الحكومة) . ولم يتصور هيكل نفسه (في جريدة حكومية) ثم (ان الثورة لا تحتاج جرائد تعبر عنها, فكل صحافة مصر تفعل هذا الشيء) (1). لكن تمسك هيكل بـ (أخبار اليوم) لم يستمر طويلا, فقد راحت (الأهرام) تشير إليه بما هو مغر ومثير. لقد جاء مؤسس (الأهرام) سليم تقلا من سوريا هربا من جور السلطان عبدالحميد, الذي كان يمد نفوذه من تركيا على سوريا, وفي الوقت نفسه لم يتردد سليم تقلا في أن يضع نفسه في خدمة الخديوي إسماعيل الذي كان مهووسا بالدعاية وحب الظهور, فكان أن قدم له التماسا في 27 ديسمبر 1875 بانشاء مطبعة (الأهرام) , ووافق الخديوي إسماعيل, وفي الخامس من أغسطس 1876 صدر العدد الأول من (الأهرام) الاسبوعية في أربع صفحات. وابتداء من يوم الاثنين الثالث من يناير 1881 أصبحت (الأهرام) جريدة يومية. وفي أول أغسطس 1957 وعلى صدر العدد رقم 26000 وضع اسم هيكل رئيسا للتحرير. كيف أترك بيتي؟ لكن انتقال هيكل من (أخبار اليوم) إلى (الأهرام) لم يكن عملية سهلة, لقد عرض علي الشمسي باشا ـ رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي ورئيس تحرير مجلس إدارة (الأهرام) ـ رئاسة تحرير (الأهرام) عليه في لقاء جرى خارج الحدود في يونيو 1955. كان هيكل في جنيف يتابع مؤتمر أقطاب العالم الكبار الذي انعقد فيها (وهم نيكيتا خروتشوف من الاتحاد السوفييتي ودوايت أيزنهاور من الولايات المتحدة وأنتوني ايدن من بريطانيا وادجار فو من فرنسا) وأثناء وجوده هناك قابل هيكل علي الشمسي في فندق (دي برج) فاتحه علي الشمسي في فكرة انضمامه إلى (الأهرام) فسأله هيكل: (ماذا أفعل في الأهرام؟) . فكان الجواب: (ترأس تحريرها) .. ولكن هيكل سارع بالاعتذار, وطرح له أسبابه وهما جالسان في ردهة ذلك الفندق القديم العريق. قال له: (أولا فإن رئاسة تحرير (الأهرام) شرف بالنسبة لأي صحافي, ولكنني ثانيا لا أظن أن في استطاعتي أن أترك دار (أخبار اليوم) التي أعتبر نفسي سعيدا فيها إلى جانب ما يربطني بها من صداقات أعتز بها كثيرا, ثم انني ثالثا أنتمي إلى مدرسة صحفية قد تختلف عن المدرسة الصحفية التقليدية لـ (الأهرام) , فلقد بنيت حياتي الصحفية على أساس العمل الاخباري وتحركت في ذلك مراسلا سياسيا وحربيا وراء المتاعب في كل قارات العالم, وذلك كله اتجاه إلى الحركة يختلف عن ثبات (الأهرام) , وكذلك ـ رابعا ـ فإنني لا أعرف أحدا في (الأهرام) وفيما مضى فلقد كنت أعرف أنطون الجميل رئيس تحريرها السابق, كما كنت أعرف كامل الشناوي ـ الذي كان ولا يزال أعز الأصدقاء وأغلاهم ولكن كامل الشناوي هو الآخر ترك (الأهرام) , وأخيرا ـ وهذا هو السبب الخامس ـ فإن قارئ (الأهرام) لا يعرفني ومعنى ذلك انه يتحتم علي أن أبدأ من جديد) . وقال علي الشمسي: (تستطيع أن تجد السعادة في (الأهرام) كما وجدتها في (أخبار اليوم) , إن السعادة أن تنجح, وأن تنجح رهن بما تقدمه من عمل وهذا في يدك, وأنت تتحدث عن ثبات (الأهرام) وتتحرج من أن تقول جمود (الأهرام) , مع ان هذا هو رأيي فيه, إن (الأهرام) تحتاج إلى الحركة وهي طابع العصر كله) . و(هناك مسألة أخرى هي ان (الأهرام) تخسر ماليا وأخشى أيضا ان تخسر في قرائها لان المنافسة اشتدت عليها وأصحاب (الأهرام) تراودهم فكرة بيعها وتلك في رأيي سوف تكون خسارة وطنية فمن يعرف من يشتريها وكيف يديرها صحفيا وسياسيا؟) . وانتهى حديث جنيف سنة 1955 وأبعد هيكل الفكرة كلها من فكره. كانت (الأهرام) امتحانا مهنيا حقيقيا لهيكل, فهي (صحيفة شاخت مع الأيام) وعجزت عن المنافسة أمام سخونة وحيوية الصحافة الشابة التي تمثلها (أخبار اليوم) . ولو استطاع هيكل (تجديد دمائها) لأثبت نفسه (مستقبلا) . إن من السهل انجاح صحيفة جديدة, ومن الصعب اعادة الحياة في صحيفة تحتضر, تخسر القراء والأموال, ولا أمل فيها سوى اغلاقها ودفنها مهما كانت الخسارة المعنوية والتاريخية فادحة, ولا جدال في ان اعادة الحياة لصحيفة وهي على فراش الموت يحتاج إلى (مسيح) صحافي, يحيي الموتى, ويحرك المشلول, وينطق الأخرس. كان هيكل أمام تحد مهني صعب, كيف يترك بريقا يحظى به في (أخبار اليوم) ـ التي كان الرجل الثالث فيها بعد صاحبيها ـ إلى جريدة كل ما تملكه ماض عريق ولكن (مستقبلها محفوف بالشكوك) والفشل. ويصعب (وقف تآكل الصدأ فيها) إلا بمعجزة؟ ولكن في الوقت نفسه كان هيكل يشعر بأن شيئا ما (في تركيبة (أخبار اليوم) الداخلية يحول دون اعادة تنظيمها على قاعدة مؤسسية قابلة للبقاء والتطور والتجدد) (2). كان هيكل ممزق المشاعر بين الاستقلال المهني المتوقع في (الأهرام) والبريق المهني المستقر في (أخبار اليوم) . وفي وسط هذه الحيرة, عاد علي الشمسي باشا يلح ويضغط, كان ذلك في ربيع ,1956 وفي هذه المرة أبدى هيكل اهتماما أكبر للسمع, كانا يدوران في مجرى سباق الخيل في نادي الجزيرة وبعد الدورة الثانية قال هيكل: (دعني أفكر لبعض الوقت!) . وبعد أن انتهى فنجان الشاي بينهما ذهب هيكل إلى صديق يثق به هو شيخ المحامين مصطفى مرعي الذي تحمس للفكرة قبل أن يكمل هيكل عرضها, وقال له: انه سيكون محاميه في التعاقد مع أصحاب (الأهرام) , وبالفعل ذهب معه لعدة لقاءات مع عضو مجلس الإدارة المنتدب لـ (الأهرام) وقتها ريمون شميل, وهو ينتمي لأسرة مسيحية لبنانية شهيرة جاءت إلى مصر في نهاية القرن التاسع عشر, وكان نقيبا لمحامي المحاكم المختلطة والمستشار القانوني الدائم لأسرة تقلا مالكة (الأهرام) . وعرف هيكل في تلك اللقاءات ان أسرة تقلا مصرة على بيع (الأهرام) إذا لم يقبل هيكل عرضها. وقد جرت بالفعل مفاوضات بينها وبين دار التحرير للطباعة والنشر التي أسستها الثورة لاصدار (الجمهورية) . وتوقفت الصفقة لأن أسرة تقلا طلبت 800 ألف جنيه لـ (الأهرام) نصفها للأصول والمطابع والمباني, والنصف الثاني لاسم (الأهرام) , وقد وجد أنور السادات الذي كان يمثل دار التحرير ويرأس تحرير (الجمهورية) ان الثمن مبالغ فيه. وتقدمت المفاوضات بين هيكل وريمون شميل, ووصلت إلى درجة كتابة عقد وقعا عليه بالحروف الأولى تسجيلا للنوايا وتمهيدا لاتفاق نهائي, وكان ذلك في يونيو ,1956 ثم طلب هيكل ترك الموضوع حتى يتحدث مع أصحاب (أخبار اليوم) ولا جدال في ان هيكل شعر بقلبه يختنق عندما دخل (أخبار اليوم) في ذلك اليوم وفي جيبه عقد (الأهرام) لقد قضى في (أخبار اليوم) عشر سنوات يصفها بالخصوبة وبأنها وضعت الأساس لأي شيء يمكن أن يصل إليه مهنيا, وفيها عرفه الناس وقرأوا له, وفيها جمعته علاقات إنسانية (واصلة إلى الأعماق) بنجوم الصحافة والكتابة, خصوصا كامل الشناوي وتوفيق الحكيم وإبراهيم عبدالقادر المازني وسلامة موسى وأحمد الصاوي محمد وبيرم التونسي, وقبلهم علي ومصطفى أمين, وتساءل هيكل بينه وبين نفسه: (كيف أترك هذا كله وأخرج؟ كيف أترك بيتا شاركت في بنائه وألفت كل شيء فيه ثم أذهب إلى بيت آخر غريب عتيق يكاد يتهاوى تحت وطأة الأيام والحوادث؟) (3). في صباح يوم 21 مايو 1956 ترك هيكل مكتبه, وقصد مكتب علي أمين, وطلب منه أن يدعو مصطفى أمين للانضمام إليهما, وما ان جاء مصطفى أمين حتى استجمع هيكل شجاعته وأفضى بلا مقدمات بما في جوفه, لكنه قبل أن يكمل حتى قام علي أمين وأغلق باب الغرفة بالمفتاح وهو يجهش بالبكاء, وانتقلت عدوى الدموع إلى مصطفى أمين وإلى هيكل نفسه, وبشكل ما انتهى المشهد العاصف بورقة كتب هيكل فيها خطاب اعتذار إلى أصحاب (الأهرام) لانه وجد ان روابطه بـ (أخبار اليوم) أقوى من اعتبارات أخرى تصورها أثناء مناقشاته معهم, ثم جرى عناق وقبلات, وبعدها أخرج علي أمين مفتاح باب المكتب من جيبه وفتح الباب(4). (ولم تعط الأحداث فرصة لأحد لمراجعة ما جرى في مكتب علي أمين) . كان تأميم قناة السويس في صيف .1956. ثم حرب السويس في خريف العام نفسه, ثم كان النصر السياسي الكبير الذي تحقق لجمال عبدالناصر, ووصوله لنقطة الذروة في شعبيته على كافة المستويات, في الداخل والخارج. موعد في الجزيرة في يوم السادس من ابريل 1957 كان هيكل على موعد لفنجان شاي في نادي الجزيرة مع علي الشمسي, وانضم لهما وهما يتمشيان في ساعة الغروب أستاذ الاقتصاد المعروف الدكتور علي الجريتلي, وكالعادة في مثل هذه الأحوال راح الحديث العشوائي يتشعب من السياسة إلى الصحافة, ومرة أخرى قفزت قصة (الأهرام) . كان علي الشمسي قد ترك رئاسة مجلس إدارة (الأهرام) للسيدة رينية تقلا أرملة جبرائيل تقلا, وقد حاولت المستحيل للتخفيف من حدة خسائر السنوات العشر الأخيرة والتي وصلت إلى مليون ونصف المليون جنيه, بالاضافة لتدني توزيع الصحيفة إلى حدود 68 ألف نسخة ـ وقد راح يتناقص كما كانوا يقولون بعدد اعلانات الوفيات في (الأهرام) ـ ولم يكن أمام السيدة رينية تقلا سوى البيع, ولم تكن فرصة الشراء مغرية فمتوسط عمر العاملين في تحرير (الأهرام) كان 51 سنة, وكانت مطبعة (الأهرام) في بولاق مصنوعة عام 1928. وكان عنبر الحفر في (الأهرام) يحتوي في الغالب على معدات صنعت في فرنسا عام 1904. وكانت مباني (الأهرام) ما بين سراديب تحت الأرض أو جسور معلقة في الهواء, تصل ما بين مبنى ومبنى, ولم يقم أي منها ليكون دارا صحافية, وكان أهمها وهو مقر التحرير أصله فيللا خاصة سكنها القنصل الايطالي في القاهرة عام 1900 وتم استئجارها منه في ذلك العام عندما انتقل صدور (الأهرام) من الاسكندرية إلى القاهرة. (قال الدكتور الجريتلي: انه ليس من حق أحد أن يتصرف في (الأهرام) كملكية خاصة لانه مؤسسة عريقة في تاريخ مصر السياسي والصحفي) . ثم أضاف: (انه لابد للشمسي باشا أن يمارس كل نفوذه كي يحول دون انتقال ملكية (الأهرام) إلى مالك جديد لا يعرف كيف يحافظ عليه) (5). (وقال الشمسي باشا: انه جرب اقناع أسرة تقلا بأن الأمر يحتاج إلى تجربة أخيرة قبل أي قرار نهائي, وفي رأيه ـ كما قال لهم ـ ان (الأهرام) يحتاج إلى صحافي شاب يستطيع تجديد حيويته مع الحفاظ على تقاليده) . ورد الدكتور الجريتلي بأن تلك فكرة صائبة, وإذا بالشمسي باشا يقاطعه قائلا: انه عرض رئاسة تحرير (الأهرام) فعلا على صحافي شاب ولكن هذا الشاب تردد في اللحظة الأخيرة وأوقعه في حرج كبير. ودون أي حسابات, ولعله العقل الباطن الذي يدفع الكامن فيه على السطح وجد هيكل نفسه يقول للشمسي باشا: (انه سوف يريحه إلى أبعد حد, في العام الماضي عرضوا (الأهرام) عليّ واعتذرت وفي هذا العام أنا الذي أعرض نفسي على (الأهرام) . وكان من الصعب على الشمسي باشا أن يصدقه بعدما حدث من قبل, ولكنه استطرد: (الماء يكذب الغطاس, وها هو بيت ريمون شميل على طرف نادي الجزيرة البحري فلنذهب إليه الآن ونتكلم) . وذهب هيكل والشمسي باشا إلى بيت ريمون شميل على غير موعد, وكان الرجل جالسا في صالون في بيته إلى البيانو وأصابعه تجري على المفاتيح بلحن كنسي لباخ. وبعد أن تجاوز الرجل الدهشة جرت اتصالات وحضر آخرون وانتهى المساء بتوقيع عقد ملزم للطرفين بالشروط السابقة وأخذ هيكل نسخته وذهب إلى بيت مصطفى مرعي الذي قال لهيكل عبارة واحدة: (خير ما فعلت) (6). وفي تلك الليلة ـ التي يصفها هيكل بأنها كانت بيضاء كثلوج الجبال ـ لم ينم, لقد اتخذ قرارا مصيريا في حياته, كذلك فإن عليه قبل أن يذهب ويتسلم عمله في (الأهرام) أن يخبر جمال عبدالناصر وأصحاب (أخبار اليوم) بما فعل. في صباح اليوم التالي كان أمام جمال عبدالناصر في مكتبه ببيته بمنشية البكري, وبدون مقدمات جرى بينهما الحوار التالي: هيكل: إنني وقعت عقداً مع (الأهرام) . ناصر: أليس غريبا ان تقبل العمل في (الأهرام) واصحابه اسرة تقلا بينما تعتذر عن عدم العمل في الجمهورية وأنا صاحبها؟ هيكل: (الاهرام) له صاحب استطيع ان أتعامل معه مهنيا, واما (الجمهورية) فلا يمكن ان يكون لديك الوقت لممارسة مسئوليات صاحبها, وبالتالي فهي بلا صاحب, وهذا يجعلها مهنيا معضلة شبه مستحيلة. ناصر: سوف تتعب مع هؤلاء الناس, ما أسمعه عنهم غير مشجع, ولا أظنهم يتركون لك الفرصة لتفعل ما تريد. هيكل: الحكم بيني وبينهم هو العمل نفسه, هم يريدون نجاحا لجريدتهم, وهو ما أريد ايضا, الموقف كله يختلف اذا لاحت علامات نجاح. ناصر: هل هناك مشكلات في (اخبار اليوم) ؟ هيكل: مطلقا, كل شيء هناك في مجراه العادي, لكنني اشعر انني وصلت ـ مهنيا الى آخر السلم فيما يمكن تحقيقه في (اخبار اليوم) في (الاهرام) شيء مختلف, سلم جديد من بدايته, والطريق طويل, وهو في كل الاحوال امتحان اشعر انني متحمس لدخوله. ناصر: الامر لك كما تراه, فهو عملك ومستقبلك, وان كنت لا أخفي أنني مشفق عليك من عناء تجربة جديدة مع اعتقادي أنك قادر على النجاح. وانتقلا الى موضوع آخر, (7) وبقيت امام هيكل مهمة توصيل الخبر الى علي ومصطفى أمين, واستقر رأيه على أن يكون التوصيل كتابة حتى لا يتكرر مشهد الدموع المشحون بالانفعالات والعواطف, وهكذا كتب هيكل لهما رسالة شرح فيها ما شرح, ثم سافر الى الاسكندرية من دون ان يترك عنوانه لاحد, وحينما عاد الى القاهرة بعد 10 ايام كان الخبر قد أصبح حديث الوسط الصحافي, واصبح الجميع امام امر واقع لا يمكن الرجوع عنه مهما كانت المشاعر والروابط. وفي يوم وصوله القاهرة التقى الثلاثة في مكتب علي أمين, وجرى الحوار بينهم هذه المرة هادئاً, عاقلا, واتفقوا في البداية على ان الخروج لم يكن بسبب مشكلات ولا خلافات, ويعترف هيكل بأن هذا صحيح, ثم اتفقوا على أن الانتقال الى (الاهرام) لا يعفي هيكل من الاستمرار في رئاسة تحرير (آخر ساعة) لمدة سنة على الاقل, وهو ما سبب لهيكل مشكلات مع اصحاب (الاهرام) ويقول هيكل: (انهم كانوا على حق, ثم اتفقوا على لقاء منظم بينهم كل اسبوع, لايحتاج الى دعوة أو تأكيد, وان يكون على الغداء كل ثلاثاء في بيت مصطفى أمين, واستمر هذا التقليد لمدة 8 سنوات لم يمنعه خلالها إلا الشديد القوي, ويعترف هيكل بان غداء كل ثلاثاء اثبت فاعليته فقد كان دوما فرصة منظمة تزيل أية عوائق وتحول دون تراكمات) . وفي يوليو ـ شهر الحظ ـ ولكن في عام 1957 دخل هيكل (الاهرام) لتبدأ مرحلة جديدة في حياتهما معا, هو والصحيفة العريقة. لا للتزويق بعد شهر كامل من دراسة اوضاع (الاهرام) من الداخل ذهب هيكل الى مجلس ادارته ـ وكان قد أصبح عضوا فيه ـ وهو يحمل معه اول تقرير عن المستقبل, وكان مجلس ادارته يتكون من السيدة رينيه تقلا رئيسة لمجلس الادارة والاستاذ ريمون شميل عضوا منتدبا والاستاذ نعوم بحري مديرا عاما والاستاذة بشارة تقلا وفريد شقير عضوين, وكان أول ما فوجىء به هيكل في الاجتماع أن لغة المناقشة فيه ولغة المحاضرة الرسمية هي اللغة الفرنسية, وكانت فرنسيته لا تزال تترك الكثير من التمني على حد تعبيره, وفي الاجتماع اعترض هيكل على تحميل (الاهرام) المصاريف الشخصية لأصحابه, مثل لوج دائم في الاوبرا, والحفلات, والولائم, وسباق الخيل, والتبرعات الخيرية, وطلب 10% من الارباح, نزلت الى 5.7% وفي نهاية العام الأول كان هناك وفر 2000 جنيه. وكان هذا المبلغ هو أول خميرة بناء مشروع المبنى الجديد. ودخل هيكل (الاهرام) ومعه أربعة سبقوه الى هناك هم علي حمدي الجمال وقد اصبح مديراً للتحرير وكمال الملاخ وقد اصبح محررا للصفحة الاخيرة وتوفيق بحري وقد اصبح مديراً للشئون الفنية ونوال المحلاوي مديرة مكتبه وفي داخل (الاهرام) كان هناك ممدوح طه رئيس قسم الاخبار وجورج عزيز رئيس القسم الخارجي ونجيب المستكاوي رئيس القسم الرياضي وزكريا نبيل محرر الشئون العربية, وبهذه المجموعة بدأ هيكل تجربته في (الاهرام) وكان الطابع الذي اختاروه هو الطابع الخبري, (أن يكون الاهرام سباقا بكل خبر, وان يكون كل خبر في (الاهرام) صادقا الى ابعد حد, وان يكون عرض الخبر في (الاهرام) عن طريق التحقيق الذي يعطي الخبر كل أبعاده وليس عن طريق (التزويق) الذي يغطي ملامح الحقيقة في الخبر) . الخوف والرعدة من يوليو 1957 الى فبراير 1974 بقي هيكل في الاهرام حوالي 17 سنة رئيسا للتحرير ثم رئيسا للتحرير ورئيسا لمجلس الادارة, وبقدر خوف هيكل وقلقه من انتقاله الى الاهرام بقدر ما كان نجاحه المذهل فيها, لقد كان باعة الصحف يصفون الاهرام (بأهرام هيكل) وعندما بنى هيكل المبنى الجديد للأهرام في شارع الجلاء وانتهى منه في يوليو 1967 وصف بانه (الهرم الرابع) لكن ذلك لا يقارن بالقفزة الصحافية النوعية التي حققها هيكل للصحيفة العتيقة التي تسلمها وعمرها حوالي 125 سنة ومصابة بكل امراض واعراض الشيخوخة, لكن الصحيفة العجوز اعطت للصحافي الشاب الذي كان عمره لا يزيد على 34 سنة شهرة بقدر ما اعطاها حيوية, واعطته ثقة بقدر ما اعطاها قوة, ودعمت مستقبله بقدر ما حافظ هو على ماضيها. لقد قفز توزيع (الاهرام) في عشر سنوات من 60 الف نسخة الى 350 الف نسخة يوميا, اما العدد الاسبوعي, عدد (الجمعة) الذي كان ينشر فيه هيكل مقاله (بصراحة) فكان يصل الى 750 الف نسخة, وهو رقم لم تصل اليه صحيفة عربية من قبل, لكن كلما كان الرقم يرتفع, كان عدد (السيجار) الذي يدخنه يزيد, وكذلك عدد اقراص الفيتامينات واقراص (الالكاسلز) المهضمة, وبمرور الوقت اضيفت اقراص علاج المرارة, وكلها اقراص كان يحرص على وضعها فوق مكتبه بجوار حجم معين من ورق (الدشت) ـ وهو فائض الاوراق التي تطبع عليها الجرائد ـ قبل أن يغلق عليه الباب يوم الثلاثاء ـ من الثامنة صباحا حتى الثالثة عصرا ـ ليكتب مقال (الجمعة) الشهير (بصراحة) من دون ان يجرؤ احد على إزعاجه, ويقال ان جمال عبدالناصر كان يعرف موعد كتابة المقال, ولكنه كان ينسى أحيانا ويطلبه, وعندما ترد سكرتيرته (نوال المحلاوي) كان يبادر بالاعتذار قائلا: (أنا متأسف.. نسيت أن الاستاذ بيكتب النهاردة) . (8) وفيما بعد, عندما أصبح هيكل يعمل في مكتبه الخاص اضيفت اقلام الفلوماستر السوداء, وورقة في حجم الكف يسجل عليها مواعيد الأسبوع, بخلاف اوراق صفراء يسهل نزعها بعد لصقها, يستخدمها في كتابة الملاحظات السريعة. ويقال أيضا: انه كان يحتفظ في جيبه بنوتة حمراء صغيرة يسجل فيها ـ وهو في اي مكان ـ بعض الجمل والعبارات الرشيقة والجذابة التي يسمعها أو تخطر على باله. (9) ويقال انه قليل الشطب والحذف.. ويصر على مراجعة (بروفة) مقاله بعد أن تصفها حروف المطبعة بنفسه مرتين على الأقل.. وقد رأيته بنفسي وهو يراجع بروفة كتابه (المفاوضات السرية بين العرب واسرائيل) . وكان بطيئاً دقيقاً في المراجعة. وقد رأيت الكرسي الذي يجلس عليه في مكتب بيته, ويقال إنه اشتراه من جينو في جنيف في سويسرا لكنني لم أر المقعد الذي كان يجلس عليه في مكتبه بالدور الرابع من المبنى الرئيسي للأهرام.. ويقال انه كان من تصميم (جينو) وقد وضع في مخازن (الاهرام) بعد خروجه. وحسب رواية سكرتيرته نوال المحلاوي فإن جمال عبدالناصر عندما دخل مكتب هيكل ـ وهو يفتح المبنى الجديد للاهرام ـ وجد أنور السادات ـ الذي كان معه ـ يشير الى المقعد ويقول: (شايف.. ياريس.. محمد بيقعد على كرسي شكله إيه؟) . وإذا كان أنور السادات قد انتبه الى الكرسي فإن جمال عبدالناصر قد انتبه الى (الاهرام) كله, فقد قال لهيكل مازحا في هذه الزيارة: (أنا عاوز أرفدك علشان آخذ مكانك في رئاسة التحرير) . (9) ويروي مساعدو هيكل انه لم يكن من السهل ان يرى الناس هيكل, حتى المحررين (كان دخوله وخروجه سرا, يجري سلالم مبنى (الاهرام) القديم في شارع مظلم في وسط القاهرة ليدخل حجرته الى شمال المبنى في جزء منعزل تحرسه سكرتيرته, وفي مدخل (الاهرام) كان يجلس رجل نوبي كبير اسمه عم صالح يسجل دخول وخروج المحررين على ساعة ميقاتية, يخرج منها شريط طويل عليه اسم المحرر وساعة حضوره وانصرافه, كل شيء كان سرا غامضا, رقم تليفونه, وموعد حضوره, ومن النادر أن كانت سيارته تقف امام باب (الاهرام) (10). ليلة القبض على نوال وراء كل هذا الغموض كانت سكرتيرته نوال المحلاوي.. ان التاريخ الصحفي في مصر لا يذكر ـ وربما لن يذكر ـ شخصية سكرتيرة رئيس تحرير مثل نوال المحلاوي... لقد عملت مع هيكل منذ دخوله الاهرام وبقيت معه 13 سنة ولم يبعدها عنه إلا كارثة سياسية من النوع الثقيل وقد تخرجت من الجامعة الامريكية في عام 1956 بعد ان درست الصحافة والإدارة, واجادت اللغة الانجليزية, لكن كان اهم مواهبها حفظ وكتمان الأسرار, وحتى وفاتها بالسرطان في عام 1999 ظلت ترفض كتابة مذكراتها, وماتت, ومات معها معظم الأسرار, وكل ما عرف عنها, انها عملت لمدة عام واحد محررة في وكالة انباء الشرق الاوسط, ثم تركتها الى مكتب هيكل, لتصبح الشخصية القوية في الاهرام بعد رئيسها, لدرجة أن جمال عبدالناصر عندما جاء لزيارة (الاهرام) لم يعترض عندما أعدت له بيدها فنجانا من القهوة وقدمته له, وكان مقررا ألا يشرب, ولا يأكل شيئاً, وتناول جمال عبدالناصر فنجان القهوة وقال لها: (أريد أن أتصور معك, كان نفسي أشوفك من زمان, كنت اسمع صوتك في التليفون بس) (11). لكن نوال المحلاوي ذات الشأن في (الاهرام) والتي تتمتع بحماية هيكل الصديق الشخصي لجمال عبدالناصر قبض عليها في مايو 1970 هي وزوجها ولطفي الخولي الذي كان رئيسا لتحرير مجلة (الطليعة) اليسارية التي كانت تصدر عن (الاهرام) ولم ينشر (الاهرام) خبر الاعتقال الذي فسر بانه كان بسبب انتقادات النظام, وبعد أن افرج عنها لم تعد الى مكتب هيكل, وانما نقلت الى مكان آخر في الاهرام, وفيما بعد, تولت مسئولية ادارة نشر وترجمة الكتب, وهو آخر منصب لها في (الاهرام) وبقيت فيه حتى وفاتها. وقد اشار هيكل لواقعة اعتقال نوال المحلاوي اثناء التحقيق معه امام المدعي الاشتراكي عندما قال: (اعتقد أن (الأهرام) في ذلك الوقت ورغم قرب رئيس تحريرها بصداقة حميمة مع الرئيس جمال عبدالناصر كانت أكثر الصحف تعرضا لضربات بعض الاجهزة وعلى سبيل المثال فقد جرى اعتقال الدكتور جمال العطيفي واعتقال الاستاذ لطفي الخولي واعتقال الاستاذ حمدي فؤاد (كان محررا للشئون الدبلوماسية) والاستاذ أحمد نافع (محرر الشئون العربية) والاستاذ يوسف صباغ من هيئة تحرير (الاهرام) ووصل الامر الى حد اعتقال سكرتيرتي الخاصة بعد 3 ايام من تعييني وزيرا للارشاد (الإعلام فيما بعد) وكنا جميعا في ذلك كله نصمد, لا نهرب, ولا نستسلم, ولا نحول موقفنا الى حالة غضب شخصي, وانما ندافع عن مبدأ لنا ولغيرنا, اذن فقد كنا ننتقد التجاوزات ونتعرض لبعضها) . (12) وقبل أن يترك هيكل (الاهرام) كانت الصحيفة التي تسلمها مديونة قد اصبحت تحقق ارباحا سنوية ما بين 3 ـ 4 ملايين جنيه, وكانت اصولها الثابتة تزيد على 40 مليون جنيه, وحجم عملياتها السنوية لا يقل عن 100 ميلون جنيه, واصبحت (الاهرام) ذات سمعة دولية جعلتها واحدة من الصحف العشر الكبرى في العالم طبقا لتقرير نشرته جريدة (التايمز) واصبحت دارها الصحافية بما فيها من تجهيزات حديثة ومعدات واحدة من الدور الصحافية الثلاث الأكثر تقدما في العالم وذلك بشهادة مؤتمر الصحافة العالمي في لوس انجلوس سنة ,1971 ان كل ذلك تم بدون أية معونات خارجية وبدون أية مساعدات وانما تم بالعمل الانساني وحده لكل الذين شاركوا معي في إعادة بناء الأهرام) . (13) وقد كانت (الاهرام) وقت دخوله اليها تعتمد على ماكينات طباعة مصنوعة في فرنسا في الفترة ما بين عامي 1904 و1928 وكان رأسمال الشركة التي تصدر (الاهرام) هو 400 الف جنيه وقد زادت خسائر الاهرام على رأس المال عدة مرات. الـهـوامـش: (1) هيكل بين الصحافة والسياسة ـ مرجع سبق الإشارة اليه ـ ص 63 (2) المرجع السابق ـ ص 65 (3) المرجع السابق ص 66 (4) المرجع السابق ـ ص 70 (5) و(6) المرجع السابق ـ ص 71 (7) الحوار مستخلص من المرجع السابق ـ ص 72 (8) سمير صبحي: (الجورنالجي) ـ مرجع سابق ـ ص 25 (9) مجلة الدستور اللندنية ـ العدد رقم 154 بتاريخ 24 سبتمبر 1973 (10) سمير صبحي: المرجع السابق ـ ص 91 (11) المصدر السابق ـ ص 130 (12) هيكل: وقائع تحقيق سياسي امام المدعي الاشتراكي ـ الناشر شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ـ الطبعة التاسعة ـ 1988 ـ ص 224 (13) المصدر السابق: ص 325