عندما تسافر طويلا خارج حدود الوطن العربي يحدوك الشوق إلى من يحادثك بلغتك ويشاطرك مشاعر الوحدة وعواطف العروبة , وليس أحن على النفس من الأغنيات العربية التي تطرب لسماعها حتى لو كانت من جنس المأكولات المعلبة. ولعل المتجول في الأسواق والتجمعات الاستهلاكية في بلدان شرق آسيا على وجه الخصوص لا يشعر بالغربة بقدر شعوره بالأسى والمرارة على ما وصلت إليه حال الأغنية العربية بعد عقد من الازدهار والتألق. فالأسواق هناك تنتعش مع أصوات الموسيقى الصاخبة والأغنيات الجماهيرية , والتي تلتقطها أذن المستمع العربي وتستسيغ سماعها لتطابقها مع ألحان أغنيات ألفها بلغته وبأصوات عربية. وعلى الرغم من الحساسية المفرطة التي يطلقها البعض ضد المنتجات المقلدة التي تزخر بها أسواق بعض هذه الدول إلا أنه يغفل دوره في تقليد أغنياتهم باعتباره أمرا من إنتاجه. ولعل السائح العربي في أسواق هذه الدول قد يبالغ كثيرا في إجهاد ذهنه لمجرد التعرف على فحوى الأغنيات من خلال معطيات اللحن فقط, فمطربونا كثر والأغنيات التي تطرح لهم في اليوم الواحد أكثر من عدد الثواني فيه, وبالتالي فانه بحاجة إلى ذاكرة حديدية تتعرف تلقائيا على النسخ المقلدة من الأغنيات العربية بمجرد سماع أصولها. وبعيدا عن مظاهر الإسفاف والتسطيح والتهريج التي تمر بها الأغنية العربية قي وقتنا الحاضر وما جنته عليها أصوات الدخلاء من خيبة وانتكاس, فان صياغة بضع جمل وعبارات تؤدى بألحان مسروقة من أغنيات تندرج تحت ثقافة شعوب أخرى إعلان صريح بالإفلاس , وإشهار بأن الأغنية العربية لم تعد فنا خالص الهوية بل أصبحت هجينا من أكثر من ثقافة. إن الاستخفاف بدور الفن والسعي لفبركة الأغنية بتجميع مكوناتها من هنا وهناك لمجرد تحقيق الانتشار والشهرة السريعة أصبح من أهم أهداف منتجي الأغنية اليوم , وهو أسلوب سهل وعمل رخيص, إلا أنه في حقيقته توجه يقود هويتنا إلى العدم وثقافتنا إلى الحضيض. والدعوة التي نرفعها إلى شركات الإنتاج هي ضرورة العودة بالأغنية العربية إلى الحيز الثقافي أي ضرورة أن تعود كما كانت في أصلها شيئا ثقافيا بالمعنى الفكري والحضاري يسائل العالم ويشهد عليه ويحلم به. وكما هي غيرة المغني على أعماله من السرقات , فان عليه أن يغار على نفسه من أن يدخل إلى رصيده أعمالا قدمها فنانون آخرون فينسبها إلى نفسه, والأهم من ذلك كله هو أن يؤمن الفنان برسالته ودوره المؤثر, وأن يكون مقتنعا تماما بالعمل الذي يقدمه حتى وان لم يصادفه الانتشار الجماهيري السريع, فالشهرة والانتشار ليسا في حسبان الفنان الحقيقي ولكن مرحبا بهما إذا ما جاءا مع الجودة والمصداقية.