شديدة الوقع تلك العبارة التي كتبها احد الزملاء في احدى صحف الاردن: من الفنادق الى الخنادق. فهي توجز في كلمتين هذا المنعرج الخطير ـ والاخير ـ الذي اخذته ملحمة القدس الشريف بثورة شعب كامل, دفع في مدى اسبوع واحد ضريبة الدم والشهادة واخرج قضيته من اروقة الفنادق الفاخرة ومن كامب ديفيد الى عرق الخنادق التي غالبا ما تصنع اقدار الشعوب وتكتب الملاحم وتنصر الثورات. وقد احسن سماحة شيخ الازهر قولا من ان القوة هي الرد الوحيد على الاستفزاز والقهر والطاغوت وبالغة التأثير في النفوس تلك الصورة التلفزيونية المباشرة التي رأينا فيها الطفل محمد يجندل من قبل رصاص الجبناء والوحوش وهو يحتمي بوالده اتقاء الرصاص. صورة دموية بليغة تؤكد ان باراك يكذب حينما يقول ان جنوده يدافعون عن انفسهم بينما هم قتلة بلا رحمة ينفذون أوامر حكومتهم الحقيقية, اي القتل والابادة والترويع واستهداف الرؤوس لبث الرعب. وخجولة ردود الفعل الرسمية العربية التي قلما ترقى الى ضمائر الشعوب العربية والاسلامية. هذه الشعوب التي تصالحت مع عروبتها وقوميتها وهويتها وتجاوبت مع نداء القدس الشريف اولى القبلتين وثالث الحرمين.. والارض المقدسة التي كانت مسرى النبي العظيم محمد بن عبدالله. لكن مهما يكن من أمر.. فالمنعرج حاسم والحقيقة ناصعة عارية مشرقة, لا تفيد معها عمليات التجميل الاصطناعي بالسفسطائية والخطب العصماء الكلامية التي طالما كتبت بماء العين. ان ما يجري من دم فلسطيني ساخن يبقي زيتونة الحق والحرية والشورى واحترام حقوق الانسان العربي المسلم اينما كان. إن رصاص الغدر الذي يجندل شهداء الطفولة من سن السابعة الى العاشرة لن يقوى على اخماد الجذوة المشتعلة بل سيزيدها لهبا ونورا. ان الذي يولد في القدس والناصرة ونابلس والخليل وأم الفحم هو جنين العالم العربي الجديد بصمود اجياله وقيم ابنائه وتاريخ امته وامجاد ماضيه ومصير اوطانه. ان التاريخ حفظ لنا عبر القرون اسماء الذين صمدوا في الخنادق ولم يحفظ اسماء الذين تجولوا في الفنادق.. حفظ التاريخ اسماء الذين عرفوا المنافي والسجون وواجهوا الرصاص وجاعوا وتشردوا في الارض ولم يحفظ اسماء الذين قعدوا وتخلفوا وشبعوا واستقروا. هكذا هو قدر التاريخ في تحولاته وتقلباته وزلازله وهزاته, وجل الله سبحانه من قائل في سورة البقرة آية 214: (أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا ان نصر الله قريب) صدق الله العظيم بهذه الآية الحكيمة من ذكره وضع الله سبحانه نصره القريب لدى الذين مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى اذا تسرب الى نفوسهم المؤمنة وميض من شك او ريبة, وتساءل بعضهم متى نصر الله؟ جاء جواب الحق تبارك وتعالى واضحا شافيا وافيا بأمر الله القاضي بأن نصر الله قريب. وسيكون النصر قريبا لشعب فلسطين وهو يتصدى للهمجية في صيغتها المعولمة التي قلبت الحقائق وشوهت التاريخ ورهنت المستقبل باسم مصالح الشركات العابرة للقارات وتحت شعارات مخططات ومسيرات السلام. ونتساءل كم من (محمد) يجب ان يستشهد في فلسطين لتنفتح عيون الدنيا وتنكشف مخططات العدوان والاذلال والارهاب؟ كم من (محمد) يجب ان يقتل وهو في احضان ابيه حتى يفهم العالم حقيقة فلسطين: اكبر واطول مظلمة عرفا القرن العشرين؟ اخطر وأوحش مجزرة من الثلاثينيات حين استشهد الشيخ عز الدين القسام الى يوم الاحد 1/10/2000 حين استشهد الطفل الوديع محمد أمام كاميرات العالم الخرس الاصم. ان ملحمة القدس عادت الى جوهر الخليفة عمر بن الخطاب وعادت الى معدن الفاتح صلاح الدين الايوبي, ولم يعد ينفع تخدير البيانات المنددة والمستنكرة والشاجبة التي برعنا في صياغتها ـ بماء العين ـ وببلاغة بني يعرب والتي عادة مع الاسف لا تغادر قاعات انتظار الفنادق والمطاعم. لقد قرر شباب فلسطين 1948 و1967و1982 ان يتحول ملفه الى الخنادق.. الى النار والدم والفداء فحي على الجهاد والنصر للصامدين والعاقبة للصابرين.