الثورة الجزائرية المسلحة انطلقت في عام 1954 لكنها لم تبلغ هدفها النهائي في تحرير الارض في الاستعمار الاستيطاني الفرنسي الا بعد ثماني سنوات.. في عام 1962. ونظيرتها الثورة الفيتنامية المسلحة لم تحقق هدفها المماثل الا بعد 33 عاما علما بأن انطلاقتها كانت في عام 1942. فمتى تحقق حركة التحرر الفلسطينية هدفها في تحرير ارضها تماما من الاستعمار الاستيطاني الاسرائيلي؟ ان الدول ذات السيادة, اذا خاضت حربا فانها عادة تفضل ان تكون حربا قصيرة وحاسمة, لكن الحرب الخاطفة القصيرة لاتلائم حركات التحرر الشعبية لانها لاتملك موارد الدولة المستقلة.. فرأسمالها الاكبر ليس بنية اقتصاد وطني وانما يتمثل في عناصر بشرية على استعداد للتضحية جيلا بعد جيل دون ان تنتظر نصرا حاسما سريعا. ومشكلة حركة التحرر الفلسطينية هي ان قيادتها لم توطن نفسها على نهج المقاومة المسلحة ذات النفس الطويل.. بل وان تبنيها نهج المقاومة المسلحة كمبدأ مشكوك فيه. هذا هو المنظور الذي ينبغي في تقديري ان ننظر من خلاله في مشهد الانتفاضة الجارية في الارض الفلسطينية لنستطيع ان نقرر مدى قربها او بعدها عن النموذجين الجزائري والفيتنامي. ان ابرز عنصر نراه الآن في المشهد الفلسطيني هو ان القيادة تتحدث عن وقف اطلاق النار ولما يتجاوز عمر الهبة المسلحة اياما معدودات, وهذا بحد ذاته ينهض دليلا على ان القيادة الفلسطينية لايتوافر لديها استعداد لمجابهة دموية طويلة النفس. لكن على هذا النحو فان القيادة الفلسطينية منسجمة مع تاريخها القصير, ذلك ان منظمة التحرير الفلسطينية كجهاز قيادي ولدت ابتداء خارج الارض المحتلة ودون مشاركة جماهير الداخل في اختيار عناصرها القيادية, والعناصر القيادية التي جرى اختيارها كانت اصلا تعيش خارج الارض المحتلة. ومنذ عام 1964 عندما اعلن قيام المنظمة وحتى اليوم لايمكن القول بصورة قاطعة ان قيادتها تبنت بصورة جادة خيار الكفاح المسلح كنهج يستهدف البنية الاحتلالية الاسرائيلية داخل الارض المحتلة. اجل, خاضت قوات المنظمة المسلحة عند اواخر الستينيات وأواخر السبعينيات معارك مسلحة ضد الاسرائيليين متخذة من الاراضي الاردنية قاعدة للانطلاق, لكن سرعان ما تحول الوجود العسكري القتالي للمنظمة من خطر يتهدد الاحتلال الاسرائيلي الى وجود سلطوي مسلح يهدد الدولة الاردنية نفسها مما ادى الى (حرب اهلية) في عام 1970. وكذلك فان الكفاح المسلح الذي خاضته قوات المنظمة في لبنان بعد ذلك ابتداء من منتصف السبعينيات كان في الحقيقة مشاركة مسلحة في الحرب الاهلية اللبنانية بالانحياز الى طرف لبناني ضد آخر, فقد جاء انتقال المنظمة من الاردن الى لبنان ايذانا بدخولها على خط الصراع السياسي الداخلي في لبنان ومن مفارقات القدر غير السارة ان دخول منظمة التحرير الارض المحتلة كان بموجب اتفاق اوسلو لعام 1993 الذي كان عبارة عن مقايضة تطلب ابرامها تنازل المنظمة عن مبدأ الكفاح المسلح نهائيا, ومع اشعال الجماهير الفلسطينية انتفاضة مسلحة داخل الارض المحتلة اليوم فان السؤال يبقى معلقا الى حين: هل تبنى الفلسطينيون خيار المقارمة المسلحة ذات النفس الطويل الذي يتطلب اول ما يتطلب اصرارا على المقاومة حتى النصر النهائي؟