كان الحديث في الماضي ينصب على الأخطار الناجمة عن شن الحروب, وما تسببه من محن وفظائع وسفك دماء وهدر أموال, سواء على صعيد الاقتتال الداخلي بين أبناء الأمة الواحدة, أو في مجال الصراعات المسلحة بين الدول. أما اليوم فقد برزت مخاوف جديدة فرضتها التهديدات البيئية, وما تحمله من أخطار مستقبلية لا تحدها حدود, ولا يمكن التكهن بمداها. ونتيجة لذلك, تشكلت قناعات جديدة لدى العديد من قادة العالم الذين يملكون مفاتيح الحل والربط واتخاذ القرار. وأصبح هناك اعتقاد راسخ بأن من الضروري العمل على محاصرة بؤر التوتر في العالم وحل النزاعات الاقليمية, وصولا إلى الحد ما أمكن من الصراعات العسكرية والقتال بين الشعوب, بهدف التفرغ لمواجهة التهديدات البيئية التي تنذر البشرية بأوخم العواقب وأسوأ الكوارث, وبالتالي الوصول إلى توفير الحد الأدنى لما يسمى بالأمن البيئي. ويبين الدكتور رسلان خضور في كتابه (اقتصاديات البيئة) ان الأمن كان في الماضي يعني حماية الأرض والحدود من العدوان الخارجي, أو حراسة المصالح القومية للأمة, أو وقاية العالم من نشوب حرب ذرية. وإذا أخذنا بهذا المفهوم القديم, فإن الأمن لم يكن يعني أكثر من التسلح. ولكن مع مرور الزمن, لم يعد التهديد العسكري وحده في الميدان, بل أخذت تنبثق أخطار جديدة جعلت مفهوم الأمن يتخذ أبعادا أوسع, فظهرت مفاهيم, مثل الأمن الاقتصادي والأمن الاجتماعي والأمن الغذائي والأمن الصحي والأمن المائي والأمن الشخصي, وكذلك الأمن البيئي الذي يعني توفير الحد الأدنى من وسائل مواجهة الأخطار البيئية. ويبين لستر براون في الكتاب الصادر باللغة الانجليزية بعنوان (OUR CHANGING WORID) أي (عالمنا المتغير), ان الصورة البيئية الحالية للعالم قاتمة وتختلف إلى حد بعيد عن الصورة القديمة. فالغابات تتقلص وتنحسر, والتربة تتآكل وتذوب, والصحارى تمتد وتزداد اتساعا, وطبقة الأوزون ترق وتضعف, وكثير من أصناف الحيوانات والنباتات تنقرض وتختفي من على وجه الأرض. والأدهى من هذا كله, ان حرارة الأرض أصبحت ترتفع بوتيرة منتظمة وبشكل يهدد مستقبل الحياة برمتها. ومما يزيد هذه المشكلة حدة وتفاقما, التزايد المستمر في استعمال الطاقة الأحفورية والبيوت الزجاجية, مما يؤدي إلى تسميم الجو بأكسيد الكربون الذي يسهم مع غازات أخرى مثل الميثان والفلور وغيرهما, في رفع درجات الحرارة, وبالاضافة إلى ما سبق, لا ننسى مشكلة النفايات. ومن الذين سلطوا الأضواء على هذه المشكلة ك. ت. جورلاي الذي يبين في كتابه الصادر باللغة الانجليزية بعنوان (A WORLD OF WASTE) أي (عالم النفايات), ان أخطار النفايات التقليدية المعروفة مثل بقايا الأطعمة والبراز لا تقاس بما تهددنا به النفايات التي تطلقها الصناعات الحديثة ومحطات الطاقة. وهي تصب في البحار والجداول والأنهار, فتسممها, كما تنطلق في الجو, فتلوثه. أما النفايات المشعة التي تبثها المفاعلات النووية, فيتوقع أن تكون من أهم التهديدات في القرن الحالي. ويتساءل جورلاي عما يحدث إذا بقيت النفايات على حالها, دون أن يتم التخلص منها, ويجيب هو نفسه عن هذا التساؤل, وضمن الكتاب الذي أشرنا إليه, موضحا ان ما سيحدث هو كالتالي: أولا : تراكم القاذورات والبلاستيكات في البحار: ثانيا : تشكل النترات في مياه الشرب. ثالثا : تسرب بقايا مضادات الحشرات إلى الأطعمة. رابعا : تكوُّن ـ بضم الواو وتشديدها ـ الطحالب السامة. خامسا : بقايا المعادن الثقيلة والكيميائيات السامة في البحيرات والجداول والشطآن, مما سيسفر عن اغتيال الحياة النباتية والحيوانية فيها. سادسا : ظهور نشاط اشعاعي في بعض المناطق, ولا سيما الساحلية. سابعا : تشكل الضبخان (أي الضباب + الدخان) في سماء شوارع المدن الكبرى في العالم. ثامنا : ظهور أمطار حمضية تؤدي إلى إتلاف البحيرات وانكماش الغابات. تاسعا : تنامي حفرة طبقة الأوزون. عاشرا: ازدياد التسخن في مناخ الأرض, ولا سيما بسبب تأثير الدفيئة الغازية. وقد قفزت مشكلة هذه الدفيئة في السنوات الأخيرة لتحتل الصدارة في قائمة المشكلات الحساسة. ويقول جيس أوزوبول في كتابه الصادر باللغة الانجليزية, بعنوان (TECHNOLOGY AND ENVIRONMENT) أي (التكنولوجيا والبيئة), ان المعدل الوسطي لدرجة حرارة الأرض يتحقق بفعل التوازن بين التأثير التسخيني للاشعاع الشمسي, والتأثير التبريدي للطاقة الاشعاعية تحت الحمراء والمنبعثة من باطن الأرض. وهناك عوامل عديدة يمكن أن تخل بهذا التوازن وتفسده, ومن أهمها غازات الدفيئة الزجاجية التي تزداد كمياتها باضطراد. وإذا استمر تسخن الأرض بفعل الغازات المذكورة وغيرها من العوامل, فإن هذا سيؤدي إلى ارتفاع مستويات البحار, بسبب تدفق المياه عليها من الأنهار والقلنسوات الجليدية الجبلية, وإلى شح الأمطار في البلدان التي تقع في خطوط العرض المتوسطة حيث يتم انتاج معظم كميات الحبوب العالمي. وبعد أن استعرضنا بعضا من التهديدات البيئية التي تجعل امكانية استمرار الحياة على الأرض في المستقبل البعيد في موضع التساؤل, سنحاول أن نبحث عن بعض الحلول الممكنة من خلال الاستئناس بأدبيات المختصين البيئيين. وبالطبع, فإن هناك قطاعات عديدة من المجتمع يمكن أن تسهم في معالجة المشكلات البيئية, مثل السياسيين والمهندسين والبيولوجيين والقانونيين والأطباء وغيرهم. ويبدو ان الجماهير بشكل عام لم تعد تعلق آمالا كبيرة على قدرة هؤلاء على اجتراح الحلول. إلا ان علينا ألا نفقد الثقة في ان التكنولوجيا الحديثة لابد أن تقوم بدور فعال في هذا المجال, ولو على المدى البعيد. ويقترح الخبير العالمي أوزوبول في كتابه (TECHNOLOGY AND ENVIRONMENT) الذي سبق أن أشرنا إليه اجراءات أساسية, نلخص فحواها فيما يلي: 1 ـ الاستعانة بالتجديد التكنولوجي من أجل تحسين وسائل التعامل مع الفضلات, وتحويل بعضها إلى مواد مفيدة صالحة للاستعمال من جديد. 2 ـ العمل على انقاص نسبة ثاني أكسيد الكربون في الجو, عن طريق احراق الوقود الحفري, وزيادة كفاءة الطاقة, من خلال التوسع في استخدام الأفران الكفيلة الحديثة التي تعيد امتصاص الجزء الأكبر من الحرارة المقذوفة, مما يؤدي إلى الاستغناء عن 28% من الوقود اللازم, وكذلك إلى الغاء الحاجة للمداخن. 3 ـ ترشيد استعمال المياه. 4 ـ التوقف عن ازالة الغابات لغاية السكن والحصول على الخشب, وتحقيق ثورة خضراء جديدة في هذا المجال, على غرار الثورة الخضراء الزراعية في الستينيات. 5 ـ اجراء دراسات جدية حول الأسباب الحقيقية لانقراض بعض أصناف الحيوانات والنباتات. 6 ـ الاقلال من استخدام المواد الكيميائية والمبيدات الحشرية. أما الخبير العالمي براون, فيرى ضرورة التوسع في برامج التخطيط العائلي للحد من التفجر السكاني الذي يعده من الأسباب الهامة لتلوث البيئة وتسخن الجو وترقق طبقة الأوزون. كما انه يدعو إلى اعادة بناء الهيكلية الأساسية لاقتصاد العالم, نظرا لوجود علاقة وثيقة بين البيئة والاقتصاد. وبعد, فإذا كانت الحروب تستنزف الموارد وتشل الاقتصاد وتمتص جهود التنمية, فإن منعها أو على الأقل الحد منها, ممكن, إذا ركن الإنسان إلى الحكمة والعقلانية وخلد إلى الفضيلة الأخلاقية. أما الأزمات البيئية التي تهدد مستقبل الحياة على كوكبنا الأرضي, فإن معالجتها أكثر صعوبة وتعقيدا واستعصاء, لأن هناك عوامل من فعل الطبيعة نفسها تتدخل في المشكلة, ولا حيلة للإنسان فيها. كما ان أية حلول مقترحة لمواجهة المشكلات البيئية تصطدم بحاجز ضرورة الحد من التنمية والتوسع الصناعي. ومع ذلك, فإن حكمة الإنسان وبراعة المختصين العلميين والتكنولوجيين, يمكن أن تفتحا الطريق أمام تحقيق حد أدنى من الأمن البيئي, على أقل تقدير. كاتب سوري